هل ستؤثر أحداث 11 شتنبر على مسار العولمة؟
يحيى اليحياوي
1- لا يبدو من المبكر كثيرا، ولا من السابق لأوانه، التساؤل في مخلفات أحداث الحادي عشر من شتنبر بالولايات المتحدة، ولا الوقوف عند ما قد سيترتب عنها من إعادات رسم جديدة محتملة لهياكل وبنى العلاقات بين دول العالم واقتصاداتها وشعوبها.
فالحادث كان من القوة والعنف ما جعله يخلف لتوه (أي بمجرد وقوعه) انهيارات متسارعة في أنظمة البورصات وإفلاسات متتالية للعديد من القطاعات (أولاها قطاع الطيران المدني) وتقليصا لحركة تنقل السلع والخدمات والأفراد ندر مثيلها بداية هذا القرن.
لم يكن لعملية، من قبيل عملية ضرب مبنى التجارة العالمي ومقر البنتاغون، أن تفرز من الانعكاسات السريعة والمتوالية كالتي حصلت، لو لم تكن قد طالت أول قوة اقتصادية وعسكرية ومالية وسياسية وتكنولوجية في العالم.
ولم يكن للحادث ذاته أن يلقى من ردود الأفعال ما لقي لو لم يكن قد استهدف رمزين من رموز العولمة الاقتصادية والعسكرية تتجمع بها من الأسرار المالية والحربية ما لا يتجمع بأي جهة أخرى من العالم.
وبصرف النظر عن كون الضربة كانت موجهة بالأساس للكبرياء الأمريكي من خلال هذين الرمزين، فإن تبعاتها الآنية والمستقبلية على مسار العولمة (بالسلب كما بالإيجاب) لن تتأخر في البروز أو في التمظهر.
2- هناك، فيما نعتقد، ثلاثة توجهات كبرى لن يشد مسار العولمة عن سلكها في المدى المنظور كما في الزمن الطويل:
- التوجه الأول، مباشر وآني، ويتمثل في سمة الركود والانكماش اللتان طبعتا الاقتصاد العالمي طيلة السنين الأخيرة ووسمتها انفجارات الحادي عشر شتنبر بسمة الاستمرارية والتجدر.
ليس من الأهمية الكبرى التحاجج بالأرقام لتبيان ذلك ولا من الضروري إعمال أدوات التقييم الكمي لإثباته، إذ الحاصل أن حركة الاستثمارات وتنقل السلع والخدمات والرساميل على المستوى العالمي، قد تقلصت إلى أبعد حد، وسبل تنقل الأفراد والمؤسسات قد تعرقلت إلى أبعد الحدود.
بالتالي، فلم تكن قطاعات النقل الجوي وحركة الملاحة وفروع التأمينات هي التي اهتزت باهتزاز الولايات المتحدة للضربة، بل وكذلك التيارات السياحية وتحويلات العمال التي كانت تخفف على العديد من الدول والاقتصادات وطأة الركود والانكماش المذكورين.
وعلى هذا الأساس، فبقدر ما سيشتد الخناق على العديد من الدول (سيما دول العالم الثالث) جراء النفور المحتمل للاستثمار فيها وتقلص إقبال السياح عليها، بقدر ما ستزداد ضروب الأزمة والتقشف والمديونية الخارجية وغيرها بداخلها.
لن يزداد مسار العولمة، من هنا، قطبية (أي بين الأقطاب الصناعية الكبرى) ولا تمركزا لمنظومة الاقتصاد والمال والعلم والتكنولوجيا، بل ستزداد معها مسلسلات تهميش الدول والقارات إما بسبب تصنيفها ضمن "المناطق الخطرة" أو بسبب عدم أهميتها الاستراتيجية لفاعلي العولمة الكبار.
سنكون إذن بالمحصلة بإزاء عملية تمركز للغرب على ذاته، وتعذر بلوغ دول الجنوب إلى أسواقه أو استقطاب استثماراته وسائحيه.
