ثورة العقل

 

عبد الله إبراهيم, منشورات الزمن, الرباط, أبريل 1999, 112 ص.

 

 

1- بتقديمه لكتاب "ثورة العقل", يقول محمد سبيلا: " الأستاذ عبد الله إبراهيم من هذا الصنف من السياسيين الذين لم تجرفهم مشاغل السياسة ومخاضاتها, عن مجال الفكر والإبداع. وربما كان الأمر كذلك, لأن النموذج المثالي العميق لدى الأستاذ عبد الله, هو المفكر والأديب والشاعر, لا السياسي أو النقابي أو قائد الجماهير", حتى إذا "ودعته السياسة أو ودعها, عاد إلى كنف الكتابة والتدريس والبحث والتأليف".

 

ويتابع صاحب التقديم: "ولعل إحدى العوائق الكبرى, التي اعترضت المسيرة السياسية لعبد الله إبراهيم, هي أنه ظل يمثل موضوعيا مثال السياسي المثقف/المعرب, ضمن سياق سياسي, حكمه ثابت ومحدد, بنيوي أساسي منذ إعلان الاستقلال, ألا وهو الهيمنة شبه الكاملة للعناصر الفرنكفونية, وللمعيارية الفرنكفونية على الحقل السياسي المغربي. ولعل هذا الحكم يسري جزئيا على موقع عبد الله إبراهيم في حزب الاستقلال, مثلما يسري على تطور الاتحاد الوطني بكل تفرعاته, فيما بعد, وربما يطال مسار الأستاذ عبد الله إبراهيم نفسه, في الرقعة السياسية الوطنية".

 

إننا بالتأكيد لسنا أمام فيلسوف محترف, يقول محمد سبيلا, "تتوارد على قلمه بشكل تلقائي, لائحة وافية من أسماء الفلاسفة, لكن حضور مصطلحات فلسفية (التعالي, الجدل, الميتافيزيقيا, المثالية...) من جهة, وأسماء العديد من أعلام الفلسفة, وحديثا عن التيارات الفلسفية الكبرى, تؤكد أنه من المغاربة الأوائل, الذين تعرفوا على الفكر الفلسفي في الغرب, واقتبسوا مصطلحاته ومفاهيمه, ووعوا اتجاهاته".

 

2- يتكون كتاب "ثورة العقل", من مجموعة نصوص ومحاضرات تسنى للكاتب صياغتها, أو إلقاءها بمناسبات مختلفة وبتواريخ متباينة, لكنها تصب مجتمعة في صلب اهتمامات الكاتب, ومعين إلهامه, سنقتصر هنا على تلك التي لها راهنية أكبر:

 

+ بالنص الأول ("نحو ثقافة متحررة", وهي محاضرة ألقاها الكاتب أواخر خمسينات القرن الماضي, بمدينة مراكش), يتحدث المؤلف عن الثقافة, ويوضح أن تحديدها يخضع لاتجاهين اثنين:

 

°°- الاتجاه الجرماني, حيث الثقافة عند الألمان مرادفة لمعنى الحضارة. بالتالي, "فالثقافة عند الألمان, هي مجموع ما تنتجه الأمة, سواء من الناحية المادية, أو من الناحية العقلية. الثقافة عندهم ليست فقط ما أنتجه هيجل وكانت وغيرهما من مئات أبطال الفكر الألماني, ولكنها أيضا هذه البنايات الضخمة, وهذه المؤسسات الاجتماعية في ألمانيا, وكل ما أنتجته الحضارة الألمانية, وكل ما يدل على ألمانيا".

 

°°- أما المفهوم اللاتيني, فيحدد الثقافة في "مجموع ما أنتجه الفكر في الأمة, مجموع هذه القصائد, وهذه القصص, وهذه المواهب الفلسفية, أي كل ما أنتجه العقل فقط. أما الحضارة, فلها معنى يختلف عن الثقافة".

 

ويلاحظ الكاتب, من جهة أخرى, أن الثقافة ليست هي العلم. العلم برأيه هو المعلومات, على اعتبار أن هذه الأخيرة مشتقة من العلم, لكنها مستندة إلى التجربة. أما الثقافة, "فلها جانب أو محتوى علمي. فالمثقف ليس عالما فقط, ولكنه تثقف أو تمرن فكره, وأصبح مستقيما, كما يستقيم العود بعد نحته". وهو ما نراه بقوة بالعبارة الفرنسية, حيث معنى الثقافة الأصلي يدل على الفلاحة, أي فلاحة الفكر. الثقافة بالتالي, لا تعني العلم فحسب, بل وكذلك العمل.

