"ظاهرة الدعاة الجدد: الدعوة...الثروة...الشهرة"

 

وائل لطفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2005، 218 ص.

 

 

1- "من هم الدعاة الجدد؟" يتساءل المؤلف في تصديره للكتاب، " وفيم يختلفون عن غيرهم من الدعاة الأزهريين الذين نعرفهم جميعا؟ وما الموضوعات التي يطرحونها؟ ".  

 

هذا الكتاب محاولة لتحديد "تعريفات جامعة لهذه الظاهرة التي طرأت على المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، واستطاعت أن تفرض نفسها على الساحة نظرا لاطرادها"...إذ أن أولئك الدعاة الجدد "استغلوا جميع الوسائل المتاحة لنشر افكارهم، وتمكنوا من التعامل مع أدوات الحداثة ومنجزات التكنولوجيا الحديثة ومع نتائج العولمة على المستوى الاتصالاتي والمعرفي، فتوغلوا في الفضائيات ومواقع الإنترنيت" وغيرها.

 

يزعم الكاتب، منذ البدء، أن الدعاة الجدد "يختلفون شكلا ومضمونا عن أولئك الدعاة التقليديين. فلا يلتزمون بزيهم التقليدي ولا بلغة الخطاب التراثية القديمة، ولا بالموضوعات التي تهم المتحدث أكثر ما تهم السامع". ويتصور أنهم "دعاة أخلاقيون في المقام الأول، يتبنون فكرة الإصلاح من أجل المجتمع...لأنهم يهدفون للوصول إلى مجتمع متدين دون مخاطرة الانضمام لجماعة من الجماعات، ودون التصدي لما هو سائد أو العداء له ...أي أنهم يتحمسون لفكرة الإسلام الاجتماعي وليس السياسي".  

 

بالتالي، يقول الكاتب، فلعل "السؤال الأهم لدي كان عن علاقة الماضي بالمستقبل...هل يحقق الاجتماعي ما عجز السياسي عن تحقيقه؟ وهل يحقق الإصلاحي والمسالم ما عجز الثوري والعنيف عن تحقيقه؟".

 

ويقر المؤلف بأن المتأمل للمشهد الديني الإسلامي بمصر، يلاحظ أنه " في صدارة المشهد يبدو الدعاة الجدد كأهم ظاهرة إسلامية يشهدها المجتمع المصري حاليا، بعد انحسار نشاط التنظيمات الراديكالية العنيفة ومراجعاتها الفكرية التي أعلنت فيها عن تخليها عن العنف كوسيلة لتغيير المجتمع. وفي ضوء حالة من الركود يشهدها المجتمع على مستويات السياسة والاقتصاد والمجتمع المدني أيضا، وفي ضوء حالة الحصار المفروضة على جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها جماعة تفتقر للشرعية على المستوى السياسي الرسمي"...في ضوء كل هذا، تبدو "ظاهرة الدعاة الدينيين الجدد كجزء مهم جدا من المشهد الديني والاجتماعي وربما السياسي في مصر". 

 

وإذا كانت إحدى ميزاتهم الأساس لجوء الطبقات العليا لهم  واعتمادهم الفرق الموسيقى الإسلامية وتأثيتهم للأفراح البورجوازية ذات الصبغة الدينية (وكذا لعروض الأزياء الإسلامية)، فإن البعد الاقتصادي غير غائب في ممارساتهم حيث يتبنى رجال الأعمال العديد من هؤلاء الدعاة، كما تحتضنهم العديد من شركات الكاسيط التي تدر عليها أشرطتهم أرباحا عالية.

  

وهو غير غائب أيضا بحكم اعتمادهم لخطاب "يبارك الثروة ويجعلها دليلا على رضى الله ويعتبر أن تنميتها هي فعل من أفعال التقرب لله".

 وجمهور هؤلاء كبير ومتعدد، لكن النسبة الغالبة للشبان والشابات من الشرائح العليا. وهي جد متعلمة وناجحة وتعمل بقطاعات راقية كالبنوك وشركات الاتصالات والفروع المصرية للشركات الغربية. بالتالي، فالاقتصاد حاضر لدى كل أطراف اللعبة: الرعاة والدعاة والجمهور.

