ضحايا "العمل الإنساني" بإفريقيا

 

لم أكن يوما مؤمنا, ولا مقتنعا بما تقوم به العديد من منظمات "العمل الإنساني" بالعديد من دول العالم, سيما بتلك المصنفة عالميا في خانة "الفقيرة", أو "ذات الموارد المحدودة", أو المعرضة دوما لآفة التصحر وغضب الطبيعة, ناهيك عن تلك التي باتت الحروب من بين ظهرانيها ظاهرة بنيوية, لا تفتر واحدة, حتى توقد نار الثانية, وهكذا:

 

+ فالعديد ضمن المنظمات إياها, يتدثر خلف رسالة العمل الإنساني للتجسس الصرف, إما مباشرة أو عبر تجنيد بعض من أبناء البلد, تكون القابلية للاستقطاب لديهم مرتفعة, بالقياس إلى واقع العوز والفقر وضيق الأفق, وانغلاق سبل الخلاص. هو عمل "إنساني" بالمظهر والشكل والتمويل, لكنه موجه لغاية محددة, قد يطول أمدها وقد يقصر, حسب المراد تحصيله من معطيات, وإدراكه من بيانات.

 

+ والعديد منها يلبس لبوس العمل الإنساني في أدبياته وأدوات فعله بهذه الجهة من العالم أو تلك, فيما هو بالجوهر مدفوع باعتبارات تبشيرية, تتغيأ استمالة العقول والأذهان, عبر مدخل البطون, لإخراج الأفراد أو الجماعات من ملتهم ودينهم, أو تحريفهم عن معتقداتهم, أو تحويلهم عن مذاهبهم, لغايات دينية مباشرة واضحة, أو لخدمة أهداف إيديولوجية صرفة, لا يبرز مفعولها إلا حين انجلائها بالعلن, أو انفضاح أمرها بالمجال العام.

 

+ والعديد من بين ظهرانيها يتغيأ دراسة أنماط إنتاج وسلوك استهلاك شعوب وأقوام "بدائية", إما لخدمة توجهات شركات كبرى تبحث عن أسواق إضافية, أو توسيعا لمجالات ثقافية على حساب أخرى, تكون تمثلاتها عصية على التطويع, أو متمنعة في الانصهار.

 

قليلة بالقطع هي المنظمات غير الحكومية التي يثوي خلفها أفراد أو مؤسسات سليمو النية, صادقو العزيمة, تدفعهم للعمل إياه أهوال ما تتعرض له بعض الدول أو بعض جماعاتها, ويثيرهم لحد الانتفاض, سلوك القائمين على الحل والعقد بداخل هذه البلدان, كما من لدن المصالح الكبرى المتماوجة بالعالم.

 

ليست جمعية "أرش دو زوي" الفرنسية قطعا ضمن هذه المنظمات, بل أنا مستعد للمجازفة بالقول بأنها وسيط بنمط في "العمل الإنساني", يتاجر في منظومة تبني الأطفال, والأعضاء البشرية, وشبكات الدعارة وأسواق الشذوذ الجنسي, المرتفعة الطلب عليها بالغرب.

 

لا تخرج عملية نقل أكثر من مائة طفل (غالبيتهم من سودانيي دارفور, ضمنهم بعض تشاديين, وكلهم بأعمار تتراوح بين سنة وتسع سنوات), لا تخرج بالمرة عن ذات النمط, بالشكل, كما بالجوهر, كما على مستوى التداعيات:

 

°°- فالأطفال المائة وثلاثة لم يكونوا مرضى أو جرحى, ولا كانوا لوحدهم بضيق متجذر, بل كانوا أصحاء سالمين, انتزعوا من عائلاتهم انتزاعا, بالحيلة والمكر (حيلة ترحيلهم لإنقاذهم, ثم تعليمهم وتخليصهم من الفقر), ليتبين فيما بعد, أي عندما انكشف الأمر, بأن ذات الحيلة إنما كانت للاستدراج الصرف, في حين أن الهدف الأكبر كان لغاية البيع والمتاجرة...المتاجرة فيهم كعبيد, أو في ذواتهم كأعضاء بشرية للزرع.

 

°°- والأطفال المائة وثلاثة لم يكونوا أيتاما بمعظمهم, بل إن العديد من آبائهم أو أولياء أمرهم, انتفضوا لدرجة الانهيار عندما علموا بأن أطفالهم كانوا موجهين للتصدير, ولم تكن الغاية من استجلابهم, تعليمهم بتشاد, أو حمايتهم من ميليشيا دارفور, أو ضمان مأوى لهم يقيهم مصير الموت المحقق, أو الفاقة والعوز.

 

°°- والأطفال المائة وثلاثة لم يكونوا, فضلا عن كل هذا وذاك, بوضع يسنح لهم, وهم أطفال أبرياء بكل الأحوال, بالتمنع أو الممانعة, بل صغروا وانصاعوا ببراءة, لفتوى رجل أبيض زين لهم العالم الآخر, فاستصدرهم من بين عوائلهم (ومن بين الحقول أيضا) دونما استئذان...أو باستئذان ماكر.

