انتفاضة آيت باعمران

 

بيوم السبت الماضي, الموافق للسابع من يونيو من العام 2008, نفذت قوات الأمن بالمغرب, وفي الصباح الباكر, تدخلا "عنيفا" بغرض فك الاعتصام من حول ميناء سيدي إفني, هناك, بإحدى مدن ما يعرف بقبائل آيت باعمران, بعدما حاصره مجموعة من الشباب العاطل عن العمل لأكثر من أسبوع من الزمن, مجمدة بذلك كل أنشطة الميناء, دخولا إليه وخروجا منه, بشرا وسلعا ووسائل نقل.

 

لم تكن السلطات الأمنية لتعدم الوسائل لفك الاعتصام, فقد رتبت من أجل تنفيذه العدة والعتاد بدقة, وضربت طوقا مشددا حول المدينة برمتها وحول ضواحيها, واستنفرت قوى التدخل السريع, ومنعت وسائل الإعلام بكل روافدها من بلوغ عين المكان, حتى إذا حانت ساعة الصفر, انطلقت "المبارزة" بعنف قل نظيره, ليخرج للناس بالإعلام وبالبلاغات الرسمية, إلا ما أرادت السلطة تمريره صوتا وصورة, أو إخراجه للتبرير تارة, وللترهيب تارات عديدة أخرى.

 

إن الأنباء القادمة من مناطق ومداشر آيت باعمران (وضمنها مدينة سيدي إفني, ذات التاريخ المقاوم المشرف), متضاربة للغاية بشأن ما إذا كان ثمة قتلى محتملين, لكنها متقاطعة بجملتها حول حقيقة الفظاعات التي طاولت الشباب المحاصر للميناء, كما سكان المدينة, كما المداشر والقرى المجاورة وما سواها. الكل طاوله التنكيل بالأجساد ضربا, والاستهانة بالأعراض والكرامة, والتعرض والاستباحة للممتلكات بالسلب والنهب, والاقتحام للمنازل, والمطاردة لمن فر إلى الغابات والجبال, بمشهد يوحي, على الأقل وفق ما تدوول من صور, بوجود مخطط تغيأ تحييد "المشاغبين", وتمريغ كرامة أهاليهم وساكنتهم بالتراب, وتعميم الذكرى لمن يجرأ بالقادم من أيام, على امتطاء كذا سلوك وممارسة بوجه الدولة.

 

لم يكن لشباب آيت باعمران المحاصر لميناء سيدي إفني, مطالب سياسية تستوجب الاستنفار ضدهم ومحاصرتهم, ولا كانت لهم مطالب نقابية تعجيزية لا يمكن إدراكها, ولا رفعوا, فضلا عن هذا وذاك, شعارات انفصالية عن بلد, دافع أباؤهم وأجدادهم من أجل استقلاله ووحدته لعشرات السنين, ولم يغنموا مقابل ذلك إلا التنكر ثم التهميش والإفقار.

 

إن مطالبهم عفوية (في ترهل النقابات وارتشاء الأحزاب), وفي الكثير من جوانبها بسيطة للغاية: المطالبة بمجرد الحق في الشغل, المحيل على الحق في كسرة الخبز, ومن ثمة على الحق في الحياة كباقي مخلوقات الله تعالى. هل ثمة أكثر بساطة من أن يطالب المرء بفتات ما يخرج من ميناء, تعرف ساكنة المدينة والمنطقة, أحجام صادراته للداخل والخارج, لكنها لا تدري لماذا لم تفد من ذلك, ولا نية قائمة لأن تفيد منه بالمستقبل؟ هل ثمة أكثر بساطة وإحباطا من أن يعاين هؤلاء يوميا, خيرات مينائهم تشحن لفائدة الأجنبي والغريب, وأبناء الوطن الجشعين؟

هل ثمة أكثر عفوية من أن يحاصر شباب عاطل, محبط, غير مؤطر, متذمر حتى النخاع, تتساوى من بين ظهرانيه حسابات الربح والخسارة, حتى لو كان ثمن ذلك روحه, هل ثمة أكثر عفوية من أن يرفع لواء المطالبة بنصيب مما يدخل الميناء وما يخرج منه؟

 

لا يبدو لنا أن بالأمر ما يستدعي حقا وحقيقة, إعمال القوة والعنف, والضرب المبرح, والتهديد بالاغتصاب (ولربما الاغتصاب الحقيقي), والجرجرة أمام قضاة في التحقيق ظالمين, والزج بالمواطنين بالمخافر, ومطاردة الشباب بالغابات والجبال, ومن بين الأزقة وأسطح المنازل, ولكأننا بإزاء حرب أزقة وشوارع بامتياز.

 

وعلى الرغم من جلالة الخطب وفظاعة النازلة, على الشباب المعتصم, كما على المدينة المحاصرة, كما على صورة المغرب داخليا وبالخارج, فإن السلطات بالمنطقة وبالمركز أيضا, هنا بالعاصمة, تجاهلت الواقعة جملة وتفصيلا, واعتبرتها حادثا عرضيا تم "التجاوز عليه", لتعود المدينة إلى "طمأنينتها وسكينتها المعهودتين".