 

2- يتكون الكتاب من أربعة فصول، حاول الكاتب من خلالها ضبط واقع ومآل ظاهرة الدعاة الجدد بمصر بداية هذا القرن:

 

+ بالفصل الأول ("من هم الدعاة الجدد؟") يقر الكاتب بأن "أسهل تعريف للدعاة الجدد هو أنهم ليسوا أولئك الدعاة القدامى... فهم ليسوا أولئك الدعاة الأزهريين الذين يلتزمون بالزي التقليدي وبلغة الخطاب التراثية التقليدية، وبموضوعات من المؤكد أنها لا تهم السامع بقدر ما تهم المتحدث، وفي كثير من الأحيان فإنها قد لا تهم الإثنين معا".   

يعترف الكاتب بأن ظاهرة الدعاة الجدد ليست جديدة، حتى بالانتشار الواسع الذي عرفته عبر الصالونات الإسلامية ودروس المساجد وتوفر الفضائيات كوسيط إعلامي واسع الانتشار. وعلى الرغم من ذلك، فإن الداعية الجديد، يقول المؤلف، "هو ذلك الشخص الذي تلقى تعليمه الديني خارج المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر)، وهو يعتمد في ثقافته الدينية إما على التعلم المباشر والتثقيف الذاتي، أو على تلقي العلم من أحد الشيوخ في حلقات العلم في المنازل".  

 

خطابه بسيط يربط الدين بالحياة وبالمشاكل الاجتماعية، حسن المظهر، له قبول اجتماعي وقدرة على توصيل المعلومة بسهولة، جمهوره شباب ونساء من الشرائح الاجتماعية العليا التي تبحث على الجانب الروحي، وهي بحاجة لتدين لا يحرمها من مباهج الحياة التي تملكها بالفعل. 

 

°- ولعل أول هؤلاء هو ياسين رشدي، وهو الحالة النموذجية لهذا النمط الجديد من الدعاة. فهو قبطان بحري له استثمارات في مجال استيراد وتصدير القمح، ظهر بالتلفزيون المصري في العام 1991 وسطع نجمه بعدما كرمه الرئيس مبارك بوسام رسمي. كان عسكري التكوين (طرد من الخدمة العسكرية في العام 1965) ولم يتلق تعليما دينيا، بل تلقى العلم وفقا لطريقة الشيخ والمريد، وكان شيخه هو محمد الأمير الذي أجازه بعد سنوات من حضور الدروس.

 استفاد من سياسة السادات لاستيعاب التيارات الدينية، فمارس بشكل مباشر وعلني. في العام 1976 تحول من موظف كبير متدين إلى رجل أعمال مهم، يمارس الدعوة ويملك مركزا إسلاميا ومسجدا هو مسجد النور، مؤثثا بأثاث فاخر وبمكيف للهواء.

 

لم يكن خطابه يهتم بالسياسة، وكان حريصا على الرأي المعتدل على الرغم من مناخ العنف الذي كانت تعمل فيه جماعات العنف المسلح التي كانت في أوجها بداية التسعينات... كان خطابه مركزا على التربية في الإسلام والمخاطر التي تواجه المراهقين والشباب والنساء المؤمنات، وقد تم استقطاب العديد من الفنانات ضمنهم. 

 

خطابه بعيد عن خطاب الجماعات الراديكالية وأيضا عن المؤسسة الدينية التقليدية...ولعل هذا ما يميز معظم ما يصدر عن الدعاة الجدد: دفع الناس للتدين دون أن يفقدوا ما يتمتعون به فعلا، أي الشهرة والثروة والنفوذ والمشروعات التجارية. ولو تأملنا العلاقة المشتركة بين المجموعات الثلاث سنجد "أن الفنانين والفنانات الذين يدخلون عالم الاعتزال لديهم الشهرة ولكن تنقصهم الثقافة والمشروعية الدينية. والدعاة لديهم الثقافة الدينية لكن تنقصهم الشهرة، ورجال الأعمال لديهم الثروة، ولكن تنقصهم الشهرة والمشروعية الدينية" وهكذا.

