الباحث الإعلامي يحيى اليحياوي لجريدة "الأحداث المغربية":

  التلفزة لا تنفتح إلا على الذين يخدمون التوافقات الكبرى

  

 

إذا كانت العولمة ظاهرة اقتصادية  يستأثر فيها الشمال بصناعة القرار وتتلاشى معها سلطة الدولة الوطنية وتوجه خطابها إلى الإنسان العالمي، فما هي إذن علافة العولمة بالإعلام ؟ وما هو الحل بالنسبة للمشهد الإعلامي المغربي الذي مازال يسير وفق استراتيجية قديمة؟ ولماذا لم تسع الحكومة الحالية إلى تخليص التلفزة من واقع التبعية الذي تعيش عليه؟...ومتى يمكن الحديث عن فضاء سمعي-بصري بالمغرب وما الذي أضافته الخوصصة في صناعة هذا الفضاء؟

أسئلة  وأخرى يجيبنا عنها الأستاذ يحيى اليحياوي خلال الحوار التالي...

 

  س :  يحتمل اصطلاح العولمة العديد من التأويلات والمقاربات،  لكن عندما نربط العولمة بالإعلام فإن الأمر يستدعي تحديد العلاقة بين الطرفين. لقد أصبحت عولمة التكنولوجيا والمعرفة حقيقة ملموسة وثورة التكنولوجيا سمحت بالتداول الهائل للمعلومة، كيف يمكن ضبط هذه العلاقة في نظركم ؟

  

يحيى اليحياوي :  بدأت كلمة العولمة داخل النظام العام ليتداولها فيما بعد المختصون بما في ذلك الباحثون الأكاديميون وبعض رجال السياسة وغيرهم وذلك قبل أن تستقر مضامين هذه الكلمة كمفهوم.  ومن نتائج سقوط المصطلح في الفضاء العام هو أنه أصبح أحد أدوات التوظيف السياسي أو السياسوي. فظاهرة العولمة اليوم بالمغرب مثلا يمكن توظيفها لتبرير سياسة ما أو لتجنيد الناس من أجل قرار معين. وانتهاج سياسة اقتصادية تقشفية مثلا يمكن تبريرها بكوننا ضحية من ضحايا العولمة.

العولمة حسب هذا المنطق هي التي تدفع بتبني التوازنات. إن العولمة من هذا المنظور بالنسبة للسياسيين هي انفتاح الأسواق وفتح الحدود وما إلى ذلك.

أعتقد بأن العولمة ليست مفهوما وإنما ظاهرة اقتصادية خالصة من حيث خلفياتها ومن حيث أبعادها ومضامينها. وربطها بالسياسة أو الثقافة أو الهوية مثلا هو مجرد إسقاطات ليس إلا، أي إسقاط ظاهرة ما على مجالات أخرى.  بل إن الظاهرة تزداد غموضا، الشيء الذي يحول دون مقاربتها بشكل دقيق.

العولمة ظاهرة اقتصادية، وما ينتج عنها من تجليات وتمظهرات إنما ينتج عن إسقاطات الظاهرة على أشياء أخرى. وبما أنها، أي العولمة، ظاهرة اقتصادية فلا يمكن في سياق تطور الرأسمالية أن نفصلها عن ظاهرتي التدويل وتعدد الجنسية، أي تواجد شركات دولية تربط بين مجموعة من الدول اقتصاديا كتتويج لارتباطات سياسية بين نفس الدول. هذا بالنسبة لظاهرة التدويل وهي سابقة عن ظاهرة العولمة. أما فيما يهم ظاهرة تعدد الجنسيات فيعني وجود مجموعة من الشركات توسع نشاطها قدر المستطاع لتمس العديد من شعوب ومناطق العالم. وهنا لا يكون لسلطة الدولة الوطنية أو سلطة الدولة القطرية أي تأثير على قرار انتشار هذه الشركات والتي يكون لها رقم معاملات في بعض الأحيان أكبر من الدخل الوطني الخام لدولة متقدمة فبالأحرى دولة متخلفة، فكيف إذن ستتحكم  الدولة المركزية في انتشار هذه الشركات؟

العولمة إذن تبقى هي تلك العملية التي يتم من خلالها إنتاج وتوزيع واستهلاك مجموعة من السلع والخدمات على نطاق عالمي ووفق مقاييس عالمية.

