"إفريقيا والعولمة"

 

د. علي الأمين المزروعي، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، 2002، 84 ص.

 

ولد الدكتور علي الأمين المزروعي بكينيا في العام 1933 ويشغل حاليا منصب أستاذ العلوم الإنسانية بمركز " ألبرت شويتز" ومدير معهد الثقافة العالمية بجامعة بنغهامتون وأستاذا لمادة الدراسات الإفريقية بجامعة كورنيل ومركز ابن خلدون للدراسات الإسلامية والعلوم الاجتماعية بفرجينيا.

 

للمؤلف ما يربو على العشرين كتابا معظمها مخصص لإفريقيا، لنزاعاتها الداخلية، لعلاقات بعضها البعض (ومع الخارج) ولنخبها السياسية والثقافية: "القيم السياسية وطبقة المثقفين في إفريقيا"، "اللغة وأنظمة الحكم في التجربة الإفريقية"، " نحو اتحاد عالمي للثقافات من منظور إفريقي"، " نحو السلام في إفريقيا" وغيرها.

 

وهو، فضلا عن ذلك، رئيس رابطة الدراسات الإفريقية بالولايات المتحدة الأمريكية ونائب رئيس المؤتمر العالمي للدراسات الإفريقية ونائب رئيس الجمعية الإفريقية الملكية في لندن.

 

لا يتعلق الأمر إذن بشخصية غريبة عن إفريقيا، فهو إبنها مولدا ونشأة واهتماما حتى وإن غدا، فيما بعد، محاضرا بغير جامعاتها وبعيدا فيما يبدو عن قضاياها ومشاكلها المباشرة.

 

لا يعتبر كتاب "إفريقيا والعولمة" بحثا أكاديميا خالصا يستشف بالمعطيات والبيانات الميدانية ما قد تجنيه إفريقيا من مد العولمة أو ما قد تخسره من جراء تقدم المد إياه. وهو ليس دراسة علمية بالمقاييس المعتمدة والمتداولة، بل هو عبارة عن تأملات ورؤى مختلفة صاغها المؤلف على خلفية من ملاحظاته ومتابعاته وتجربته في إطار محاضرتين ألقاهما بين ظهراني المركز العالمي لأبحاث ودراسات الكتاب الأخضر بطرابلس الغرب بداية هذا القرن:

 

+ بالمحاضرة الأولى عن " إفريقيا في عصر العولمة: أرباح وخسائر"، يقر الكاتب منذ البدء بأن "هذه الظاهرة التي تسمى العولمة لها جمهورها من الرابحين ومن الخاسرين. وفي المراحل الأولى للعولمة، كانت إفريقيا وما تزال ضمن فريق الخاسرين بالنظر إلى تهميش دورها على نحو متزايد. فهناك جامعات في الولايات المتحدة لديها من أجهزة الحاسوب ما يربو بكثير عما هو متوفر لدى أي بلد من البلدان الإفريقية يبلغ عدد سكانه عشرين مليون نسمة. هذا هو الفارق الكبير في مجال التقنية الرقمية. إن التمييز بين الفقراء والأغنياء يتطابق الآن ويتزامن مع من يملكون وسائل التقنية ومن لا يملكونها".

 

ولما كانت الظاهرة، وفق المؤلف، قديمة (حتى بجدة المصطلح)، فإن ثمة أربع قوى " كانت دائما تمثل المحرك الرئيسي لعملية العولمة عبر الزمن وهي ... الدين والتكنولوجيا والاقتصاد  والسيطرة بمعنى سلطة الإمبراطورية. هذه العوامل الأربعة لا تؤدي عملها بمعزل عن غيرها من العوامل، بل إنها في أحوال كثيرة تدعم بعضها البعض" يقول المؤلف.

 

بالتالي، فإذا كانت العولمة غالبا ما تقترن بثورة من نوع ما (اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو غيرها) كما حدث مع الثورة الصناعية الأولى والثانية، فإن الذي يميز العولمة الحالية، حسب الكاتب، إنما تزاوج الثورة الصناعية مع ثورة المعلوماتية الجديدة أفادت منها الأمبراطورية الأمريكية أكثر من غيرها كونها غدت متحكمة في "محركات العولمة (الكبرى) أي التكنولوجيا والاقتصاد والسيطرة".

 

وعلى الرغم من الدعوات التي أطلقت بجهة وحدة الفضاء الإفريقي والتكامل " في مجالات الثقافة والبنية التحتية والاقتصاد والإرادة السياسية"، فإن منطق الهيمنة والتغريب حال دون ذلك سيما وأن النماذج المتبعة كانت غربية أي "إما نموذجا أوروبيا أو نموذجا أمريكيا" ليخلص إلى الاعتقاد أنه مادام الشمال لم يتعلم بعد كيف يكون منصفا، فإنه ليس أمام إفريقيا "سوى الاعتماد على نفسها في نضالها على المدى البعيد".