 

لكن السؤال المهم، يقول الكاتب، هو: لماذا ظهر هؤلاء؟  

 

يقدم الكاتب تفسيرات متعددة لذلك، لعل إحداها "أن النظام السياسي كان بحاجة ملحة لطرح نمط جديد من الدعاة الجماهيريين، يسحبون البساط من تحت أقدام الجماعات الراديكالية العنيفة ذات النفوذ والقوة". ثم هناك تفسير آخر يقول: "إن الأثرياء دائما بحاجة إلى رجل دين يلعب دور المطهر الذي يحلل الثروة، بغض النظر عن طريق جمعها ويؤكد للأثرياء أنه يمكن أن ينالوا الدنيا والآخرة إذا اتبعوا خطوات معينة"، سيما في ظل صعود طبقة وسطى جديدة مكدة ومجتهدة، على عكس تلك الطبقة التي اغتنت زمن الانفتاح الأول (أيام السادات) فنهبت وتحايلت على القانون واغتنت بطرق لاشرعية ولا أخلاقية...الخ.  

 

هؤلاء إذن كانوا بحاجة إلى خطاب يشجعهم على الاستمرار في مراكمة الثروة مع الاحتفاظ بوسائل الحضارة الغربية..."أما ما هو غير موجود بالفعل مثل الديموقراطية والمشاركة السياسية والحريات الشخصية والإبداع، فلا داع له ويمكن استبداله بأفكار مثل الأخوة في الله والخلاص الفردي" وما سواها.

 

وهكذا، يقول الكاتب، "تحل أفكار تربية النشء في الإسلام، والحب على الطريقة الإسلامية وضوابط الصداقة والقرابة والعلاقات مع الوالدين ورؤساء العمل والجيران، محل ركام من العلاقات المرتبكة والمشوهة، والتي هي خليط من ليبرالية شاحبة وأحلام قومية نظرية محبطة وأفكار محافظة". 

 

لكن الثابت، يقول الكاتب، أننا حقا "أمام تيار جديد يحمل بعض ملامح البروتستانتية الإسلامية، لكنه ما زال في إطار تقليدي، إذ أنه يجدد في شكل الداعية، وفي الوسائط التي يستخدمها لنقل خطابه دون أن يجدد في الخطاب نفسه".

 

°- النموذج الثاني هو نموذج عمر عبد الكافي أو "داعية الملأ". وهوالأشهر في الأربع سنوات الأولى لعقد التسعينات (والممنوع حاليا)، ولعله أول من " قدم نموذج الداعية ذي الملابس الأوروبية الأنيقة واللحية المهذبة. وهو بالتأكيد ليس رجل دين تقليدي، حيث إنه درس علوم النباتات وكان حتى العام 1994 يعمل باحثا في أكاديمية البحث العلمي. كما أنه رجل أعمال يملك شركة تعمل في مجالات استصلاح الأراضي... ويملك مدرسة إسلامية خاصة لتعليم اللغات".

 

كان يجمع حوله الآلاف من جماهير نادي الصيد، أكبر نوادي مصر من حيث رسوم الانضمام.

وقد منع من الخطابة مرارا لأنه " لم ينل الرضا الكامل من السلطة لأسباب متعددة، لعل أهمها أنه لم يقدم خطابا مضادا للعنف، ولكنه قدم خطابا منزوع العنف. بمعنى أنه قدم ذلك الخطاب السلفي التقليدي الذي ينص على أن الإسلام دين ودولة، وأن الشريعة الإسلامية يجب أن تسود كافة مناحي الحياة. لكنه لم يتطرق للحديث عن كيفية إقامة الدولة الإسلامية، وما إذا كان العنف وسيلة مناسبة أم لا".   

 

وكانت فتواه الشهيرة "عدم جواز أن يبدأ المسلم المسيحي بالسلام، أو أن يهنئه في الأعياد الدينية الخاصة به...على الرغم من اعتذاره فيما بعد للبابا شنودة". فمنع منعا باتا وعلق على ذلك فيما بعد، أن منعه جاء عقابا له على اقترابه من الطبقة الراقية (من الملأ)، وفي إطار سياسات تجفيف منابع التطرف "التي اتبعتها كثير من الحكومات العربية حين أدركت أن الدعاة المعتدلين أكثر تأثيرا في المجتمع من أصحاب الصوت العالي". 