- التوجه الثاني ويكمن، على المدى المتوسط بالأساس، في توسيع دائرة الاقتصاد "العالمي" من لدن العولمة (ومن لدن فاعليها) إلى الدول والشعوب التي لا تتناقض توجهاتها وتوجهات اقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية والسياسية.
لن يقتصر الأمر في هذا على الدول الآسيوية التي ما فتئت تنفتح على الاقتصاد هذا والليبرالية تلك (كالصين وروسيا وغيرها) ولا على دول أمريكا اللاتينية ذات الأسواق الواسعة والتوجهات التحريرية، ولكن أيضا على الدول الأوروبية (كتركيا) التي لم تلبث تدفع بمنظومة الاقتصاد الحر وحرية السوق ومبدأ المنافسة على غرار ما يسلكه جيرانها في الاتحاد الأوروبي.
بالتالي، فلن يكون لباقي الدول والقارات (كإفريقيا أو باقي دول آسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها) دورا في العولمة لا إنتاجا ولا استهلاكا ولا فعلا في دورات منظماتها.
سنكون إذن، في محصلة هذا التوجه، بازاء تمركز موسع لقوى الإنتاج والاستثمار والاستهلاك وبإزاء عولمة قطب رحاها الدول الكبرى ومحيطها المباشر الدول ذات المنظومة المتقاربة ومنظومة الدول إياها.
- التوجه الثالث وهو التوجه الطويل المدى والذي لن تسمح العولمة بمقتضاه لمنظومة سواها في الاقتصاد والسياسة والثقافة أن تتطلع لمنافستها أو الاعتراض على مسارها.
لن يكون على هذا الأساس، لتطلعات السوق العربية المشتركة أن تتجسد ولا لطروحات "الوحدة العربية والإسلامية المشتركة" أن ترى النور إلا إذا "انصهرت" قلبا وقالبا في طبيعة العولمة الليبرالية المطلقة واقتصاد السوق المقدس للإنتاجية والتنافسية والفردانية و"ديموقراطية السوق" المبنية على أسس الحداثة الغربية والعلمانية المتطرفة.
سنكون هنا، في هذه النقطة، بازاء إفراغ حقيقي لأشكال "العمل العربي والإسلامي المشترك" (كفاعل في العولمة أو متفاعل معها) من خلفيته الثقافية ومن منظومة القيم التي من المفروض أن تمهد للعمل إياه وتبرره وتضمن له سبل التكريس.
3- ولئن كنا لا نلاحظ قطيعة كبرى بين التوجهات الثلاثة التي أوردناها أعلاه، فإن القائم أن العديد من السياسات والممارسات السابقة لانفجارات 11 شتنبر بقيت وستبقى مخترقة لكل توجه على حدة ولها مجتمعة أيضا:
+ فالتيارات المالية المضارباتية العابرة للحدود وللتشريعات لم يبد أنها تأثرت كثيرا بما وقع، أو تعير كبير اعتبار لما يرسم من مسارات للعولمة.
+ وممارسات تبييض الأموال والقرصنة المعلوماتية والفكرية وعمليات التجسس (الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية وغيرها) لم يثبت أنها تراجعت جراء الأحداث إياها ولا هي في طريقها للانصياع لمشاريع "التضييق" التي يعزم فاعلو العولمة اعتمادها.
+ واحتجاجات مناهضي العولمة لا يبدو أنها فترت (عقب أحداث 11 شتنبر) أو هي في طريقها إلى ذلك، إذ لم تر الاحتجاجات إياها في ذات الأحداث إلا رد فعل طبيعي على مسار( مسار للعولمة) لا يهتم فاعلوه إلا بالربح والريع دونما إعارة أدنى اعتبار لقيم المواطنة و"حق الشعوب" للمساهمة في تحديد المسار إياه.