فعندما تتم صناعة آلة الراديو مثلا فإن العملية لا تتم وفق مقاييس المستهلك الوطني بل تتم صناعتها وفق معايير عالمية. ومن هنا يأتي اصطلاح الإنسان العالمي. ومع ظاهرة العولمة نلامس أن اتخاذ القرار الاستراتيجي بالنسبة لهذه الشركات لا يعود بأي حال من الأحوال لسلطة الدولة المركزية. من هنا نقول بتآكل البعد الوطني لهذه الشركات.

إذا ما عدنا إلى علاقة العولمة( كظاهرة طبعا) بالإعلام، فلا بد من استحضار الثورة التكنولوجية التي عاشها قطاع الإعلام والاتصال منذ حوالي عقدين أو أكثر.

 ما حدث هو أنه منذ الثمانينات سجلنا تسارعا ملحوظا في وتيرة التطور التكنولوجي في جميع الميادين خاصة في مجال الإعلام الذي كان في قلب هذه التطورات التكنولوجية. لكن الملاحظ أنه أيضا لم يعد اليوم من الممكن الفصل بين الإعلام والاتصال. فالقمر الصناعي يمرر الصورة التلفزية، والمبادلات الخاصة بالاتصالات هي اليوم عبارة عن برامج معلوماتية، والتلفزة في حد ذاتها أصبحت تشتغل من خلال مجموعة من تقنيات الضغط كالتلفزة الرقمية وغيرهاا. الإعلام لم يعد ذلك الإطار الضيق، اليوم أصبحنا نتحدث عن النشر الإلكتروني وعن التلفزة متعددة الأقطاب وعن الانترنيت الذي يجمع الصوت والصورة والمعطى...

والعولمة ،بما هي في آخر المطاف، تكسير للحدود وتكسير لسلطة الدولة الوطنية وتكسير للقوانين وللتشريعات قد وفرت البنية التحتية التي تمكن الإعلام من تغطية عدة مناطق من العالم.

لقد فتحت العولمة السوق للإعلام وهذا الأخير فتح بدوره الطريق للعولمة . كيف ذلك؟ الإعلام هو الذي يروج للخطاب وللمنتجات وللسلع التي تنتجها" شركات العولمة".إذن هناك علاقة جذرية بين عولمة الإعلام وعولمة الاقتصاد.

 

 

س :  أظن أن عولمة الإعلام لم تحل دون إبقاء صناعة القرار، في هذا المجال، محتكرة من لدن نفس الجهات.  إذ يمكن لما أسميته "بالمواطن-الإنسان" في إفريقيا أن يستهلك نفس المنتج الإعلامي كما هو الحال في أوروبا ولكن هذا لا يعني أنه يشارك في صناعة القرار...؟

 

 

يحيى اليحياوي :  هذا السؤال يحيلنا مباشرة إلى أن الإنتاج والتوزيع وربما النشر يظل أحادي الجانب كما كان الأمر من ذي قبل. أي أن نقل الصورة والمعلومة يأتي من الشمال بل إن الأخبار التي تؤخذ من العالم الثالث، تتم إعادة صناعتها في الشمال لتعود إلى موطنها كسلعة قابلة للاستهلاك. هذه الأحادية نلمسها أيضا على مستوى الانترنيت أي أحادية إنتاج الخبر وترويجه.

إننا نعيش أيضا تحولا في طبيعة السلطة نفسها. فالسلطة الوطنية لم تعد وحدها صاحبة القرار السياسي لأن هذا الأخير أصبح تابعا للقرار الاقتصادي خاصة في بعده التكنولوجي. فعندما يحل وزير فرنسي بالمغرب لمناقشة خوصصة الاتصالات مع الحكومة المغربية فإن ذلك يفتح الباب للشركات الفرنسية للاستثمار في هذا المجال.

