في فجر العشرين من شهر مارس 2003 تحررت الآلة العسكرية الأنجلوأمريكية من معاقلها (من الجو كما من البر والبحر) لتنفيذ عدوان ضخم لطالما بيتته الولايات المتحدة وحلفاؤها على دولة وشعب لاقا من التصنيف والمهانة، ولسنين عدة، ما لا تطيق الجبال على حمله أو احتماله.
وعلى الرغم من "الحمولة الرمزية" التي قد تشي بها عبارة " تحرير العراق"، والتي باسمها شن العدوان وانطلقت الجيوش والقنابل على خلفية من " رمزيتها"، فإن ما جرى منذ العشرين من شهر مارس (ولاتزال مجرياته قائمة على قدم وساق) لا يمكن أن يدخل في سياقات الحملة أوفي قواميس الحرب أو في أدبيات الغزو: إذ هو، بهذه النظرة كما بتلك، عدوان غاشم (وبكل المقاييس) سلكت سبيله أمبراطورية تسنى لها من مكامن الجبروت و بنى الجاه والقوة ما لم يتسن في التاريخ لأمبراطوريات غيرها خلت.
هو عدوان من لدن دولة عظمى... ليس فقط كونه موجه ضد دولة أخرى (تقلها عظمة) لقت من شتى ضروب التصنيف والتمييز الشيء الكثير، ولكن أيضا لأنه وبالأساس موجه ضد شعب عانى الكثير، لهذا السبب أو ذاك، لكنه استهجن الاستجداء بأحد " لتحريره" من بني طينته " المتمردين" كما من لدن الذين "عرضوا خدماتهم" لهذه الغاية المكشوفة أو تلك.
لا يستطيع المرء (حتى المخبول حقا) أن يزايد على أن الذي يتم منذ العشرين من مارس تحت مسوغة " تحرير العراق"، إنما المقصود منه تدمير مقدرة دولة وتحطيم كبرياء شعب لطالما تمت الإشارة إلى كونهما " يهددان بلدان الجوار" ، " يهددان" العالم في حاله كما في مآله و" يعرضان سلم البشرية" للخطر.
وعلى هذا الأساس، فلا يبدو لنا الشعار المرفوع ( شعار " تحرير العراق") بالمجرد سوى كونه من فصيلة الشعارات التي ترفعها شركات الإعلان الأمريكية لتمييز حملة إعلانية عن حملة أخرى سواء لديها بالمحصلة مستوى الاستلطاف المتحصل أو مدى الاستهجان والتذمر المترتب عن ذلك.
هو شعار يكاد يكون ذو طابع توثيقي (يميزه عما سواه من حملات ضد هذه الدولة أو ذاك الشعب) وليس له، بأي حال من الأحوال، طابع تجنيدي أو بعد تحريري أو خلفية ثقافية أو مرجعية أخلاقية تحكم سلوكه، تضع المتاريس لاحتمالية تجاوزاته أوتندد، نهاية المطاف، بتلك التجاوزات إن قدر لها أن تحصل.
ليس ثمة أدنى شك، فيما نعتقد ونتصور، من أن شعار " تحرير العراق" المروج له بكثافة شديدة منذ العشرين من مارس، إنما هو شعار خادع وماكر، إذ لم يسبق لأمبراطورية تجبرت وتقوى نفوذها (كما هو حال الولايات المتحدة بداية هذا القرن) أن اهتمت بما سواها من دول وشعوب وأقوام حتى وإن طالهم الفناء وتفشى من بين ظهرانيهم الاستبداد والطغيان.
هو بالتالي شعار حرب لا شعار تحرير. هو شعار غزو واستهداف واحتلال لا شعار " تخليص" أو " تحرير" أو " إنقاذ". هو شعار يجر من خلفه حرب مصالح جيوستراتيجية وسياسية واقتصادية وحضارية جالية للعيان، بل قل إنه شعار عدوان لطالما تخلفت السبل لشنه وتعذرت المسوغات للبدء في تنفيذه.