هي إذن بالمحصلة، ممارسات وسياسات لا يتطلع المنددون بها (دولا ومنظمات مدنية) إلى إعمال مبدأ "الأنسنة"، بل يتعدونه إلى المطالبة بعولمة أخرى على نقيض مسار العولمة الحالية التي تتغيأ " تبضيع" العالم و"تسليع" سكانه.
4- لقائل يقول: أو لا يمكن اعتبار ما حدث بالولايات المتحدة نذيرا بجهة توعية هذه الأخيرة على ضرورة اعتمادها لسلوك ينأى بالعولمة عن مسارها القائم؟
أو ليست الضربة في حد ذاتها مظهرا من مظاهر الاحتجاج على المسار إياه؟
هو تساؤل منطقي تزكيه خطب ووعود رسمية بعزم الولايات المتحدة (ما دامت هي "نقطة انطلاق" العولمة ومكمن الأدلجة لها) على "تسهيل سبل التنمية والرفاه" للعديد من دول وشعوب العالم سيما الأكثر فقرا ضمنها.
إذ ضربة الحادي عشر من شتنبر لن تستقرأ من لدن الإدارة الأمريكية فقط في آنيتها (وآنية الرد المباشر على منفذيها أو المتورطين فيها)، بل ربما أيضا في كونها ناقوس خطر يذكرها بسلوكها وسلوك شركاتها الكبرى وانتزاعها لسلطة القرار من بين يدي الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية.
قد تلجأ الولايات المتحدة (والغرب عموما) إلى "تحسين شروط أدائها" بما لا يؤنب عليها من جديد الرأي العام أو يجنبها العمليات الانتحارية كما وقع بنيويورك وواشنطن، كأن تساهم في الحل العادل للعديد من القضايا التي لها يد مباشرة فيها (كالقضية الفلسطينية والحصار على العراق أو غيرها) وكأن تضع حدا لتواجدها العسكري للعديد من دول وجهات العالم، لكن ذلك لن يحول إطلاقا دون شذوذها عما تعتبره القاعدة في سلوكها العام:
+ فالولايات المتحدة لا ترى في نظام العولمة إلا ذاك المبني على اقتصاد السوق والمتمركز على الليبرالية الاقتصادية ومركزية القطاع الخاص وسيادة قيم الربحية والإنتاجية والتنافسية والمرونة وما سواها.
لا يقتصر نظام العولمة، في تصور الولايات المتحدة، من هنا فقط على تأمين النظام إياه وحمايته من أي استهداف محتمل، بل وأيضا مطالبة الدول والحكومات (لدرجة الإملاء) بضرورة اعتماده دونما استحضار يذكر لبنى هذه الأخيرة الاقتصادية أوالاجتماعية أو لظروف تنميتها أو لإكراهاتها الموضوعية.
هي إذن آلة اقتصاد السوق التي لن تتوانى الولايات المتحدة في الدفع بها ك "نموذج نهائي" في التنمية الاقتصادية بعدما تراءى لها (وهي القوة الأعظم) أن لا سبيل آخر لبلوغ ذلك.
بالتالي فإذا كانت انفجارات الحادي عشر من شتنبر هي بالتأكيد من تدبير المناهضين للعولمة لا من تدبير سواهم، فإن الإرهاب سيبقى قطعا لصيقا بطبيعة العولمة المفروضة هاته لا بشيء آخر.
+ والولايات المتحدة لا تريد أن تستقرأ نظام العولمة التي تتزعم إلا في سياق " ديموقراطية السوق" التي لا ترى عنها بديلا لضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي من شأنه (لا من شأن سواه) أن يمكن الدول والشعوب من "جني ثمار العولمة" و "الاستفادة من إمكانيات الانفتاح" التي تمكنه للأفراد وللجماعات.