 هناك تحول تدريجي في طبيعة السلطة من السياسي إلى الاقتصادي، بل إن الاقتصادي بدأ يرهن السياسي في إطار "الفكر النيوليبيرالي" أي الفكر المناهض للدولة كمستثمر وكمشغل...

إن سلطة القرار في مجال الإعلام  يملكها ما يسمى ب"الأغنياء معلوماتيا" أي الأشخاص الذين لهم قدرة معرفة تمثلات الأفراد في مختلف بقاع العالم. شاهدنا ذلك مع حرب الخليج حيث تمت التغطية وفق مقولات البنتاغون والبيت الأبيض الأمريكي وشاهدنا ذلك في أكثر من مكان.

في الجانب الآخر نجد الفقراء معلوماتيا، وهم أولئك الذين لا ينتجون المعلومة ولا يعيرونها كبير اهتمام ويجهلون أن إنتاج وتوزيع المعلومة أصبح في الوقت الحالي محددا من محددات التنمية بكل أبعادها.

 

 

س :  إذا ما انتقلنا إلى المشهد الإعلامي بالمغرب نلامس اختراق التكنولوجيا الإعلامية الكونية لهذا المجال مما أعطانا "ثقافة الفضائيات" في وقت ما زال النقاش يدور حول ما إذا كنا نتوفر فعلا على حقل إعلامي مستقل وله فاعلوه...

 

 

يحيى اليحياوي :  أظن أن مسألة الوثيرة التي يسير عليها تطور التكنولوجيا هي أسرع من الوثيرة التي تسير عليها القضايا الأخرى . وهو أمر غير مقتصر على المغرب إذ نلاحظ أن التكنولوجيا تتطور بسرعة فائقة تبدو معها درجات التطور السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي غير ملائمة. هناك انفصام في وتيرة التطور بين المستوى التكنولوجي والإعلامي الخالص، والجانب البنيوي الذي يهم السياسة والثقافة وتمثل الظواهر داخل المجتمع. بالنسبة لحالة المغرب فإن السؤال هو: هل لدينا فضاء سمعيا-بصريا قبل أن نتحدث عن الفضاء الإعلامي عموما؟

إن الفضاء يتحدد أولا بسعته وبوجود فاعلين داخله أي فاعلين متعددين.

  

س :  ألا يشترط وجود هذا الفضاء أيضا عنصر الاستقلالية ؟

  

يحيى اليحياوي :  هذا إذا ما ربطنا الفضاء الذي نحن بصدد الحديث عنه بمجالات أخرى، وأنا أستعمله هنا كفضاء جيوثقافي. طبعا الاستقلالية مسألة مطروحة لكن المجال الذي يثيرنا هنا أي السمعي- البصري لم يسبق له أن كان مؤسسة قائمة بذاتها بقدر ما كان ولا يزال جزءا من "المؤسسة"، وهو جزء من جهاز وليس جهازا في حد ذاته، أي جزء من اشتغال المؤسسة المخزنية ولم يستطع أن يقطع حبال الترابط مع المخزن. فمنذ أربعين سنة لم يستطع القديم أن يتوفى ولا الجديد أن يبزغ. وهذا ما أسميته في كتابي "محنة التلفزة بالمغرب" وهذا هو حال التلفزة عندنا اليوم. وهذا هو معنى الانتقال غير المفهوم والمغلوط المتداول سياسيا حول الانتقال الديموقراطي. فالانتقال يستوجب المخاض العسير نتيجة واقع قديم يتآكل وواقع جديد يولد. أنا ألاحظ العكس أي أن القديم هو الذي يتكرس ويتعمق في حين أن الجديد لا أثر يذكر له ولنا أن نتأمل فقط المشهد السمعي- البصري لنتأكد من ذلك.