 

ويعدد المؤلف التيارات الثقافية الكبرى, فيقف عند النزعة الحسية, التي مثلها ديكارت بفرنسا, والتي تعتبر أن مصدر العلم هو الواقع, أي ما يحسه الإنسان, على النقيض من الاتجاه المثالي, الذي يتبناه الألمان. ثم النزعة التجريبية أو البراغماتية, القائمة على الملاحظة, أي أنها "لا تريد أن تفهم الناس شيئا, وإنما تصف للناس ما ترى. هي مجرد صورة فوتوغرافية للواقع".

 

ثم النزعة الواقعية الميتافيزيقية, التي تميز الآداب الروسية, وفي مقدمتهم دوستوفسكي وكوكول وشيكوف وغيرهم, ومفادها النظر في الله وإلى ما وراء الطبيعة, من خلال أعمال الإنسان, أي أن السلطة من وراء الطبيعة, هي التي تسيطر على الوصف الدقيق, الفوتوغرافي لأعمال الإنسان.

 

 ثم النزعة الواقعية الاشتراكية, وهي النزعة التي تتمثل "في هذا المنحى الكفاحي, الذي يتزعمه أدباء البلدان التي تنزع في حياتها واقتصادها وقيمها, نزعة اشتراكية. وهي النزعة التي يعنى فيها الكاتب بوصف الكفاح الذي يخوضه المجتمع, ضد الطبيعة لإخضاعها لسلطان, أو ضد القوى الطاغية".

 

من هذا المنطلق, يطرح الكاتب السؤال التالي: ما موقع مغربنا من هذه التيارات؟ وهل يمكن أن نحدد موقفنا منها؟ ما هو بالإجمال, الاتجاه الذي نسير فيه؟

 

ويجيب قائلا: إن "الفكر المغربي طيلة عدة أجيال, كان فكرا متحجرا في ثقافة فقهية, تقوم على الحفظ, وتضعف ملكة التفكير. وكان نظام التعليم السائد في بلادنا, يشجع ضعف الفكر وقوة الحافظة, فكانت النتيجة أن شبابنا كان يصرف من الجهود ما لا يصرفه إلا القليل والقليل جدا في بلاد الغرب, ولكن كانت النتيجة عندنا نتيجة سلبية". إن ثقافة الحفظ والتكرار, يقول الكاتب, حبست ملكة الفكر, فتعثر هذا الأخير.

 

من جهة أخرى, فعندما جاء التعليم الأوروبي وفتحت المدارس, لم تفرز لنا, بعد أربعين سنة من الثقافة الفرنسية, كتابا كبارا ولا مفكرين, "وإنما وجدنا أشخاصا انتقلوا انتقالا إلى الثقافة الأوروبية, فلم يستطيعوا أن يهضموها, كما هضمها أبناء هذه الثقافة". بل, يؤكد المؤلف, حتى المقاومة لم يتكفل بها إلا رجل الشارع, لأنه لم يكن ثمة من عمل لرجل الفكر, "فكان الخلاص من رجل الشارع الذي لم يفكر, ولم يأت بفلسفة, وإنما شعر شعورا قويا عميقا بالواجب, فقاد الفكر قبل أن يقوده الفكر".

 

وهو ما لم يتغير كثيرا, يؤكد المؤلف, لأن الثقافة لا يزال كرسيها فارغا, ومقاعدها فارغة, بتعبيره. "هذه الثقافة يجب أن تكون هي الأداة العقلية للتحرر, لتحرير الشعب, يجب إذن أن تكون هي في نفسها ثقافة متحررة, أن تكون ثقافة للشعب, لا ثقافة خاصة. وأعني بثقافة الشعب, الثقافة التي يفهمها جميع الناس بالتدريج, وترفع الناس لمستوى النخبة, وتجعل الناس مفكرين, ويتجاوزون أفق تفكيرهم اليومي, وتجعل الناس يتذوقون نعم الفكر".

 

بالتالي, فالثقافة الحقيقية, برأي المؤلف, إنما هي ثقافة الكفاح المسؤول, والمهندس الحقيقي هو مهندس العقول, والمسؤولية بدورها لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل الحرية. والمفكر الحقيقي هو رائد الحقيقة, الشاهد الأمين عليها, "عليه ألا يدس ولا يدنس ولا يحرف, وأن يقدم لأمته كل ما يراه من الوسائل التي تدنيها من الجمال والحق والخير".

 

+ بنص "فكرة التعليم عند ابن خلدون" (نشر بربيع العام 1943), يلاحظ المؤلف أن ابن خلدون قسم مذاهب التعليم الابتدائي في زمنه, إلى أربعة مذاهب: المذهب الأندلسي, والمذهب المغربي, والمذهب التونسي, والمذهب الشرقي.