 

وعبد الكافي يعلن صراحة أن فصل الدين عن الدولة وعن السياسة هو قول علماني كافر وأفتى بمنع الصلح مع اليهود.

 

°- أما النموذج الثالث لظاهرة الدعاة الجدد فيمثله عمرو خالد، الذي تحول من جماعة الإخوان المسلمين إلى " داعية مستقل"، يدعو إلى اعتبار الإسلام دين ودولة "وأنه لا بد من اتباع القواعد الإسلامية لإصلاح كافة مناحي الحياة".

 

فهو لا يهتم كثيرا بالسياسة، بقدر اهتمامه بفكرة الخلاص الفردي. ويؤكد على أن من تمسك بالدين سيكافئه الله بأشياء مثل زيادة الثروة واتساع فرص العمل أمامه... بل يدعو الناس لجمع الثروة لأن ذلك سيجعلهم نماذج إيجابية ومشرقة للمسلمين".

 

إن سر نجاح عمرو خالد، يقول المؤلف، "هو أنه يجيب للشبان الصغار الذين يعانون من الفراغ على كافة المستويات إجابات على أسئلة كيف ترضي والديك؟ كيف تنجح في عملك؟ كيف تتزوج؟ وكيف تكون سعيدا في الدنيا والآخرة؟...هو خطاب "التدين الآمن"، لأنه لا يقود الشباب إلى أي نوع من الصدام مع السلطة أو مع المجتمع...المطلوب عنده ليس تغيير السلطة، ولكن "إكسابها طابعا دينيا يمكن أن يملأ حالة الفراغ الروحي والفكري والسياسي لديها".   

 

ثم يتحدث الكاتب عن أن علاقة عمرو خالد بالحداثة والعولمة لا تنحصر في لباسه الأوروبي، بل وكذلك في موقعه على شبكة الإنترنيت الذي "بات بعد سنوات من تأسيسه يفخر بأنه واحد من أهم 500 موقع على مستوى العالم"، ناهيك عن شرائط الكاسيط والتواجد بالفضائيات.

 

وعلى الرغم من غلاء أسطواناته وتذاكر الحضور لمحاضراته، فإنه يرفض فكرة "التكسب من الدين"، بل يعتبر أنه كلما كانت للشيء قيمة، دفع فيها الناس أكثر والناس في حاجة إلى الدين...". 

هكذا، يدخل الدين بقوة كعنصر من عناصر السوق. ثم إن الشرائط يمولها رجال أعمال يبحثون لسلعهم عن شعبية عبر شعبية عمرو خالد.

 

وهو يحث على كسب الثروة وتعلم اللغات، ويدعو الشباب للاستمرار في الذهاب إلى المناطق الراقية، لكن بغرض "التأمل في خلق الله" عوض ممارسة الاصطياف العادي.

 

الملاحظ إذن، يقول المؤلف، إننا إزاء "ملامح مشروع سياسي، اقتصادي وديني، قوامه تديين قوى السوق على أرضية ليبرالية سياسية..." وهومشروع  يقترب في بعض ملامحه من مشروع الإسلام الحضاري الذي صاغه في ماليزيا منذ ربع قرن مفكر مثل مهاتير محمد.  

 

بالمحصلة نلاحظ، يقول الكاتب، إن هؤلاء الدعاة يعطون الانطباع بلباسهم المختلف عن الجلباب والعباءة، ببروز بروتستانتية جديدة في الإسلام... إلا أن البروتستانتية بفرنسا مثلا (في أعقاب الثورة) أو بالولايات المتحدة طورت المضمون قبل الشكل، وهو ما لم يقم به هؤلاء الدعاة "لأنهم سلفيون للغاية، وحتى إن ركزوا على الوجه السمح للدين، فهم لا يملكون الحق في الاجتهاد ولا  لديهم القدرة عليه.  

 

°- ثم نجد (بالموجة الثانية) داعية كصفوت حجازي، ركب موجة الكاسيط أيضا ووظف قناتي دريم والمحور... وكذلك راغب السرجاني وخالد عبد الله وأكرم رضا وغيرهم.   

