"أباطرة" القطاع العام بالمغرب
يحيى اليحياوي
1- ليس من الضروري (ولا من المفروض في شيء) أن يكون المرء عالم اقتصاد أو خبيرا مدققا أو متتبعا نبيها حتى يتسنى له الحديث فيما يمكن تسميتهم دونما مبالغة كبيرة ب "أباطرة" القطاع العام بالمغرب.
والواقع أن نصف قرن (أو أكثر) من "عمل" المغرب "المستقل" واعتماله، لم تفرز فقط ترديا عاما في الاقتصاد والثقافة والمجتمع (قياسا إلى مقدرات البلاد ومؤهلاتها البشرية والطبيعية) بل وأيضا طبقة من "الملاك الجدد" استأثرت منذ البدء بجل مرافق الثروة الوطنية والسلطة الرمزية ومراكز القرار السياسي والاقتصادي وسواها.
قد لا يكون من العيب (أخلاقيا على الأقل) أن يستنبت هؤلاء (اعني الملاك الجدد) من حركية اقتصادية أو مالية أو تجارية تتغيأ التراكم المشروع والربح المترتب عنه طبيعة وحجما، لكنه أمر معاب (ومدان أخلاقيا) أن يكون هؤلاء نتاج أوضاع ريعية لم يكن الاستثمار (المادي منه والرمزي)، لم يكن في خضمها إلا حالة عرضية لا تبرر في المطلق، حجم الثروات المتراكمة ولا طبيعة الرمز المحتكم إليه أو المتحكم فيه في عالم المال والأعمال والسلطة.
وعلى هذا الأساس، فإذا كان من الثابت (بالإسم والصفة) ترامي "ملاك المغرب المستقل" على ضيعات المستعمر ومصانعه وتحفيظها لفائدتهم بحكم الأمر الواقع (دونما سند قانوني يعتد به) فإن أندادهم في "فترة المغربة" قد تسنى لهم "اقتناء" ما تم للدولة تحصيله ومركزته، في الوقت الذي "تشرعن" لهم ذلك (باقتسام مع الملاك الجدد) مع مسلسلات اللاتقنين والخوصصة والتحرير.
لم يقتصر الأمر (لدى هؤلاء) على استصدار الملك العام وتحويله إلى ملك لخواص (في جزء منه "لمقاولين") بل تعداه إلى استصدار قرارات وتعيينات (بمراكز السلطة كما بمجال الاقتصاد والمال والأعمال) إما على خلفية من ملئ الفراغ في الإدارة (بالنسبة لذوي الشهادات الأولية الهشة) أو تحت مسوغ الظهور (ظهور الدولة) بمظهر الدولة الوطنية المكتملة الكيان (في حال تعيين المدراء العامين أو السفراء أو القناصل أو غيرهم).
بالتالي، فلم يكن الأمر مثار استغراب البتة عندما تبوأ أشباه الأميين مناصب سامية ولا عندما أسندت قطاعات استراتيجية لمشبوهين، ولا عندما عين بالسفارات والقنصليات وغيرها أناس غير سليمي الذمة بالمطلق.
من الوارد أن يكون كل ذلك من تاريخ المغرب (من الماضي أعني) لا من حاضره أو من مستقبله (وهذا صحيح إلى حد ما) لكن مكمن الخطر لا يكمن أساسا في ذلك بقدر ما يكمن في استمرار هؤلاء واستمرار إكراهاتهم على الأفراد والجماعات في الشكل كما في الجوهر.
ومعنى ذلك أن الذين قاموا على استصدار الثروات (دونما وجه حق يذكر) تماما كالذين ارتهنوا لفائدتهم مناصب القرار والريع، لم تتغيب وجوههم البتة ولا تم لغيرهم تعويض مكانتهم، بل هم أو جزء كبير منهم على الأقل، لا يزالوا قائمين (بالقطاعات المالكين لها كما بباقي القطاعات) على تحديد حال البلاد ومآلها.
و"الأباطرة" الذين نقصدهم هنا ليسوا فقط أفرادا ولا جماعات مغلقة، بل هم أيضا مجموعات وشبكات تقتسم الغنائم (المادية كما الرمزية) احتكاما إلى مستوى قربها من مراكز القرار الكبرى أو درجة ولائها لذات المراكز العلني منها كما المضمر سواء بسواء.
هم رؤساء مديرون عامون ومديرون مركزيون وكتاب عامون ووزراء ورؤساء شركات "خاصة" كبرى ورؤساء مجالس قروية وبلدية، سفراء وقناصل وملحقون، مصدرون ومستوردون، سماسرة عقارات وتجار عملة، برلمانيون ومافيات مخدرات و"مقاولين" بالسوق السوداء وقس على ذلك إلى ما لا نهاية ربما.
هم كل هؤلاء (أو معظمهم) وأكثر. منهم من أدانه القضاء وجرمه، ومنهم من تداولت الألسن انتهاكاته للقوانين والتشريعات، ومنهم من تراكمت لديه المنح والامتيازات دونما رقيب ولا حسيب، ومنهم من فوت لأهله وذويه الرخص ولوائح التصرف والاستغلال.