وعليه فعندما يتحدث العراق عن "معركة الحواسم" فهو يبدو، دونما إمكانية مبالغة، أقرب إلى واقع الحال منه إلى مجانية المزايدات:
+ فهي معركة حواسم حقا لأنه على محرابها سيتم وضع مصداقية أمبراطورية تباهت منذ البدء بقوتها وجبروتها أكثر مما راهنت على توظيف ذات القوة والجبروت في كسب ود الدول والشعوب وخدمة مصالحها من بين ظهرانيهم دونما معاداة أو ابتزاز.
+ وهي معركة حواسم بكل المقاييس لأن رافعي ذات الشعار أرادوها أن تكون خاتمة مادية لمواجهة طال مداها بين أمبراطورية لا تقبل التمرد على سلطانها وأمة كانت، في زمن غابر، أمبراطورية عظمى وشاسعة لكنها لم تتجاوز في سلوكها وحالت قيمها وأخلاقها دون أن تهين ما سواها من قبائل وأقوام وشعوب.
+ وهي معركة حواسم بحق لأنها أبانت، وفي أمد أقل من أسبوع، قدرتها على رد العدوان وستبين أكثر مستقبلا أن الحسم في المعركة لا يتم الاحتكام فيه دائما إلى ما توفره التكنولوجيا وتمكنه آلة الحرب القاهرة بل وأساسا بالرجوع إلى خلفية الصمود وعزيمة المقاومة وخاصية الجهاد التي يندغم بصلبها حب الوطن بقدسية القضية.
نحن إذن ومنذ العشرين من شهر مارس 2003 بإزاء معركة للحواسم حقا سيتم بمقتضاها حتما وضع أمبراطورية عظمى تتغيأ الهيمنة على العالم، بوجه دولة حالت دونها ودون "الشفعة" لدى ذات الأمبراطورية انصياعها لما ترتضيه المنظمات الدولية أوتقرره.
2- لهذه الاعتبارات، ولغيرها أيضا، فإن التصور القائم على اعتبار الحادي عشر من شتنبر 2001 (تاريخ تهاوي البرجين وضرب الولايات المتحدة في رموزها ومكمن قوتها)...تاريخا مفصليا، هو تصور لقي من الدعاية الإعلامية أكثر ما كان تعبيرا عن صيرورة للتاريخ أوحركيته لوقائعه:
+ فما حدث، يوم الحادي عشر من شتنبر، لم يكن بكل المقاييس إلا حدثا عابرا ما كان للعالم أن يقف عنده ويوليه كل هذه القيمة لولا الهالة الإعلامية التي أعطتها له الدعاية الأمريكية جاعلة منه حدثا عالميا لم يكن لأحد أن يتجرأ على المزايدة بشأنه.
+ وما حدث يوم الحادي عشر من شتنبر لم يكن، حقيقة الأمر، إلا رد فعل مباشر لأفراد وجماعات (ودول) لطالما بلغها الضيم والغبن من سلوك أمبراطورية تتجاوز القانون والقيم والأخلاق ولا تتوانى في إهانة شعوب ودول وثقافات لا يتساوق سلوكها وما ترضاه الولايات المتحدة أو ترتضيه.
+ وما حدث، يوم الحادي عشر من شتنبر، لا يؤشر مطلقا على بداية مواجهة حضارية حقيقية من نوع ما وذلك لا قياسا فقط إلى انتفاء البعد الحضاري عن أمريكا (وهي التي لا يتعدى تاريخها بضعة قرون من الزمن)، ولكن أيضا على اعتبار أن منفذي العملية (الحقيقيين أو الافتراضيين) لم يدعوا، إلا في القليل النادر، أن ذلك يدخل في صراع وحرب حضاريين لم تثبت الأحداث فرضيتهما تلك.
بالتالي، فلو كان للحادي عشر من شتنبر أن يكون تاريخا مفصليا، بهذه الزاوية أو تلك، فلن يكون ذلك بكل الأحوال إلا بالنسبة للولايات المتحدة لا بالنسبة لسواها من الدول والشعوب.