 

ففي الوقت الذي كان عمرو خالد يتحدث بسلسلته "نلقى الأحبة"، عن حياة زوجات الرسول (ص)، كان صفوت حجازي يصدر "نساء بيت النبوة" وحازم أبو إسماعيل"الحب في الإسلام". بالتالي، فلا فرق كبير بين الموجتين، حيث التشابه في الموضوعات و في مضمون الخطاب و"حرص على الابتعاد عن الجوانب السياسية والفقهية المعقدة، والإقبال على المواضيع  الاجتماعية، التي من شأنها أن تحول الدرس الديني إلى دليل عمل للحياة، وأن تحول الداعية نفسه إلى مرشد اجتماعي للشباب يهديه إلى أفضل الطرق للحب والزواج ومعاملة الأصدقاء وفقا للضوابط الشرعية"... بل إن بعضهم (أكرم رضا تحديدا) قد تخصص في الاستشارات النفسية والأسرية، وكذلك أحمد عبد الله الذي يعتبر نفسه طبيبا نفسيا ذا مرجعية إسلامية وليس داعية...

 

سمة هذه الموجة إذن هي التخصص (مشكلات اجتماعية عند البعض، طب نبوي وحجامة عند البعض الآخر وهكذا).

 

لقد تحول عمرو خالد، يقول المؤلف، إلى مليونير حقيقي من حصيلة بيع شرائطه وكتبه والمقابل الضخم الذي يتقاضاه من قناة إقرأ نظير احتكارها له، ناهيك عن الهبات المباشرة التي يتلقاها من الأثرياء ورجال الأعمال العرب. 

 

لكن الدعاة الذين ظهروا بعده بدوا أكثر راديكالية وتعففا في مسألة الثروة، مثل راغب السرحان الطبيب وأستاذ الطب بجامعة القاهرة، وكذلك صفوت حجازي "الذي عبر عن رفض شخصي قاطع لفكرة الثروة مقابل الدعوة"... بدليل استشهاده بالأئمة الذين لم يغتنوا من وراء الدعوة، بل إن كلا من الإمامين مالك وابن حنبل قد حرما أخذ الأجر عن العلم... ومعظم الدعاة أكدوا أن الحصول على المال يجب أن يغطي حياة الداعية (ليس إلا) في حالة عدم توفره على مصدر رزق آخر.   

 

بالمحصلة إذن: إن لكل داعية فريق من رجال الأعمال والمؤيدين والجمهور، بالإضافة لقناة فضائية تتبنى الداعية وتوظفه للجذب التجاري. وبمقياس الحضور الإعلاني ورقم المبيعات، فإن عمرو خالد يحتل المركز الأول ... لكن هناك آخرون لربما هم نتاج " تحالفات رجال الأعمال والتوازنات السياسية"، التي تذكي المنافسة بينهم لدرجة أنه مع بداية العام 2000 كان المتنافسان الرئيسيان هما عمرو خالد وخالد الجندي، خريج المؤسسة الدينية التقلدية، الذي كان واعظا حتى العام 1998 وخطيبا في حي السيدة زينب، وأصبح بمرور الزمن من الأثرياء الذين يركبون سيارة المرسديس من طراز العام  نفسه.   

 

 كان خالد الجندي خطيبا بنادي الصيد، حيث أسس من إيراداته "دار الوفاء الإسلامية للطباعة والنشر" وأعقبها بمشروع الهاتف الإسلامي، الذي يقدم الفتوى بمقابل مادي وبتعريفة للمكالمة مختلفة عن التعريفة العادية، و"المكسب يتم اقتسامه بين أصحاب المشروع وهيئة التلفونات المصرية"... كل هذا يشي بأحد ملامح الدعوة الدينية في مصر، وهي "ارتباطها باقتصاد السوق".  

 

من جهة أخرى، فإذا كانت فضائية "أ.إر.ت" قد احتكرت عمرو خالد، فإن شبكة الأوربيت (التابعة لجناح آخر في العائلة السعودية) قد وقعت عقد احتكار مشابه للشيخ خالد الجندي ليصبح مستشار القناة الديني... في حين فتحت قناة دريم أبوابها لداعية ثالث هو الحبيب علي ذي الميول الصوفية الواضحة.  