 

أما منهج المذهب الأندلسي, بنظر ابن خلدون, فيتمثل في تلقين الطفل منهجا "يقوم على ثقافة أدبية خالصة, تعتبر القرآن نفسه وسيلة من وسائل هذه الثقافة". بالتالي, يلاحظ الكاتب, فالأندلسيون على عهد ابن خلدون, "لم يكونوا يرون قيمة ذاتية لحفظ القرآن, فالقرآن عندهم وسيلة من وسائل الفهم, ومظهر من مظاهر البلاغة العربية والأدب العربي". وهذا ما يفسر ضعف دراستهم للقرآن الكريم, فحالت من هنا دونهم ودون أن يكونوا حفاظا ومقرئين.

 

أما المذهب المغربي, فقد عارض هذا الخط, إذ لا يقوم هذا المذهب إلا على حفظ القرآن وإتقان رسمه, وهو ما جعل الطفل المغربي لا يتصل كثيرا مع الثقافة الأدبية والفكرية, التي يجيدها أطفال الأندلس. ويقول ابن خلدون منتقدا هذا المذهب: إن "الأجيال المغربية قد أصابهم هذا المذهب الجاف, القائم على الحفظ فقط, بنوع من الشلل العقلي وصدم قوة الإدراك فيهم".

 

أما المذهب التونسي, فقد نحا منحى وسطا. فالمنهاج التونسي "كان منهاجا قرآنيا, يعتبر القرآن وحدة مستقلة في التعليم, وحفظه وتجويده غاية في نفسها, وينظر إلى الخط على العموم كوسيلة للقراءة, فلا يحفل كثيرا برداءته, ولا يعير لهندسته وتنسيقه كبير اهتمام".

 

أما عن المذهب الشرقي, فيرى الكاتب أن ابن خلدون لم يصفه وصفا دقيقا, لكن نقل إليه "أن الشرقيين يدرسون القرآن كغاية, ولكن بجانب الحديث والنحو والفقه, أما الخط, فينظرون إليه كفن, له أساتذته الاختصاصيون وله قوانينه".

 

بعد ذلك, يعبر الكاتب عن رأيه بالقول: يحسن بنا الظن "بتعليم يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله, ويفسح المجال في اتزان لثقافة أدبية كافية, إلى جانب تحفيظ القرآن ودرسه. ولو اعتنى رجال التربية في الأندلس بحفظ القرآن ودرسه, كما في المغرب, وهم متمسكون في الوقت نفسه ببرنامجهم الثقافي, إذن لكانت الطريقة الأندلسية عند ابن خلدون, جديرة لأن تحتذى فيما يظهر".

 

وبكل الأحوال, يتابع الكاتب, فلم يكن هدف ابن خلدون وضع منهاج تطبيقي في التربية, لكنه "يقف موقفا وصفيا, فيلاحظ الظواهر من بعيد, ليضع أسس علم جديد".

 

+ بنص "ثورة العقل" (نشر بصيف العام 1938), يتحدث المؤلف عن الكاتب المغربي, وهل بإمكانه "أن يواجه الأفكار الجديدة, وينظم مناهجه إلى حد ما, ويوجهه توجيها صحيحا مفيدا, أم هو على العكس, سيبقى يرقبه عن كثب, وفي شيء من الصمت والإطراق؟".

 

بمحاولة إجابته على ذات الأسئلة, يقر المؤلف بأن "الكاتب المغربي اليوم مصاب بمرض...وهذا المرض هو عدم إخلاصه للحقيقة, التي يدركها في نفسه, ولكنه يتحرج من الظهور بها أمام الناس".

 

صحيح, يؤكد الكاتب, أن بالواقع المغربي العديد من النواقص, وهي مثار العديد من المشاكل, ولكل كاتب علاجه المقترح, لكنه "لا يستطيع أن يطالع به الناس, لأنه لا يستطيع أن يتحمل انتقادهم. وهم لا يرونه على نشرة من النشرات إلا في تحفظ وحياء شديد, وكثيرا ما يدفع به ذلك إلى إيثار الصمت والصمت الطويل, وينكمش في نفسه, معتزلا الحياة الفكرية, وما يتصل بالحياة الفكرية...فيظلم التاريخ ويظلم نفسه, قبل أن يظلم الناس والتاريخ".

 

إن الذي ينقص نهضتنا الفكرية, يقول عبد الله إبراهيم, إنما "الجرأة اللازمة, ليستطيع الإنسان أن يصدع بما يعتقد أنه الحق في الحياة. ينقصنا أن نفتح النافذة قليلا, لنشم من الهواء الطلق, وننصح الناس بما نعتقده صوابا, ونحن مطمئنون مرتاحون".

 

الكاتب هنا إنما يطالب بثورة للعقل, ثورة على "التقاليد الفاسدة وعلى الحياة التي لا تنظر إلى الأشياء بعينين من وراء...أما أصحاب الحق وأنصار الفضيلة, فليكونوا مطمئنين, فإن الفوز والغلبة دائما للفضيلة والحق".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 6 نونبر 2008