"الوصول
للمعلومة كحق دستوري"
لطالما
اشتكى الصحفيون والباحثون والمواطنون أيضا بالمغرب, من غياب قانون يمكنهم من
النفاذ للمعلومات, ويضمن لهم إمكانية الاطلاع على البيانات والوثائق والمعطيات
التي تكتنزها الدولة, ومستواها الإداري على وجه التحديد, لهذا الغرض أو ذاك,
لهذه الغاية المحددة أو تلك.
ليس
المطلب هنا هدفا في حد ذاته, بل هو أداة من
شأنها تمكين هؤلاء كما أولئك, من التجاوز على منطق الإشاعة المضللة, أو المعلومة
المغلوطة, أو البيان الذي قد لا يكون مضمونه دقيقا أو حقيقيا أو صادقا.
ما
أعطى ذات المطلب قوة ومصداقية, كون احتكار المعلومة
من لدن أجهزة الدولة لم يكن له من مبرر دائما, حتى وإن كان جانب سرية المعلومات
الحساسة, غالبا ما يدفع به لحؤول الأفراد والجماعات دون بلوغ ذات
المعلومة.
صحيح
أن ثمة من المعلومات ما لا يجوز رفع السرية عنه, أو إتاحته بالمجال العام, لكن
استثناء هاته بالتحديد الصريح لا يمنع من إتاحة ما سواها, وإلا لتحول مبدأ السرية
إلى قاعدة تشمل الكل, لكنها تستثني الكل أيضا وبالآن ذاته.
وصحيح
أيضا أن ثمة من المعلومات ما لا يمكن تسريبه أو إتاحته, خدمة لهذا "الغرض
الأسمى" أو ذاك, لكن ذلك لا يجب أن يحول المعلومة إلى أداة استقواء, أو وسيلة
ابتزاز, أو مطية لحجبها أو منعها, على خلفية من هذا المسوغ أو ذاك المبرر.
كل
هذا تم تجاوزه, فيما يبدو لأول وهلة, باعتماد دستور جديد, رفع مبدأ النفاذ للمعلومات
وولوج بنوكها وقواعد معطياتها إلى حق دستوري, لا سبيل للقفز عليه, أو إعمال
الاجتهاد للتحايل عليه بهذا الشكل أو ذاك.
إن
تنصيص دستور يوليوز من العام 2011, على حق الأفراد والجماعات للنفاذ إلى المعلومات,
إنما من شأنه فسح المجال للاطلاع على كل ما تكتنزه أروقة الإدارات العمومية, من
وثائق وبيانات ومعطيات وسجلات كانت إلى حين عهد قريب محظورة, أو محذور الاقتراب
منها حتى, بقوة القانون.
ثم
إن ذات التنصيص سيمكن لا محالة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين من الحصول على
المعلومات والبيانات التي لم يكن بمقدورهم الوصول إليها, فكانت بالتالي خلف
إقصائهم, أو استبعادهم, أو تركهم خارج ما يروج ويتداول. كل هذا ناهيك عما سيوفره
هذا الحق للباحثين والصحفيين والمستثمرين والمتقاضين وما سواهم.
ومع
ذلك, فإن ذات الحق وإن تم السمو به لدرجة إدراجه ضمن بنود الدستور الأساسية, فإنه
يبقى خطوة غير كافية, حتى وإن كنا لا نستيطيع أن نزايد على ضرورتها ومحوريتها.
إن
القول بأنها غير كافية إنما هو من القول بأن المحك سيكون بالقطع بمدى تفعيل ذات
الحق, وتصريفه بأرض الواقع, وتجسيده بالسلوك اليومي للإدارة وللإداريين. ومن القول
أيضا بأن النص القانوني, أيا ما تكن درجة سموه, لا يمكن أن تكون له قيمة, إذا لم يجد
التربة التي تحتضنه وتتعامل معه إيجابيا, وتلتزم بمضامينه, ثم تتبناه في القلب
والقالب.
وهو
من القول كذلك بأن سن أي قانون لا يضمن بالضرورة مسالك تطبيقه, إذ يبقى حبرا جاريا,
طالما لم يتم التجاوب معه بجهة الاعتماد الشامل.
إن
الوارد حتما, في حال هذا الحق بالمغرب, الا تتعامل معه الجهة المتلقية إيجابا, أو
أن تتحايل عليه, أو تناهضه بالجملة والتفصيل, أو في أسوأ الأحوال, تقاومه ليركن
جانبا, ولا يتم استحضار مضامينه إلا بين الفينة والأخرى.
إن
المسألة ثقافية بامتياز, أي أنها تسائل قابلية الأطراف المعنية على ترجمة ذات الحق
في السلوك الفردي والجماعي, حتى يشيع ويصبح معطى قارا, بالتبرم عنه يسقط المرء في
المحذور وفي الممنوع قانونا.
إن
المطلوب هنا ليس إجبار الإدارة العمومية ومرافقها المختلفة, لاعتماد ذات القانون
والتعامل معه كنص أسمى, بل العمل على دفعها لتقتنع به وتتبناه بالتدرج والتدريج,
لأن فيه ومن خلاله نزاهة ذات الإدارة ومصداقيتها أيضا.
يحيى اليحياوي
الرباط, 25 يوليوز
2011