"تهويد المعرفة"

 

 

ممدوح عدوان, دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع, دمشق, 2007, 98 ص.

 

 

1- بمدخل هذا الكتيب الهام, يبين ممدوح عدوان، بالعديد من الأدلة والحجج، بأن مساعي اليهود لطمس الحقائق، وتزويرها, وتحريفها, واختلاق العديد منها، هو "ديدن أولئك القوم, الذين يظنون أنفسهم أنهم شعب الله المختار، ويعتقدون أنهم حين يقومون بالمذابح ضد الشعوب الأخرى, إنما يفعلون ذلك ليبقى شعب ذو قدرات عليا، مقابل أن يفنى شعب من طينة أدنى".‏

 

إن ممدوح عدوان بهذا الكتاب, إنما يريد أن يشرح كيفية وطرق تغلغل الفكر الصهيوني في الفكر الغربي, الذي "يمت لليهودية بصلة من خلال المسيحية, التي يسعى اليهود لتزييف حقائقها، وربما إلى تقويضها بالكامل... ومن تجليات هذه المساعي, اجتهادهم في استصدار فتوى بتبرئة اليهود من دم المسيح, من البابا نفسه, وصار من ينكر ذلك يصنف فورا أنه معاد للسامية".

 

لقد سرق المسيح من حقيقته, يقول الكاتب, فهو يهودي, لا تستند عبقريته إلا إلى يهوديته, على اعتبار أن كل عبقري عندهم يمت لليهودية بصلة، بل هو "ليس بعبقري إلا لأنه يهودي, أو منحدر من أب أو أم يهودية".‏

 

ويعرض اليهود موسى والمسيح على أنهما يهوديان، "أما محمد فينحدر من نسل إبراهيم اليهودي، وحتى بوذا يعد تنويعة على قصة موسى، والبوذية كالمسيحية أخذت الجانب الوعظي من التوراة".‏

 

ويستشهد الكاتب بداية, بما قاله إسرائيل شاحاك, حينما أعلن بأن "كافة الدراسات الحديثة عن اليهودية, والتي يقوم بها اليهود بشكل خاص، حتى يومنا هذا, تحمل العلامات التي لا تخطئها العين والدالة على أصولها: الخداع والتبرير والمجادلة العدائية واللامبالاة, وأحيانا العداء المكشوف لأي تقص عن الحقيقة".‏

 

إن الغرض من إغراق الموسوعات العالمية بالمعلومات الموجهة والمغلوطة من لدن اليهود, إنما هدفه خدمة الغاية اليهودية, التي هي "غسل التاريخ اليهودي من كل شائنة. فأي حدث قام به اليهود غير محمود, تتم إعادة النظر فيه، إما لنفي دور اليهود فيه، وإما لتبرير ذلك الدور. ويواكب هذا سرقة العبقريات. فكل عبقرية في التاريخ يتم اختراع نسب يهودي لها".‏

 

وتتمثل أيضا في احتكار المآسي, إذ "مآسي الشعوب الأخرى تطمس أو تنكر أو تبرر، أما المآسي اليهودية بدءا من التيه في الصحراء، ومرورا بالسبي البابلي، وانتهاء بالهولوكوست الألماني، فتضخم وتخلد وتحمل البشرية مسؤوليتها عنها".

 

ولهذا فإن إمكانية الاحتجاج على ما يكتبه اليهود، وحتى في النطاق الأكاديمي، مصادر سلفا برأي الكاتب، وهو متهم عند المعارضة بأنه ثمرة عداء مزمن للسامية, يستاهل التشنيع والإدانة والمتابعة.‏

 

فيرى أنه "ما أن يطلق يهودي ما, في موقع علمي أو أكاديمي رأيا مرتجلا، ولكنه مقصود وذو هدف، حتى يتلقاه آخر ويردده على أنه رأي علمي منقول عن عالم. ثم تشتغل الماكينة الإعلامية, لتعميم القول ونشره بين الطلاب والمتعلمين غير المتخصصين، فيتحول إلى مسلمة، وبعدها يسارع أصحاب الشأن للنفي وإثبات العكس إذا استطاعوا، أو إذا خطر لهم أن يفعلوا.

 

ويتساءل الكاتب هنا: "كيف لهم أن يلاحقوا المعلومة التي تحولت إلى ركيزة معرفية في ميادين متنوعة، دينية وتاريخية وأكاديمية وإعلامية".

 

من هنا, فإن اليهود مثلا, "يتجاهلون بالكامل المجزرة التي ارتكبها اليهود بحق المسيحيين في القدس في العام 614 م، والتي راح ضحيتها ما بين 30 ألفا و 90 ألفا. وإذا أشير إليها عرضا، فدور اليهود فيها مغفل تماما".