 

+ بالمحاضرة الثانية ("النزاعات وحل النزاعات في الألفية الجديدة")، يعتقد المؤلف أن موضوع الصراعات بإفريقيا هو موضوع سلسلة من "القضايا الجدلية. في بعض الأحيان تناقضات وفي أحيان أخرى مفارقات، حيث تجد حدود الهوية غارقة بين حدود الصراع في كثير من الأحيان"، ويزعم أن ثمة العديد من هذه المفارقات والتناقضات التي رهنت حاضر إفريقيا وقد يكون من شأنها استصدار مستقبلها:

 

°- فهناك "مفارقة الخلل العرقي"، إذ " منذ منتصف القرن العشرين مات من الناس في إفريقيا بسبب الصراعات بين السود والسود أكثر من ضحايا الصراعات بين السود والبيض. وفي اغلب الأحيان كانت الصراعات القبلية أكثر دموية من الصراعات العنصرية". ويرجع المؤلف ذلك ليس فقط إلى طبيعة ما (لدى الأفارقة) للتصارع والتناحر، ولكنه يحيلها على "الفوضى الاجتماعية التي خلفها الاستعمار في إفريقيا من خلال تدمير حدود الهوية والأساليب القديمة لحل النزاعات دون خلق بدائل لها تكون أكثر فاعلية".

 

°-  وهناك " مفارقة الحدود الحاسمة"، اي تلك الحدود التي خلفها الاستعمار بغرض "تطويق جماعات ليس لها تقاليد المشاركة في السلطة أو أنظمة مشتركة لتسوية النزاعات"، بالتالي ف"إن التمازجات البشرية بين تلك الجماعات لم تتح لها الفرصة الكافية لتصبح متجانسة".

 

°- وهناك المفارقة " بين الدين والعرقية"، إذ " في حين تعتبر اسوا الصراعات في إفريقيا العربية دينية (الجزائر ومصر)، نجد اسوأ الصراعات في إفريقيا السوداء عرقية أو ما يسمى قبلية".

 

°- وثمة تناقض " بين الهويات والموارد"، إذ في الوقت الذي يعود سبب التصادم بين السود والبيض حول الموارد في إفريقيا، يكون التصادم بين السود بعضهم البعض محكوما بأسباب الهوية: "الفرضية هنا تقول بأن الصراعات العرقية في إفريقيا تعتبر بالأساس اقتصادية، في حين تعتبر الحروب القبلية أساسا ثقافية. البيض يقاتلون ضد السود حول من يملك ماذا، في حين يتقاتل السود ضد بعضهم البعض حول من يكون من".

 

°- وثمة التناقض القائم بين "المجتمعات الثنائية والمتعددة العناصر" إذ غالبا ما تكون الأولى (كما هو الحال بإفريقيا) مكمن خطر على المجتمعات القائمة بها، في حين يكون بالإمكان مراقبة وضمان توازن الثانية. ويدلل على ذلك بالاقتتال الجماعي الذي تعرضت له بوروندي ورواندا في بداية تسعينات القرن الماضي.

 

هذا ناهيك عن مخاطر "الثنائية الإقليمية والعرقية" و " ثنائية الحروب الأهلية والحروب بين الدول" سيما بين تلك المتواجدة على " تخوم الحضارة"  كما هو حال نيجيريا مثلا حيث الدولة الفيديرالية علمانية في حين أن بعض المقاطعات تحكم بالشريعة الإسلامية).

 

ويبرز المؤلف أن حل الصراعات بإفريقيا لا يكمن فقط في خلق مؤسسات لذلك (من قبيل مجلس الأمن الإفريقي أو القوات القارية لحفظ السلام أو ما سواها)، ولكن اساسا في ضرورة التحول الديموقراطي لدولها مما يكون من شأنه الحؤول دون الانقلابات العسكرية والفوضى الاجتماعية (ذات الخلفيات المتعددة والمتشعبة) في أفق توليد "نظام إفريقي جديد".

 

وعلى هذا الأساس، فإن تعظيم ارباح إفريقيا من العولمة إنما متأت تحديدا من ضرورة تنظيم أوضاعها الداخلية والعمل على نزع  فتائل الحرب التي قد تذكيها هذه الجهة من الداخل كما من الخارج.

 

 وهو حلم يراود الأفارقة بكل اطيافهم وأعراقهم ودياناتهم، لكنه يبدو للمؤلف بعيدا بالقياس إلى مجريات العلاقات الدولية الحالية. بالتالي وجب، في رأيه، عدم المبالغة في الحلم حتى وإن كان هذا الأخير مصدر أمل ومنعش مشاريع. 

 

وإذا كان المؤلف يحذر من المبالغة في الأحلام، فإنه بالآن ذاته يؤمن بالمقولة السائدة: "حذار من أحلامكم... فإنها قد تتحقق".

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 30 مارس 2006