 

خالد الجندي هو النموذج المثالي " لفكرة اختلاط الدين بالسياسة بالفن بالثروة في النخبة المصرية"... بل هو النمودج لعالم الإسلام المجتمعي أو إسلام ما بعد التنظيمات. هو"داعية الأثرياء" بامتياز، حيث يعتقد "أن التأثير في أبناء النخبة هو أقصر طريق لتغيير المجتمع".

 

أما الحبيب علي (المداوم على الفنادق خمس نجوم)، فهو داعية خطابه صوفي "يقف في منطقة وسطى بين الوظيفي والمقدس".. فهو يمارس دوره الوظيفي كداعية في أوساط النخبة... ويقدم نفسه كواحد من أحفاد الرسول (ص) "حيث يتبارى جمهوره في تقبيل يديه ولمس ثيابه". وهو فضلا عن ذلك، اختار "أن يمارس الدعوة بين صفوف المسلمين المغتربين في أوروبا، وبين أبناء الأسر الحاكمة في الخليج العربي". 

 

والحبيب علي من أكثر الدعاة الجدد اتصالا بالسياسة بمعناها المباشر، حيث هو سليل عائلة سياسية كبيرة بجنوب اليمن. هو من عائلة ثرية ذات أصول إقطاعية ونفوذ سياسي كبير...جمهوره هو نخبة النخبة، وأيضا كبار السن من الأثرياء "الذين تعبوا من سباق الحياة وصراعاتها، وبدوا في حاجة لوقفة تأمل صوفية ولجرعة من الزهد الفاخر الذي لا يقود إلى خسارة حقيقية في مجال الأعمال".  

 

 لذلك كان هؤلاء الأثرياء يجتمعون في جلسات صوفية بفنادق راقية على عكس الطرق الصوفية التقليدية المعروفة بالزهد. هو عكس شباب عمرو خالد، لأنه يمنح فقط "النفوس راحة من الصراع اليومي استعدادا لمواصلة المعركة". 

 

ليس ثمة شك أن كل الدعاة الجدد كانوا يلتزمون بقاعدة البعد عن السياسة والأمور العامة..."فقط يركزون على فكرة الإيمان والخلاص الفردي وعلاقة الفرد بنفسه وبالآخرين"... وعلى الرغم من ذلك، فقد طلب من الحبيب علي مثلا الرحيل عن القاهرة، دون ذكر السبب في ذلك... لربما يكون السبب، يزعم الكاتب، متأت من توغله في الصوفية، أو بسبب من تاريخ عائلته المعارض لنظام الحكم اليمني...  

 

+ بالفصل الثاني ("الجيل الثالث")، يتحدث الكاتب عن هذا الجيل ليس بالمعنى الدلالي للكلمة (كل عشر سنوات) ولكن على مستوى طبيعة الخطاب ومجاله... ولعل رمز هذا الجيل هو الشيخ خالد عبد الله، خريج كلية الهندسة بجامعة القاهرة.

 

هذا الجيل يعمل في إطار الصالون الإسلامي، حيث يجتمع الداعية بجمهوره خارج نطاق المؤسسات الدينية التقليدية بسبب مضايقة الأمن (يقال إن الأجهزة الأمنية هي التي شجعت الدعاة الجدد لمواجهة مد الإسلام الراديكالي) أو للتطرق لقضايا تصعب إثارتها بالمساجد أو بالتجمعات العامة.

 

وهو جيل يحمل جل مواصفات الأجيال السابقة باستثناء لجوئه للصالونات الخاصة والضيقة.

 

+ بالفصل الثالث (" داعيات ضد التهميش") يعترف الكاتب بأن الداعيات السيدات لم تعرف طريقهن نحو الشهرة الإعلامية المتأتية من الانتشار الجماهيري العابر للحدود عبر الفضائيات (كما هو شأن الرجال)... ولا عبر الكاسيط أو الفيديو...على الرغم من اعتمادهن لنفس  مواصفات الدعاة الذكور، إذ هن آتيات من خارج المؤسسة ولسن طالبات أزهر أو أساتذة بجامعته. ونجد ضمنهن سعاد صالح وآمنة نصير وعبلة الكحلاوي... وهن يعتبرن أنفسهن صرخة ضد التهميش، وضد المرأة كزينة بالمنزل وبحثا عن "عالم خاص بهن تحت العباءة الإسلامية".