 

 س :  بإثارتنا لمسألة السمعي-البصري في المغرب وتحديدا القناة الأولى، هل المشكل الذي نستحضره هنا هو مشكل التقنية فقط أم أن الأمر يرتبط بغياب الاستراتيجية البديلة لاستراتيجية قديمة اعتمدت، منذ تأسيس دار البريهي، الفكر الوحيد؟

  

يحيى اليحياوي :  إلى حد الآن هناك مجرد النية على مستوى السلطات العليا لتخليص السمعي-البصري من واقعة وفصله عن الجهاز الذي يرتبط به منذ عقود. أي جعله جهازا قائما بذاته يعمل داخل فضاء محدد بأخلاقيات وقوانين محددة دون أي تدخل. هذا ما يزال بعيد المنال.

  

س :  ألم يضف ربط الاتصال بالثقافة على المستوى الوزاري أي جديد ؟

  

يحيى اليحياوي :  ربما أن الربط تم شكليا وإجرائيا عكس ما هو عليه الحال في فرنسا مثلا. نفس الشيء فيما يتعلق بربط المالية والسياحة. فالربط لا يعني أن التلفزة ستدافع عن الثقافة والحقل الثقافي. أولا ليس هناك أي منتج ثقافي حتى تعكسه التلفزة.  لقد أصبحنا بلد الشعر والرواية بامتياز والمجتمع الذي ينتج الشعر والرواية بكثافة أكثر مما ينتج المعرفة والتكنولوجيا ليس بالمجتمع الحي. وقد قال نجيب محفوظ مند مدة إن المستقبل للعلم والتكنولوجيا مع أن الأدب لن يموت. فالخوف هو أن نتحول إلى مجتمع عكاظ في حين أن علماءنا يهاجرون إلى دول أخرى لأننا مجتمع لا ينتج المعرفة. وما دمنا غير قادرين على إنتاجها فسنبقى متخلفين.

 

 س :  من الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الحالية أنها توظف السمعي-البصري أيضا للتعريف بالخطاب الواحد رغم أن ظرفية الانتقال نحو الديموقراطية تستدعي عكس الاختلاف على هذا المستوى أيضا...

  

يحيى اليحياوي :  منذ أسبوعين قلت في أحد الاستجوابات إنه لا وجود لعهد جديد لأن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى لم تتغير. وما دام الأمر كذلك فلا مجال للقول بالانتقال من عهد إلى عهد.

وما ينطبق على مختلف القطاعات ينطبق على المشهد السمعي-البصري وعلى التلفزة بالخصوص. فأعضاء الحكومة الحالية كانوا ينددون بهيمنة الفكر الواحد وبهيمنة الداخلية على التلفزيون. لم نلاحظ منذ ثلاث سنوات أية خلخلة للبنية المخزنية التي خلفها إدريس البصري. وهناك مثالين على ذلك...فبعد نشر رسالة الفقيه البصري وحتى يداع قرار الوزير الأول جاء صحفي من الوزارة الأولى واقتحم "بلاطو" الأخبار ليقرأ تصريح الوزير الأول فيما يخص منع بعض الإصدارات الصحفية.

 وهذا غير مقبول مهنيا ولا يستساغ فرضه على المشاهد وكأن المواطنين مفروض عليهم الاستماع إلى تصريح يهم مسألة حزبية خالصة...إنه منطق الحزب الواحد.

 هذا من جهة، من جهة أخرى نلامس أن وزير الثقافة والاتصال يظهر على الشاشة أكثر مما كان عليه سابقوه. فالمساري لم يكن وجها متداولا بكثرة على الشاشة. هناك إنزال لنفس الوجوه، لنفس الخطاب والتصور وحتى المشرفين على البرامج لم يتم اختيارهم وفق كفاءتهم بل لارتباطهم بطريقة أو بأخرى بهذا التصور الذي تتبناه الحكومة.

