الباحث المغربي يحيى اليحياوي لجريدة الخليج الإماراتية:
الغرب لا يجتهد في فهم القيم العربية/الإسلامية
استطاع الباحث المغربي يحيى اليحياوي، منذ المنتصف الثاني من التسعينات، أن ينسج حضوره الخاص والمتميز داخل المشهد الثقافي المغربي. وهو حضور يحتفظ بعلامتين رئيسيتين. تكمن أولاهما في نوع الطروحات التي تقدمها أعماله في إطار مقاربتها العميقة لأسئلة العولمة ارتباطا بامتداداتها الثقافية والفكرية. وتتجلى العلامة الثانية في التراكم النوعي الذي استطاع أن يحققه الباحث الشاب يحيى اليحياوي خلال مدة وجيزة، حيث نشر عشرات المقالات وأحد عشر كتابا باللغتين العربية والفرنسية. من بين إصداراته "الاتصالات في محك التحولات" الحائز على جائزة المغرب للكتاب سنة 1996، و "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال" (1997)، و "العولمة الموعودة" (1999)، و "العولمة: أية عولمة؟" (1999)، و "العولمة ومجتمع الإعلام" (2001)، و "الإنترنيت ومجتمع الإعلام: مدخل إلى شبكات المعرفة" (2001)، بالإضافة إلى كتابه الأخير " في العولمة والتكنولوجيا والثقافة: مدخل إلى تكنولوجيا المعرفة" الصادر في شهر يناير الفارط، ضمن منشورات دار الطليعة ببيروت.
يحيى اليحياوي خريج المدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس، يحاضر بكلية الآداب وبمدرسة علوم الإعلام بالرباط، كما أنه خبير لدى المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.
هنا حوار معه حول الامتدادات الثقافية للتحديات الثقافية التي يفرضها سياق التحولات الكبرى التي يعرفها العالم.
حاوره: حسن الوزاني، الرباط
الخليج: تقترح العديد من الأدبيات مجموعة من المفاهيم التي تسعى إلى تمثل التحولات التي يعرفها السياق الكوني الجديد، كمفهوم "الحرب الحضارية" ومفهوم "ما بعد الاستعمار". كيف تتمثل امتدادات هذه المفاهيم داخل السياق الراهن، سياق ما بعد أحداث 11 شتنبر؟ هل يمكن الحديث عن حرب حضارية جديدة؟
يحيى اليحياوي: لا اعتقد أن هناك سياقا كونيا جديدا، إذ كلمة سياق تفترض تعددية في الفعل وتوحدا نسبيا في الرؤى.
الحاصل منذ مدة، أعني منذ بداية تسعينات القرن الماضي، أن هناك إعمالا لتصور واحد موحد إذا لم يكن للعالم برمته فعلى الأقل بجهة مناطق العالم ذات الأبعاد الجيوستراتيجية أو لتلك التي لا " تنصهر" في المنظومة القائمة أعني المنظومة المهيمنة.
لست متأكدا تماما من كون تاريخ 11 شتنبر هو حقا تاريخ مفصلي، لكني متأكد من أن ما كان يتم من قبل لنفس الأهداف تحت مسوغات ملتوية أصبح منذ هذا التاريخ يتم وفق مسوغ صريح مسوغ "الحرب على الإرهاب".
هذا المسوغ أعطى للغرب، والولايات المتحدة بالدرجة الأولى، الفرصة " لشرعنة" ممارساتها ضد الدول والشعوب دونما حاجة للرجوع إلى الأمم المتحدة أو ما تبقى منها و دونما اللجوء إلى "موافقة" الدول الأعضاء.
اليوم، أصبحت الولايات المتحدة غير مجبرة على تبرير ممارساتها ما دامت جلها مبنية على خلفية من "ضرورات استئصال الإرهاب" أو هكذا يمرر لذلك الخطاب.