هو مسلسل يتراءى لها إلى تحرير الحقل السياسي أقرب منه إلى الديموقراطية المنبنية على التباري الحر والنزيه على السلطة.
بالتالي، فليس من الوارد قطعا لدى الإدارة الأمريكية منح الشعوب سبل اختيار حكامها بحرية وشفافية أو السماح بأنظمة حكم تعارض مسار العولمة (أو السياسات القائمة عليه) بقدر ما ستدفع بتكريس " ديموقراطيات" شكلية تضبط المجال السياسي وتحول دون قيام حكومات "متطرفة" قد يتعذر التحكم في سلوكها المستقبلي.
وبناء على ذلك، فلو أمعنت الولايات المتحدة في اعتماد ذات السلوك، متغاضية في ذلك الطرف عن أنظمة حكم مطلقة وعن "ديموقراطيات مصطنعة"، فإنها ستبقى (طالما بقي هذا السلوك) مادة " للإرهاب" وعرضة للترهيب.
+ ثم، الولايات المتحدة لا تؤمن بنظام للعولمة آخر غير القائم على أسس " ثقافة السوق" المؤسسة لاقتصاد السوق ذلك و"ديموقراطية السوق" تلك.
فهي، من هنا، إنما ترى في تمثلها للفعل في الاقتصاد وفي السياسة والمجتمع التمثل الصائب والأنجع، ولا ترى فيما سواه من تمثلات إلا مجرد رواسب لا تمت للحداثة بصلة.
لا تدفع الولايات المتحدة (ومعها العولمة) في هذا الباب بسيادة "الفكر الواحد" الذي نظرت له لفائدتها مراكزها في الأبحاث الاستراتيجية وغيرها، بقدر ما تدفع أيضا بضرورة سيادة منظومتها للقيم الثقافية والحضارية على غيرها من منظومات القيم.
قد لا يكون الأمر إياه هينا بالنسبة للثقافات والحضارات التي لا ترى حرجا في اندغام منظومتها، لكنه يتعذر، لحد الاستحالة، في حالة العديد من دول وشعوب العالم التي لم يبق لها من مرجعية إلا مرجعيتها الثقافية والدينية والحضارية كما هو الشأن بالنسبة للدول والشعوب العربية والإسلامية والعديد غيرها.
بالتالي فطالما أمعنت الولايات المتحدة، لتصريف تصورها في العولمة، بفرض " نظامها للقيم"، فإنها ستصطدم حتما بردود أفعال قد يصل مداها إلى اعتماد العنف وقد يتعداه.
أو لا تعتبر استباحة الجنود الأمريكيين لطهارة الأماكن المقدسة بالعربية السعودية مدعاة لردود أفعال قد لا تكون انفجارات الحادي عشر من شتنبر إلا إحداها؟
أو لا يعتبر سكوت الولايات المتحدة (والغرب بأكمله) على تدنيس شارون للأماكن الإسلامية المقدسة مدعاة كافية لانتهاج الفلسطينيين سبل العمليات الاستشهادية؟
من دون أدنى شك.
5- هل المقصود مما سبق من حديث أن لا سبيل لاجتناب العنف و "الإرهاب" إلا سبيل إقامة أسس جديدة لعولمة عادلة ومنصفة وفوق كل ذلك محترمة لخصوصيات الدول والشعوب؟
بالتأكيد، فالعولمة لا يجب (كما هو سائد حاليا) أن تتغيأ رسم العلاقات الاقتصادية والسياسية والعلمية والتكنولوجية الدولية على خلفية من تصور واحد مسبق ووفق مرجعية واحدة محددة وعلى أساس من تمثل واحد قائم (أو يراد له أن يقوم)، بل أن تتغيأ إنصاف الدول والشعوب والمجموعات والثقافات ومنظومات القيم الأخرى...وتتطلع لتحويل العولمة إلى عالمية عوض الإمعان في عولميتها اللامتناهية.
الرباط، 4 دجنبر 2001