إننا نكاد ننسى بأن التلفزيون هو جهاز للأمة ويجب أن يعبر عن واقع الشعب المغربي المتردي. ولا يجب أن تستقطبه أية جهة كيفما كانت. ويجب أن يشرف عليه مهنيون (طبعا هناك خطوط حمراء) وفق استراتيجية محددة المعالم وأخلاقيات المهنة هي التي تتحكم في إدارة هذا الجهاز لا القرارات الفوقية الصادرة من شخص أو من مؤسسة. وما دام أن المنطق الذي ساد هو الذي يسود في الفضاء السمعي-البصري وما دام "طريشة" هو المدير العام للإذاعة والتلفزة وما دامت نفس الوظيفة التي كان يقوم بها التلفزيون هي السائدة، حيث إقصاء الفكر الآخر، فإن مصير التلفزة لا ينبئ بالخير.

  

س :  أثار توقيف برنامج "صباح سعيد" العديد من الانتقادات. كما أثار قرار منع بعض الصحف موجة من الاحتجاج.  وهنا نطرح سؤال...هل مازال إعلامنا يسير وفق منطق التعليمات ؟

  

يحيى اليحياوي :  إن القول بأن الوزير الأول لا يقدم تصريحات أو استجوابات للصحافة المغربية ويخص بها الصحافة الأجنبية واقع لا يختلف حوله اثنان. بل إن المسؤولين والقائمين على الشأن العام يفضلون الحديث مع الصحافة الأجنبية لا الوطنية. هذا من جهة، من جانب آخر، ماذا يعني إجبار الصحفي على الاعتذار للوزير الأول؟

إنها عقلية لها وصفها كما هو الحال فيما يخص رسالة الفقيه البصري ونعث الصحف بالتآمر. التآمر مع من وضد من؟

إنها مرحلة تاريخية عصيبة طبعت بالتجاذب والشد بين مجموعة من القوى وأي حادثة وقعت في هذه المرحلة-المخاض تفهم في هذا السياق. وكنت أتمنى أن يوضح الوزير الأول، كرئيس لحزب سياسي، هذه المسألة وفق هذا المنطق. كأن يقول مثلا  بأن الأمر لم يكن يتعلق بقلب النظام بقدر ما كان يرتبط بقلب الوضع الذي أدى إلى الفساد... ويفتح الباب نحو المستقبل لا أن يتعامل مع الأمر بمنطق الضجة والمؤامرة والمقدسات...

 هذا عبث.أما فيما يخص البرامج التي جاءت بها القناة الثانية فالأمر يرتبط أكثر باستبدال وجوه بأخرى. فوفق أي تصور تمت صياغة هذه البرامج؟ وما هي الملابسات التي عين فيها المديران؟ ووفق أية شروط جاءت القناة الثانية؟

في غياب هذه المعطيات ومع بث برامج تافهة أو متوسطة المستوى لا أستغرب الأمر. أقول إنه ربما عندما حددت الشروط وقواعد اللعبة كان التفاهم ربما أيضا حول هذه الرداءة. فإذا فهمنا ظروف وشروط وملابسات تعيين المديرين سنفهم الباقي.

  

س :  لماذا في نظركم لم تتخذ حكومة التناوب التوافقي قرارا فيما يخص استمرار "طريشة" على رأس إدارة الإذاعة والتلفزة ولطالما نددت أحزاب المعارضة السابقة بذلك ؟

  

يحيى اليحياوي :   لأن الوضع الحالي الذي يوجد فيه طريشة على رأس الإذاعة والتلفزة هو وضع مريح بالنسبة لحكومة التناوب. فما دامت الحكومة والوزير الأول يمكن لهما أن يمررا أي شيء عبر الجهاز فلا إشكال والضحية هو المشاهد المغربي. وما دام هذا الجهاز يخدم مؤسسة الوزير الأول والحكومة ووفق التوافقات السائدة فلماذا تغيير طريشة؟ الملاحظ هو أن الخطاب الذي كان سائدا خلال السبعينات والثمانينات حول الهاجس الأمني لم يعد رائجا رغم أن الهاجس الأمني ما زال حاضرا وبقوة أكبر.