هل ما يجري يدخل في سياق الحروب الحضارية؟ من دون شك، إذ الحاصل منذ 11 شتنبر أن العرب والمسلمين هم المستهدفون حتى دونما أن تتوفر دلائل الإدانة. والحاصل أيضا بالملاحظة ليس إلا أنه حيثما كان العرب والإسلام فثمة حروب مصطنعة أو النية لإشعالها. ثم هي بالتحديد حروب قيم، إذ تزايد الرفض للمنظومة الغربية من لدن المسلمين أصبح يقدم و إلى حد بعيد كونه عامل تهديد على " نمط العيش الأمريكي" والغربي بوجه عام.
بالتالي فأنا شخصيا لا أستسيغ الخطابات الرائجة منذ 11 شتنبر حول "حوار الحضارات" و "حوار الثقافات" وغيرها.
فالغرب لا يجتهد في فهم القيم العربية- الإسلامية ولا يتوانى في التنكيل بهذه القيم كلما طرأ طارئ يوفر له السبيل في ذلك.
ثم نحن أيضا بإزاء مرحلة "استعمارية جديدة" يتم في سياقها استغلال خيرات الدول والشعوب بقوة الترهيب، والأدهى من ذلك أن المرافق الحيوية بمعظم بلدان العالم (سيما العالم الثالث) أصبحت بيد الغرب بشتى وسائل الترغيب.
وأعتقد أن ما تمارسه الشركات العابرة للقارات هو دليل إضافي على هذا القول ناهيك عن أنظمة التنصت الألكترونية التي أصبحت تحسب على العالم أدق حركاته.
الخليج: اتسم تعامل الإعلام الغربي مع أحداث 11 شتنبر وامتداداتها بخضوعها لسلطة الصوت الواحد والمنمط. إلى أي حد استطاع الإعلام العربي، خصوصا مع ظهور الفضائيات الجديدة، تجاوز جانب من سلطة أحادية هذا الصوت؟
يحيى اليحياوي: الإعلام الغربي إعلام غير مستقل عن نموكلاتورا القرار السياسي...هو جزء من منظومة ويرى الأمور كما تراها هذه المنظومة، على الأقل منذ اندلاع حرب الخليج الثانية.
ثم الإعلام الغربي هو إعلام تتحكم فيه لوبيات مصالح كبرى يهودية بالأساس، جد قريبة من مراكز صنع القرار. بالتالي فهو يوجه حيثما أرادت له هذه المراكز أن يسير.
ولعل انبطاحه وارتهانه من لدن المؤسسة العسكرية أثناء حرب الخليج وخطابه منذ أحداث شتنبر يبين ذلك بوضوح كبير.
الإعلام العربي؟ لا يوجد إعلام عربي بالمعنى المنظومي للكلمة. هناك في أحسن الأحوال إعلام قطري سواء بث من الأرض أو عبر السواتل. وهذا الإعلام القطري خاضع لسلطة الحاكم...بالتالي فمن البديهي أن يهلل للقرارات والاختيارات التي يتخذها الحاكم. وقد رأينا كيف أن معظم القنوات الفضائية (الحكومية منها كما "الخاصة") هي ناطق رسمي باسم الحكام. وهذا جلي مثلا في خطاب هذه القنوات عن الإرهاب وتنديدها به ومطالبتها بفصل الإرهاب عن الإسلام وغير ذلك...هو خطاب الحكام ليس إلا.
من الوارد اعتبار قناة الجزيرة طفرة في الإعلام القطري سيما في تعرضها لمواضيع ظلت إلى حين عهد قريب محرمة، وبالقياس أيضا إلى جرأتها النسبية في التعامل مع ما ترتب عن 11 شتنبر. لكنها لا يمكن أن تختزل الإعلام العربي في ذاتها...أعني أنها تجربة لم تستطع أن تحرك المياه الإعلامية الراكدة من حولها.