 

إن قول الوزير الأول بأنه ليس ثمة من أحداث بعاصمة آيت باعمران (وإرجاع الأمر إلى مجرد "تعبير عن مطالب"), وتصريحات وزير في الاتصال له متغطرس, بأن الأمور مسيطر عليها, والناس عادت بالمجمل إلى نشاطها, وتقارير قناتي "القطب العمومي" المنفصمة قلبا وقالبا, عن مجريات ما وقع, واكتفاءها بعرض صور متقادمة للميناء والمدينة دونما تقريبنا مما جرى, كل ذلك إنما يشي قطعا بأن الدولة لم تختر التعتيم فحسب, ولا اقتصرت على إخفاء الحقائق, بل باتت ولكأنها بحل مما يعتمل داخل مجتمع, المفروض أن تحميه وتدافع عنه, وتقربه مما يجري بإحدى ربوعه, هناك في تخوم الصحراء بالجنوب.

 

وعلى هذا الأساس, فإن الخشونة المبالغ فيها, والتجاوزات الخطيرة التي سلكتها السلطات الأمنية, في التعامل مع المعتصمين وأهاليهم, وساكنة المدينة أجمعين, إنما تسير في سياق سياسة إعادة الترويض بالقوة, لمواطنين خيل لهم (ولنا أيضا) ذات يوم من أيام العام 1998 (المزامن لوفاة الحسن الثاني) بأن زمن الانتهاكات الكبرى قد ولى, وأن عهدا جديدا قد بزغ, وأن الماضي لن يكون بالقطع شبيها بالحاضر والمستقبل, أو مرادفا له بالشكل أو المضمون.

 

ليس صحيحا بالمرة أن زمن الانتهاكات الخطيرة قد ولى, إنه أخذ لنفسه لبوسا جديدا ليس إلا. إنه يتخفى خلف الستار مؤقتا لإعطاء الانطباع بالانفراج, لكنه سرعان ما يكشر عن أنيابه الكاسرة, ويضرب بالحديد والنار كل من يمسس بتوازنات باتت هي الأصل, فيما ما سواها لا يخرج عن نطاق الاستثناء, المفروض استهدافه واستئصاله, وقطع الطريق من أمامه ومن خلفه.

 

صحيح أنه من "حق" الدولة التدخل لرفع الحصار, بحالة سيدي إفني, عن ميناء حيوي, (يعتبر رئة المنطقة ومتنفسها الأكبر) تروج من بين ظهرانيه استثمارات ضخمة, ومرتبطا بعقود مع عملاء بالداخل والخارج. وصحيح أن الدولة بالمغرب كما بغيره, قد تروم فك الحصار عن مرفق حساس, حتى وإن تطلب الأمر إعمال القوة, أو بعض منها حسب الظروف والملابسات.

 

لكنه ليس صحيحا بالمرة, ولا مسوغا من الناحية الأخلاقية الصرفة, أن تعمد ذات الدولة إلى الرفع من منسوب الخشونة والعنف, إلى درجات تهدد أرواح المواطنين, تهين كرامتهم, تدمر المنازل من على رؤوسهم, تستبيح أملاكهم وأعراضهم, تطارد شبابهم بالجبال والكهوف, تفرض الحصار وتعلن الطوارئ, وتتباهى ب"الانتصار على عدو" بمعركة شبه افتراضية, غير متكافئة الأطراف, بل مختلة الموازين حقا, بين من يملك العتاد والدخيرة الحية, وبين من لا يملك إلا صوته وصدره كأداة للمجابهة.

 

من أية فصيلة هذه الدولة, التي تدعي استعادة هيبتها بتقتيل ومطاردة أبناء لها جائعين, عاطلين, محبطين؟ أية هيبة لدولة لا تستطيع ضمان كسرة خبز لمواطنين لها مظلومين, وعندما يتظلمون, يضربون ويهانون, ويزج بهم في السجون والمعتقلات, لا بل وتهتك أعراض بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم؟

 

لنتحدث بالمباشر الحي: إن انتفاضة عاصمة آيت باعمران (وقمعها بالقوة المبالغ فيها) لا تؤشر فقط عن حالة اليأس والإحباط, التي تطاول ولطالما طاولت شباب مدينة وساكنتها, جراء سياسات في التفقير والتهميش طال أمدها ومداها, ولا تؤشر فقط على فشل طبيعة التنمية التي اعتمدتها "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" المروج لها من مدة, بل تؤشر قطعا وبالتأكيد على تزايد الهوة بين الدولة ونخب الريع المتمترسة حولها (وضمنها جنرالات قوى الأمن), وبين ملايين البشر تتهاوى من أمامهم ومن خلفهم, وعود وآمال وآفاق مستقبل. إنها حلقة من حلقات انتفاضة المغرب غير النافع, التي يعاد إنتاجها منذ أكثر من خمسة عقود...وبكل ربوع المغرب.

 

لكم ولنا الله, يا أهل آيت باعمران.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 9 يونيو 2008