 

لا يستطيع المرء هنا أن يسلم بحسن نية, أو ببراءة سلوك, سيما لو علم أن أكثر من 300 عائلة من فرنسا وبلجيكا لوحدهما, دفعت ما بين 4 إلى 9 آلاف دولار عن كل طفل يتم نقله إليها, إما للتبني لهذا الغرض أو ذاك, أو للمتاجرة فيه بأسواق بات اللحم البشري بصلبها إسما تجاريا, وعنصرا من عناصر الأصول الاقتصادية.

 

ولا يستطيع, بامتداد لذلك, أن يرتكن إلى خطاب السلطات الفرنسية بأنه لم يكن لها علم بالذي جرى, أو كان يجري, هي التي (السلطات إياها أقصد) تحتكم لتواجد عسكري واستخباراتي قوي بتشاد, بدارفور السودان, كما بالحدود بين البلدين...كيف لعيونها ألا ترى ما هو معتمل بالمنطقة, وهي التي على لسان رحمة ياد مستشارة الدولة الفرنسية المكلفة بحقوق الإنسان, "بذلت منذ شهر غشت 2007 ما تستطيع لمنع المسؤولين عن عملية نقل الأطفال من تنفيذ مشروعهم...غير أنهم مع ذلك نفذوه بشكل سري, من دون إبلاغ أحد, ومن دون موافقة السلطات"؟

 

لا بل إن ذات المسؤولة حذرت المنظمة من "مغبة انتهاك القانون", إن هي عمدت إلى تنفيذ برنامجها بنقل 1000 من الأطفال, "زعمت أنهم أيتام من دارفور إلى فرنسا, على مراحل", وتحت شعار "أنقذوا أطفال دارفور".

 

لا تقتصر أداة الجريمة على النية الخالصة, نية المنظمة نقل هؤلاء الأطفال, ولا على تستر السلطات الفرنسية على المزمع تنفيذه, بل تعدى الأمر ذلك لدرجة تكفل الرئيس الفرنسي شخصيا ب"لملمة الفضيحة" عندما انفضح المستور, وبات مسؤولو المنظمة بقبضة سلطات تشاد, وخلف قضبان سجونها, وملفاتهم بين يدي قضاة الدولة التشادية.

 

لم يستفسر الرئيس الفرنسي عن خلفيات ما جرى, ولا سلم بأمر واقع من المفترض أن يتكفل به قضاة دولة ذات سيادة, بل تجاوز على كل ذلك لدرجة الدوس بالأقدام, فضغط على سلطات تشاد بزيارة خاطفة لرئيسهم, ليصطحب معه قسريا جزءا من المتهمين, وضغط وهو بعاصمة بلاده, فاسترجع آخرين, ولا يزال يضغط لاستعادة الباقي المتبقي...دونما أدنى اعتبار للمواثيق الدولية, أو إيلاء قيمة رمزية تذكر, لدولة انتهك القانون من بين ظهرانيها, واستهدف قضاؤها دونما موجب حق.

 

قد يتسنى للمرء أن يصرف النظر عما قامت به منظمة "أتش ذي زوي", ويسلم بما ادعته وقد تدعيه من سلامة نية. وقد يسلم بأنها إنما كانت تنفذ جزءا من برنامج, كانت تصرح به للسلطات, كما للإعلام, ولم تكن تخفيه على الملأ. إلا أن الذي لا يستطيع ذات المرء غظ الطرف عنه, أيا تكن المسوغات والدفوعات, إنما سلوك الرئيس الفرنسي بإزاء قضية كان للقضاء بتشاد كما بفرنسا, أن يعالجها دونما تساوقات سياسية تذكر:

 

°- فالرئيس الفرنسي انتقل شحما ولحما لتشاد, بغرض تسلم دفعة من المتهمين المفرج عنهم "سياسيا", دونما أن يبث القضاء في مآلهم, بل إن قضاة تشاد بلغ بهم الضيم مداه...هم الذين كانوا يعتزمون مقاضاة هؤلاء, والحكم عليهم بجرم ارتكبوه على الأراضي التشادية.

 

°- والرئيس الفرنسي استفز التشاديين كما السودانيين, عوائل أطفال وحكومات, عندما ألح على اصطحاب بعض من المتهمين الإسبان ليسلمهم لرئيس وزرائهم, قبل أن ينتقل لبلاده, ويستقبل فيما بعد شخصيا, بعضا من متهمي المنظمة من ذوي جنسية بلاده.

 

إن الرئيس الفرنسي بكل هذا (أي بنقل المتهمين "للمحاكمة ببلدانهم"), لم يهن القضاء التشادي فحسب, بل أهان أهالي الأطفال المائة وثلاثة...تماما كما أستباح قضاء دولة, وأهان قضاتها ...ناهيك عن إهانة العمل الإنساني النبيل, الفاعل دونما مراهنة على مقابل مادي, أو غاية تبشيرية مستترة, أو وظيفة تجسسية وسخة.

 

كيف لرئيس فرنسي ألا يعيد الكرة مرة أخرى, وباطمئنان كبير؟ ألم ينقذ الممرضات البلغاريات من حبل المشنقة تجاوزا على القضاء الليبي, و ضدا على ذوي الضحايا؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 12 نونبر 2007