الخليج: عرفت مناطق عديدة من العالم، مباشرة بعد أحداث 11 شتنبر أحداثا تعكس جانبا من العداء للعرب والمسلمين. كيف تحددون العلامات والمؤشرات الجديدة التي تطبع الآن تمثل الآخر (الغرب أساسا) للعربي ولثقافته؟
يحيى اليحياوي: قد يجوز تفهم موقف الجماهير في الغرب من أحداث 11 شتنبر. فهي مطوقة بأنظمة للتعتيم كبيرة وواسعة. والسبب في ذلك أن الحكومات الغربية حددت للوهلة الأولى المتهمين (وهم عرب ومسلمين لا غيرهم في تصورها)، وتبعتها الآلة الإعلامية في تصورها هذا بل عملت على تأجيجه إلى حدود قصوى.
بالتالي، كان المواطن في الغرب تحت ضغط رسمي وإعلامي ضخم جعله يصدق ما يقال ويتأجج عداؤه وتحامله على العرب والإسلام والمسلمين.
لو كان لي أن أحدد بعض مؤشرات تمثل الغرب للعربي ولثقافته لقلت بأنها نفس التمثلات التي كانت سائدة من ذي قبل: طغيان الحكام، غياب الديموقراطية، قهر المرأة، الإمعان في اللذات والنزوات، غلبة رد الفعل على الفعل...الخ.
وهي تمثلات ستتقوى دون شك ولا تجانب الصواب في بعضها، إذ محننا في الوطن العربي هي أولا وأخيرا مع حكامنا وفي جزء أيضا مع أنفسنا وذواتنا.
نفس الشيء فيما يخص تمثل الغرب للثقافة العربية- الإسلامية: فهو إما يرى فيها ثقافة عنف (أو تمجد العنف) أو يرى فيها عامل تطرف... وقد تحدثت لك في السؤال الأسبق عن نية الغرب (والولايات المتحدة بالأساس) في إعادة النظر في نظم التربية والتعليم ببعض الدول العربية والإسلامية بجهة "استئصال" جانب العنف والتطرف فيها.
بالتالي فأنا أتصور أن الثقافة العربية- الإسلامية ستكون على المحك وبقوة غير مسبوقة في جزء كبير من القرن الحادي والعشرين.
الخليج: هل تعتبر إذن أن الخطاب الثقافي العربي قد استطاع بالفعل إدراك أبعاد هذه التحديات؟
يحيى اليحياوي: هذا سؤال شاسع شساعة زاوية الرؤية المعتمدة.
الخطاب الثقافي العربي ليس خطابا موحدا ومتجانسا وموقفه من القضايا الكبرى (الديموقراطية، الغرب، التراث، الحداثة وغيرها) متباين ليس فقط في جانبه الأكاديمي الصرف ولكن أيضا في الجانب الممارساتي والعملي.
خذ مثلا إشكالية الدولة. نلاحظ أن خطاب الغرب حول الدولة/الأمة يعتبرها جزءا من الماضي ويبني ثقافيا لتجاوزها كما في أوروبا مثلا.
أوروبا على اختلاف قومياتها ولغاتها وتميز مناطقها وجهاتها...أصبحت ثقافيا قائمة بدليل أن الأوروبيين عندما يتحدثون عن الاستثناء الثقافي فهم لا يقصدون دولة بل فضاء ثقافيا.
ماذا نلاحظ بالعالم العربي؟ نلاحظ أن الخطاب الثقافي لا يزال يعتبر التصاقه بالدولة/الأمة عامل تميز وينادي بالإصلاح من داخلها، بل يشرعن لها فضلا عن ذلك.
وربما لهذا الاعتبار لم يع الخطاب العربي (على هذا المستوى بالأساس) التحديات التي بدأت تطرحها العولمة والتحولات التي تجرها تكنولوجيا الإعلام والاتصال وغيرها.