أظن أن نفس الخطاب الذي كان منذ عشر سنوات أو أكثر حول التلفزة ما زال قائما، أين هو الانفتاح؟ فهناك أسماء لا يمكن أن تطل علينا في القناة الأولى إذ هذه الأخيرة لا تنفتح إلا على الذين يخدمون بطريقة أو بأخرى التوافقات القائمة. لا عجب إذن أن تكون لدى طريشة وآخرين في الداخلية قدرة على التكيف مع أية وضعية إذ هو من أولئك الذين ركبوا قارب المرحلة كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الأشخاص.

  

س :  هل يمكن اعتبار خوصصة المجال السمعي- البصري بديلا عن غياب  الاستراتيجية الواضحة ، ونستحضر بهذا الخصوص تجربة القناة الثانية التي وصلت إلى الباب المغلق ؟

  

يحيى اليحياوي :  ولدت القناة الثانية كقناة خاصة ثم اشتراها القطاع العام بالمال العام. وتجربتها فريدة من نوعها إذ يتعلق الأمر بمؤسسة تمتلكها مؤسسة كبرى وصلت إلى الإفلاس. لماذا أفلست؟ لا نعلم. كيف أفلست؟ لا نعلم أيضا.

لكن بأي منطق تفلس مؤسسة خاصة وتشتريها الدولة لتخلق لها التوازنات المالية من المال العام، مال المواطنين وتقول إنه عندما ستقف "دوزيم" على رجليها ستتم خوصصتها من جديد. أي منطق هذا ؟ هذه القناة التي يؤدي عنها المواطن لا تتحدث لغته ولا يشعر بأنها منه. أظن أنها غير موجهة للمغاربة... ربما لشريحة من المغاربة المبهورين باللغة الفرنسية وبفرنسا وبثقافتها.

وما حدث للصحافة المكتوبة لا يبشر بالخيرأيضا لأنه إذا كان هناك انتقال نحو الديموقراطية فإن حرية الصحافة خاصة المكتوب منها هي جزء من هذا الانتقال. والواقع أريد للانتقال الديموقراطي أن يكون فوقيا ونخبو يا.

 لقد سبق وتحدثنا عن رسالة الفقيه البصري التي نشرتها إحدى الأسبوعيات والتي يفصح عن مرحلة غامضة من تاريخ المغرب. كان على الحكومة أن تلج الباب الصحيح أي القضاء لا أن توقف الأسبوعيات بقرار بناء على الفصل 77 من قانون الصحافة. أظن أنه بقدر ما يجب فتح تاريخ المغرب وتوضيح الغموض الذي طال عدة جوانب منه، بقدر ما سنلامس حقيقة هذا التاريخ ونقف عند الذين كانوا أوفياء والذين لم يكونوا كذلك وإلا أصبحنا شعبا بدون ذاكرة وبدون تاريخ موثق ومعروف.

 إن الديموقراطية تحتمل التعدد والاختلاف لا المنع والرفض. لم يعد هناك اليوم مكان للمنع ورفض الاختلاف. فسجن الذي يختلف معك هو أهون من منعه من التعبير عن رأيه. فلا مستقبل لشعب بدون ذاكرة ولا مستقبل بدون قبول مبدأ الاختلاف والتعدد.

 

  س :  تحدثنا قبل قليل عن استقلالية الفضاء الإعلامي. ما ذا يمكن أن تضيفه المجالس أو الهيئات الخاصة لهذه الاستقلالية مثلا "المجلس الأعلى للإعلام" ؟

  

يحيى اليحياوي :  ما المقصود من هذا المجلس؟ إذا كان المقصود هو التقنين، فنحن نتوفر على وزارة. أما إذا كان المقصود هو التنظيم فيجب أولا خلق فاعلين أساسيين داخل السوق حتى نتمكن من الحديث عن تنظيم فاعلين متعددين وحتى يتاح المجال لتنظيم المنافسة بينهم. إذن في غياب هذه البنية المتعددة ما فائدة وجود مجلس أعلى؟

فعوض خلق مجال التعدد والتنوع الذي يستدعي تنظيمه عبر مجالس ووكالات، فإن ما يقع هو خلق مؤسسات بيروقراطية تنظم شيئا لم يوجد بعد. فالوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات تقوم اليوم بتقنين العلاقات بين "اتصالات المغرب" و"ميديتيل"، ما هو دور وزارة المالية إذن؟ القناة الأولى مرهونة للمخزن والقناة الثانية لا هوية لها، فماذا ستنظم هذه المجالس ؟

الغريب هو أنه يتم نقل المؤسسات من فرنسا دون تقديم مبررات لذلك ودون حاجات مجتمعية تستدعي ذلك.