 

هن أيضا يبتعدن عن السياسة بالشكل والمضمون، ولا يتغيأن القطيعة مع المؤسسات الاجتماعية، بل يعمدن للتكيف معها ويدفعن بجهة استيعابها وإصلاحها... وهن أيضا مؤمنات بفكرة عمرو خالد التي مفادها "أن القدس لن تتحرر إلا عندما يصبح عدد من يصلون الفجر في المسجد مساويا لعدد من يصلون الجمعة... وعندما يجاهد المسلمون خطاياهم الشخصية"... بدلا من "الانخراط في أنشطة جماعية هدفها التعبير عن الغضب أو إعلان قوة الجماهير المسلمة أو التظاهر".  

 

 بالتالي، فالجهاد هنا بمعناه الأممي ليس فرض عين، أي شيئا لا بد من تنفيذه على كل مسلم في حالة احتلال العدو لبلاد المسلمين، بل هو أمر اختياري. قد يكون في هذا القول مهادنة للسلطة يقول الكاتب، لكن الثابت أيضا أن " كلا من الدعاة، والجماهير التي تقبل عليهم، ينتمون إلى شرائح ونخب اجتماعية مستفيدة اقتصاديا من الوضع الحالي، وهي جزء منه. ومن ثمة، فإنه لا مصلحة لها في تغييره، ولا الصدام معه".     

 

بالتالي، فهذا "النمط في الدعوة حريص على المد في عمر النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي القائم، عبر إضفاء مسحة دينية وأخلاقية على ما هو موجود بالفعل".   

 

+ بالفصل الرابع ("الإعجازيون، الطب البديل والدعوة البديلة") يتحدث الكاتب عن الدعوة الجديدة التي تربط "بين أدوات وملامح الحداثة في إطارها الخارجي، وبين أدوات ونتائج العولمة على المستوى الاتصالي والمعرفي"، مع النهل من التراث ووضعه بإطار حديث دونما إبداء لفكرة الاجتهاد. من هنا، فكرة العلاج بالحجامة مثلا كنوع من أنواع الطب الإسلامي وكسنة نبوية وكعلاج مقدس.

 

من هنا أيضا فكرة "الغذاء النبوي" و"الريجيم الإسلامي" على عكس الريجيم الغربي... ناهيك عن جانب الإعجاز لدى الذين يرون في كل آية قرآنية نظرية علمية اكتشفت أو لم تكتشف بعد.

 

ولعل الداعية الأكثر شهرة في مجال الإعجاز العلمي في القرآن هو الدكتور زغلول النجار الذي يقدم نفسه كعالم جيولوجي مهووس بالحنين إلى الماضي والدافع بسؤال: لماذا يتفوق علينا الغرب؟ ليكون جوابه دائما: بالعلم والاكتشافات...

 

ولما كان الأمر كذلك، فإنه يبحث عن السر في تخلفنا مع العلم بأن ما بلغه العلم بالغرب موجود بالقرآن بدءا من كروية الأرض إلى سر اكتشاف المصباح الكهربائي، ناهيك عن أسرار الجيولوجيا وهكذا.

 

+ بالخاتمة، يلاحظ الكاتب أنه على الرغم من بعض التباينات الشكلية فيما بين الأجيال المتتالية للدعاة الجدد، فإن المثير فيهم حقا كظاهرة إنما قابليتهم على التكيف وقدرتهم على تطوير الخطاب. وهو ما بدأوا يعمدونه مؤخرا بجهة الدفع بالإصلاح "في مجاراة مهمة ومطلوبة لخطاب وأحاديث الإصلاح في المنطقة العربية"، فيما بدأت "حركتهم" تأخذ شكلا مؤسسيا يعمل بتوافق واقتصاديات السوق، ودعاوى الإصلاح الديموقراطي التي تتزايد بقوة بالمنطقة العربية.  

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 28 شتنبر 2006