الخليج: ثمة وجه آخر للتعدد الذي تحدثت عنه وأقصد تعدد المكونات اللغوية والدينية والإثنية. إلى أي حد تفرض مواجهة التحديات الجديدة الحسم في تدبير تعدد المكونات تلك؟
يحيى اليحياوي: لو كان الحسم بمعنى الاعتراف بها وفتح المجال للفاعلين فيها وتقييم تراثها، فهذا أمر ضروري ولا مناص منه. أما إذا كان حسمها من أجل الحسم على خلفية من الإقصاء الذي قد يبلغ حد الإلغاء كما هو حال أكراد تركيا مثلا، فهذا أمر لا يستطيع المرء تبنيه لا في الشكل ولا في الجوهر.
من جهة أخرى، أعتقد أن من بين ما حملته العولمة وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال و "انتصار" الليبرالية هي كونها مكنت الهويات (على خلفية من اللغة أو الثقافة أو غيرها) من "الانفجار" ليس فقط بدول العالم الثالث التي "كسرت" الاختلافات تحت مسوغة بناء اللحمة الوطنية ولكن أيضا بالنسبة للدول ذات التقاليد الديموقراطية العريقة.
أنظر مثلا كيف أن الجهات بأوروبا هي التي تستقطب الاستثمار في تجاوز للدولة المركزية وكيف أن التبادلات الثقافية بدأت منذ مدة تتم بين المجموعات والجماعات عوض الاتكاء على الحكومات.
أتصور بناء على هذا الكلام أن انفجار الهويات من ثقافية ولغوية ودينية وغيرها هي في حد ذاتها تحديات يجب التأسيس على خلفية من وجودها بل من ضرورة وجودها.
أنا مع انبعاث الهويات بكل أشكالها، لكن على خلفية من الاعتراف والحق في الاختلاف لا بمسوغات إيديولوجية أو بإيعاز من جهات لست متأكدا من أن ممارساتها نزيهة أو صادقة.
الخليج: هل يعني ذلك ضرورة الفصل بين الثقافي والسياسي؟
يحيى اليحياوي: قد يبدو حقلا الثقافي والسياسي حقلان متنابذان ومتعارضان. فلكل منهما "منظومته" ومقاصده وأدوات اشتغاله وكذلك بالقياس إلى المدى الزمني الذي يتخذه كل منهما أفقا للاشتغال.
لكنهما مع ذلك متكاملان أو هكذا يجب أن يكون الأمر. فالسياسي لا يمكن أن يمارس إذا لم تكن لديه مرجعية ثقافية تحدد له الفلسفة والإطار. والمشتغل بالثقافة يبقى بمنأى عن الشأن العام إذا التزم "الحياد" السياسي.
اعتقد أنه سيكون لكليهما فضاء مشتركا لو كان المقصود التأسيس والبناء للمشروع المجتمعي، وسيكون تجاوب بينهما لو كانت الرؤية مشتركة والمقاصد محددة.
لكن أتصور أن مكمن الخطر هو عندما يرهن السياسي رجل الثقافة ويحوله إلى بوق للسياسة ومن ثمة للسلطة، فيصبح المثقف جزءا من السلطة لا سلطة رمزية له في الفضاء العام...وهذا مع الأسف هو الذي نراه قائما إلى حد بعيد حتى لو ادعى المثقفون أو بعضا منهم على الأقل عكس ذلك...إذ للسلطة أكثر من وسيلة استقطاب غالبا ما تكون سالكة.
الخليج: هل أنت إذن مع ممارسة المثقف للسياسة؟
يحيى اليحياوي: أنا مع أن يكون المثقف إلى جانب القضايا الكبرى لأمته، فهو ضميرها الحي والمؤرخ بالكلمة والصوت والصورة لعمقها الرمزي.
المفارقة هو عندما يحاول "المثقف/السياسي" أن يعود لمجاله الأصلي أي الثقافة فهو لا يصبح بعد ذلك إلا صانعا لنصوص رديئة.
جريدة الخليج، يومية، الشارقة، فبراير 2002