2- لم تكن سنين التقويم الهيكلي لفترة الثمانينات بقادرة على فك ارتباط هؤلاء بغنيمة القطاع العام، إذ لم توفر لهم مسلسلات التحرير والخوصصة مصادر جديدة للاغتناء بوجود النص فحسب، بل فتحت لهم سبل التحايل المباح وإمكانات النصب "المشروع" على الملك العام.
لا يتعلق الأمر في هذه النقطة بالذات بتفويت قطاعات عمومية كبرى (مؤسسات إنتاجية وأبناك ونقل طرقي وفنادق وغيرها) دونما اعتبار لقيمة ذات القطاعات أو "مقابل" قروش رمزية، بل تعدى الأمر ذلك إلى خوصصة قطاعات استراتيجية (كالطاقة مثلا) اقتنصها، بالجهة الأخرى، من كان لهم (بالقطاع العام) مسؤولية تحديد دفتر تحملات ذات "الاقتناص".
وسبيل هؤلاء في ذلك لا يقتصر فقط على إبراز القطاعات إياها بمظهر المفلسة، السيئة السمعة والتسيير، ولكن أيضا إلى تبيان أن ما في حوزتها من أدوات إنتاج وممتلكات وغيرها لا تعدو سوى كونها رفاتا لقطاع عام "تجووز" وانتهت صلاحيته.
بالتالي، أضحى القطاع العام بالمغرب مكمن نهب واستنزاف إن بقوة القانون والنص فذاك، وإلا فعلى محراب التشويه لدرجة التشنيع الرخيص في حالات عدة.
من هنا فلئن تحول القطاع العام بحكم الأمر الواقع (وطيلة نصف قرن من الزمن) إلى ضيعات خاصة حقيقية وقطاعات مفوض أمرها بامتياز، فإن عمليات الخوصصة والتفويت لم تقم بشيء سوى أنها كرست بالنص ولقع حال قائم وسائد.
ليس من المجازفة في شيء إذن القول بأننا طيلة هذه الفترة إنما كنا (ولا نزال) بإزاء "نخبة"، نفس النخبة المتحكمة التي اغتنت بأروقة القطاع العام وحولته لفائدتها كملكية قانونية لها بعدما استنزفته وبنت على أنقاضه أو بخضمه.
إذا تم التسليم بما ورد من كلام، فلن يتعذر كثيرا التسليم بأن ما بقي اليوم من قطاع عام إنما هو عبارة عن محميات كبرى ليس من الهين الإشارة إليها بالأصبع أو نعتها بالأوصاف.
ولئن تم إخضاع بعضها للجن تقصي وتحقيق (برلمانية بالأساس) فلأن "أباطرتها" تجاوزوا لا القانون فحسب، بل شتى ضروب المنطق، أعني أنهم أصبحوا دولة داخل الدولة قياسا إلى ضخامة الثروات المتصرف فيها من لدنهم كما من لدن باقي "أعضاء الشبكة".
ولما كانت القاعدة القائمة منذ زمن طويل هي إحالة هؤلاء على التقاعد (وإجبارهم على الاختفاء المؤقت عن الأنظار) أو تحويلهم إلى مناصب أخرى أو نصحهم "بالاكتفاء بمشاريعهم"، فإن ما يروج منذ مدة عن القرض الفلاحي كما عن صندوق الضمان الاجتماعي كما عن وكالة الأنباء كما عن القرض العقاري والسياحي كما عن غيرهم، لا يخرج بحكم موضوعية القياس عن هذه المسلكيات.
وىلآية في ذلك لا تكمن فقط في لاجدوى متابعة الفرع (إذا كان الأصل هو المصاب) ولكن أيضا لأن أية متابعة (قضائية أو غيرها) قد لا يسلم من نارها لا الأخضر ولا اليابس كما يقال.
ولهذا السبب فغالبا ما تكون المتبعات في فضائح القطاع العام الكبرى متابعات موسمية لا تتوخى المحاسبة الفعلية بقدر ما تتوخى امتصاص "غضب شعبي" سرعان ما يفتر مع الزمن أو يطاله التقادم.
3- لقائل يقول: إذا كان "تاريخ المغرب المستقل" هو بالمحصلة النهائية، من تاريخ هؤلاء (أباطرة القطاع العام أعني) فهل سنبقى محكومون، فيما سيقتبل من عقود قادمة، ب"اختياراتهم" وسلوكياتهم دونما إمكانية لإعادة البناء ولو جزئيا؟
وهو تساؤل حقيقي يشي بحتمية ذلك ما دام هؤلاء هم الذين يحتكمون اليوم على معظم روافد السلطة المادية والرمزية بالبلاد ويتحكمون (بسبل شتى) في مكامن القرار الاقتصادي والسياسي أيضا.
وهو تساؤل موضوعي كذلك وإلى حد بعيد ليس فقط بحكم "التواطؤ الواسع" الذي يلقاه "الأباطرة" إياهم من لدن ذات المكامن ولكن أيضا وبالأساس لأنهم نتاج نسق عام لم يفتأ إنتاج نفسه وإنتاج أدواته.
بالتالي، فلن يكون من الهين استئصالهم ولا تحييدهم في الزمن القصير والمتوسط...هم باقون ومستمرون طالما بقي السياق العام (السياسي والسوسيوثقافي) الذي أفرزهم و "شرعن" لهم الممارسة بقوة القانون والنص.
جريدة العلم، 29 شتنبر 2002