 

ويربط الكاتب بين ما فعله اليهود، وبين ما فعله الأوروبيون في أمريكا, من إبادة للهنود الحمر فيقول هؤلاء: "إن ذلك كان شأنا لا يمكن تجنبه". أما إذا ارتكب آخرون مجازر بحق اليهود، "فهذا فعل شنيع، وينبغي أن يبقى حيا في أذهان الناس إلى الأبد".‏

 

2- إن اليهود, يتابع الكاتب, "لا يهمهم التدقيق في التواريخ, لمعرفة من سبق من (بوذا أم موسى). هم يطلقون الرأي وليس عليهم الإثبات، بل على الآخرين أن يثبتوا العكس. وهذا هو ديدن الأكاديميين اليهود في الغرب. ومن هذا القبيل ادعاء اليهود أنهم بناة الأهرامات في مصر... ومن مزاعم اليهود أن مستثمرين يهودا مولوا كريستوف كولومبس, في رحلته لاكتشاف أمريكا. ويصل الكذب إلى حد القول إن أحد أبوي كولومبس, ينحدر من أصل يهودي. ومن ادعاءاتهم الكاذبة، أن طاغور يهودي أيضا، والمعروف أن دولة إسرائيل أرادت منح الجنسية الإسرائيلية لكل من شارلي شابلن وآينشتاين، بوصفهما يهوديين، ولكنهما رفضا".

 

ومن جهودهم المناقضة للتاريخ والحقيقة, يؤكد المؤلف, "طمسهم لمجازر الأقوام الأخرى، كي لا تستأثر بالضمير العالمي، كمجزرة الأرمن في الحرب العالمية الأولى، ومأساة الزنوج الذين هجروا قسرا إلى أوروبا، فمات منهم الملايين, واستعبد منهم الملايين. فهم يرون أن هذه المأساة لها أسباب اقتصادية، ولذلك ليست هي أكبر المآسي, ويهمسون: على كل حال الزنوج أفارقة ووثنيون وهمج!".

 

أما بجهة الحملة على المسيحية، فقد استفاد اليهود منها كثيرا، فقالوا "إن المسيحية ليست دينا سماويا، بل فرع خارجي منبثق من اليهودية. وفلسطين التي ظهر فيها المسيح, هي فلسطين اليهود. والمسيح إنما هو يهودي متطرف, خرج عن المسلمات اليهودية", حيث يزعم أن مريم تزوجت بعد يسوع, وأنجبت أبناء هم إخوة يسوع. وهؤلاء لم يتبعوا ديانته. "وحتى أخوه يعقوب، وبسبب ثقافته اليهودية، صار مرجعا للمسيح في تقديم الحلول التي يواجهها المجتمع اليهودي. وانتصار تيار بولس الرسول, على تيار يعقوب أخو المسيح, هو مأساة ينبغي إعادة النظر فيها، وإبراز دور يعقوب وإعادة الاعتبار له".

 

لقد استمرت الهجمة بقوة على المسيحية، بل وامتدت إلى إسرائيل، حيث "صدر تشريع عن الكنيست الإسرائيلي, يمنع قراءة أو حيازة النصوص المسيحية، ومن يفعل ذلك مهدد بالسجن عاما كاملا. ومن يطبع أو يوزع أو يستورد مطبوعات, تشجع على اعتناق المسيحية, يعاقب بالحبس".‏ لا بل وذهبت لحد اتهام البابا بولس الثاني باللا سامية، وبتسهيله وقوع المجزرة الهتلرية, بتوقيعه اتفاقية مع ألمانيا النازية.‏ لدرجة بات استخدام مصطلح السامية والساميين يجعل العقل الأوروبي والعالمي، يحيل على اليهود حتما, واعتبار تهمة معاداة السامية لا تعني سوى معاداة اليهود.

 

3- إن صراعنا مع اليهود, يقول الكاتب, قد اتخذ شكل صراع دموي في الظاهر على الأرض والحقوق، لكن جانبا منه "يتمثل بالصراع على امتلاك عقل العالم. فاليهود يصنعون عقل العالم المعاصر، بطرائق لا علمية, تعتمد التزييف والتزوير والتضليل. وما علينا إلا أن ننتبه إلى ذلك، وأن ننبه عليه، ولكن بجهود تتسم بالتركيز والإخلاص والاحتشاد، لأننا أمام عدو يملك قدرات شريرة هائلة، وقد آن لنا أن نعد لها العدة المناسبة".‏

 

بهذه الجزئية, يلاحظ المؤلف أن الانحياز الغربي عموما، والأميركي خصوصا، إلى الجانب الإسرائيلي، ليس نتيجة التقاء مصالح فقط، إنما هو نتيجة حتمية أيضا لتهويد المعرفة, التي دأب اليهود في العمل عليها طوال ثلاثة قرون مضت, "فتمكنوا من تكوين عقل غربي على مقاسهم ومقاس رؤيتهم ومطامعهم".

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 22 أكتوبر 2009