وعلى هذا الأساس، فاعتبارنا لتاريخ العشرين من مارس كتاريخ مفصلي حقيقي، إنما يقاس (ويجب أن يقاس في تصورنا)، بحتمية الاحتكام إليه في تحديد حاضر العالم ومستقبله.
هناك ثلاثة أسباب كبرى تجعلنا نؤمن بأن العشرين من مارس إنما هو التاريخ المفصلي لبداية تحرر دول وشعوب العالم من عقد الخوف ورواسب التبعية والترهيب:
- الأول لأن هذا التاريخ يؤشر، دونما كبير شك، على بداية نهاية أمبراطورية دأبت على وضع سياساتها وضبط سلوكها بتعال كبير دونما اعتبار لمواثيق أو عهود سنتها الدول وارتضتها حكما فيما بينها سواء كبر شأن الدولة في ذلك أم صغر.
فالولايات المتحدة لم تكتف، طيلة الثلاثة عقود الأخيرة على الأقل، بتصنيف الدول والأحزاب والمجموعات على هواها، بل شرعت لنفسها "القوانين" لغزو هذه الدولة، لمحاصرة الأخرى، ولضرب كل من عارضها أو بدرت منه أحكام قيمة على سلوكها أو على تصرفات زعمائها.
وبناء على ذلك، فشن العدوان على العراق دونما مسوغ قانوني أو شرعية فوق-وطنية أو وجود موجب حق يذكر، لا يشي فقط بجبروت القوة الذي توفر للدولة الطاغية، بل وأيضا بالعزلة القاتلة لها بالمنتديات الدولية كما بالشوارع كما على أرض المعركة. يبدو إذن أن الولايات المتحدة أصبحت منذ 20 مارس 2003 مهووسة بضرب وتعنيف وتهديد من يبادلها "الصداقة" تماما كالذي يكن لها الضغينة والعداء.
- السبب الثاني: إن سلوك الأمبراطورية هذا في عدوانها على العراق إنما يبين، بالمقابل عن حق وبقوة كيف أن دولة عربية من حجم العراق، تضرب بأياد عربية المبطن منها أكثر من المعلن: فمعظم الأراضي العربية المحيطة بالعراق أضحت قواعد ينطلق منها العدوان ولا يخفي " زعماؤها" تزكيتهم للعدوان ومطالبتهم باستعجال التدمير.
ومعنى هذا أن "النظام العربي" لم يعد مكمن العجز والاهتراء فحسب، بل أضحى كمن يأكل عناصر منظومته بشكل سرطاني يتعذر السبيل لوصفه.
لن نعود إذن بعد العشرين من مارس بإزاء أمبراطورية تتهاوى تدريجيا بتهاوي قوتها ومصداقيتها، بل وأيضا بإزاء ضعف مناعة ذاتية غير مسبوق لمكونات أنظمة إقليمية لن يكون بإمكان ذات الأمبراطورية المراهنة عليها حالا كما في المستقبل.
- أما السبب الثالث فيكمن في القدرة الفائقة التي أبان عنها العراق لصد "حملة" قيل في إبانه إنها " ستكون نزهة" لن تطول مجرياتها ولن يلقى منها "الغزاة" إلا عبارات الحفاوة والترحاب.
قد لا يكون مهما مستوى ومدة الصمود، وقد لا يكون من الأهمية الكبرى حجم القدرة على المجابهة، لكن الأساس منذ العشرين من مارس إنما كون هذا التاريخ يكرس حقا لحرب ليست حضارية بالمطلق، بل تمارس على حضارة لا يدري عمق هويتها وقدسية مضامينها إلا أصحابها.
إذا لم يكن الأمر كذلك، فلم العدوان على عمران العراق ومتاحفه وكنوزه التاريخية وفوق كل هذا وذاك على ثرواته البشرية التي على خلفية تدميرها انطلق العدوان في الأصل؟