  

س :  على ذكر "اتصالات المغرب" يتعرض هذا القطاع للخوصصة. ما هي مبررات إخضاع قطاع عام حيوي لمنطق الخوصصة ؟

  

يحيى اليحياوي :   منذ أن صدر قانون 24-96 والذي مر في ظروف لا تشرف المؤسسة البرلمانية بالمغرب دأبت على القول بأن خوصصة قطاع الاتصالات بالمغرب خاضع لاعتبارات مالية محضة. والوقائع لم تكذب ذلك. فنسبة 35 بالمائة المخوصصة من رأسمال "اتصالات المغرب" (أكثر من 23 مليار درهم) ستمول الميزانية الحالية حتى يبقى مستوى العجز عما هو عليه. وأنت تعلمين أن العجز في حدود معينة أصبح "مقدسا"... هذا إذا ذهبت كلها إلى الميزانية. أنا أعتقد أن ما وقع هو بمثابة كارثة وطنية على الرغم من التهليل لمستوى الصفقة وقوة  ما يسمونه "بالشريك الاستراتيجي" وذلك لاعتبارين :

 

- أولا أن الأمر يرتبط بقطاع استراتيجي لم يستنفذ بعد وظائفه الكبرى من إعداد تراب وطني وبحث علمي وإيصال المواطنين بشبكة الاتصالات وتكوين لبنة تكنولوجية في ميدان سيحكم القرن الحادي والعشرين بمعظمه. هذا من جهة، من جهة أخرى فهو قطاع يكرس السيادة. والسيادة كما هو معروف للأمة وبالتالي وجبت استشارة الأمة في مآل هذا القطاع لأن ذلك يتعدى الدولة والحكومة. فالمغاربة هم الذين أقاموه ووسعوه فكيف لجهة أخرى أن تتصرف فيه دون مشورة أصحاب الحق الشرعيين؟

 

- ثانيا، هذه العملية أدخلت الاستعمار، نفس الاستعمار من النافذة بعدما كان قد خرج من الباب، وإلا فما كان الهدف من مقاومة الاستعمار وما الفائدة من احتفالات 11 يناير الأخيرة...الخ؟

ومما يزيد الأمر كارثية هو أن كل قطاعاتنا الاستراتيجية من ماء وكهرباء وعما قريب السكك الحديدية والخطوط الجوية...أصبحت في جزء منها ملكا للأجنبي وكأننا غير قادرين على تسيير أمورنا لدرجة تتطلب الوصاية كما كان الأمر سنة 1912. أضف إلى ذلك أن النقابات في جزء كبير منها متواطئة لأن مسيريها يجهلون حيوية القطاع وحتى وزير البريد الحالي كان مثيرا للشفقة في دفاعه عن العملية خلال برنامج "دردشة" بالقناة الثانية في 4 دجنبر 2000 كونه خلط الخوصصة بالتحرير والمالي بالاستراتيجي...الخ.

 

هناك ملاحظة أخيرة: القول بأن "الشريك الاستراتيجي" سيحسن طرق تسيير القطاع يدل على أمرين في اعتقادي: أن التسيير الذي ساد إلى حدود خوصصة 35 بالمائة هو تسيير فاشل بكل المقاييس على الرغم من التبذير غير المبرر للمال العام من خلال الحملة الإشهارية التي سئمها المغاربة. ويدل من جهة أخرى على أن أزمة قطاع الاتصالات بالمغرب هي أزمة تسيير وليست بأي حال من الأحوال أزمة ملكية الدولة له.

 

حاورته :  لطيفة بوسعدن 

جريدة الأحداث المغربية، العدد 734، 22 يناير 2001