قراءة في كتاب "العولمة والتكنولوجيا والثقافة" ليحيى اليحياوي(3-3):
الاستهداف الثقافي الغربي يرمي لتصفية حسابات ضيقة مع حضارات حية
+++ العولمة ومسألة "الأمن الثقافي"
التساؤل حول الثقافة وضرورة "الأمن الثقافي" لا يعني المطالبة بخلق أجهزة رسمية وطنية أو فوق – وطنية لحماية الخصوصيات والهويات (خصوصيات وهويات شعوب العالم الثالث تحديدا)، بقدر ما يستبعد، حتى في حالة استحداث هذه الأجهزة، قدرتها على ضمان حماية هذه الثقافات من أخطار "الغزو الثقافي الخارجي".
مفارقة هامة يشير إليها الكاتب تستحق وقفة تأمل في هذا الصدد، وتكمن في كون الخطر لم يعد كامنا، مع وجود النخب العالمثالثية، في الغزو الثقافي، بقدر ما أصبح كامنا في اجتهاد هذه النخب من أجل ترسيخه وتعميقه، مع الأمل البعيد المدى في إمكانية مأسسته. ولم تعد سبل الحل تقتصر على الخطاب التحذيري، بقدر ما بدأت تتعداه لتسائل الممارسات، أي السياسات المتبعة، التي من الواجب أن تتصدى لما يمكن تسميته ب" الهجمة الحضارية" التي تتعرض لها "الثقافات المتدنية" وفي مقدمتها الثقافة العربية-الإسلامية.
لكن، في المقابل، وعلى الرغم من سلبيات ومحدوديات طرح المسألة الثقافية، في ظل العولمة والشمولية وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال، انطلاقا من مصطلح الأمن، فإن لهذا الطرح امتيازين منهجيين اثنين: يتمثل الأول في الإحساس بوجود "تشوش خارجي" قد يشكل خطرا على السير العادي والمتزن لمكونات النظام (النظام الثقافي فيما يخصنا) القائم. أما الامتياز الثاني فيتجلى في ضرورة التصدي لكل ما من شأنه أن يحول دون السير العادي للمؤسسات (الثقافية فيما يخصنا)، أو "يشوش" على طبيعتها، أو يؤثر على منطق تسييرها.
فمواجهة "الهجمة" القادمة من الخارج لا يمكن أن تمر عبر إغلاق الأبواب أمام العلم والمعرفة والتكنولوجيا، إذ أن "الانغلاق موقف سلبي غير فاعل، ذلك لأن فعله "الموجه" ضد الاختراق الثقافي، أي محاربته، لا ينال من الاختراق ولا يمسه ولا يفعل فيه، بل فعله موجه كله إلى الذات بقصد "تحصينها". والتحصين إنما يكون مفيدا عندما يكون المتحاربان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات. أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية تدخل جميع البيوت وتفعل فعلها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويفرضها أصحابها فرضا بتخطيط واستراتيجية، فإن الانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء قد تتخلله بطولات مدهشة ولكن صاحبه محكوم عليه بالإخفاق".
ومواجهة الظاهرة نفسها يجب أن تمر عبر مواجهة خطاب "النخب التابعة" المتبنية لأطروحة وجود حضارة عالمية واحدة وثقافة عالمية واحدة يستحيل العمل خارجها أو التفكير بغير منطقها، والمقصود أمران اثنان:
الأمر الأول يتعلق بالحماس الشديد يبديه الغرب للحيلولة دون انتشار القيم الثقافية للحضارة العربية – الإسلامية بالنظر إلى ما تمثله من خطر خارجي يهدد "العالم الحر"، أي الحضارة الغربية ونمط الحياة الأمريكي، مثلما كانت الشيوعية ذلك الخطر الأحمر الذي دأبت القوى الاقتصادية المهيمنة على المجتمع الأمريكي والموجهة لسياسات حكوماته على توظيفه لخدمة أغراضها.
الأمر الثاني يتلخص أساسا في أن الأقطاب الاقتصادية الكبرى لا تميز، في ظل العولمة والشمولية وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال، أثناء تكييفها للعقول تمهيدا لغزو الأسواق، بين حضارة وأخرى، أو بين ثقافة وأخرى. فما يهمها، في اعتقادنا، إنما هو توسيع الفضاء الاستهلاكي العالمي كشرط مسبق لرفع مستوى الإنتاجية والربحية وتسريع وتيرة "الدورة الرأسمالية".
+++ البعد العربي لإعلام النظام العالمي الجديد
يلح الكاتب على أن أهم مميزات "إعلام النظام العالمي الجديد" الأساسية خضوعه شبه المطلق للمؤسسة العسكرية وللسلطة التنفيذية، كما تم عمليا أثناء حرب الخليج، وبالتالي تراجعه كسلطة رابعة مستقلة، نزيهة وموضوعية. وميزة هذا الإعلام أيضا تهميشه وتشويهه "المعقلن"، بعد حرب الخليج، لمشاكل وقضايا دول العالم الثالث بصفة. فتعامل وسائل الإعلام والاتصال الغربي مع قضايا العالم الثالث عموما، وقضايا الوطن العربي بالخصوص، في ظل النظام العالمي الجديد، يثير تساءلنا على أكثر من مستوى.
+ المستوى الأول، ويتعلق بتغافلها الصارخ عن تطلعات دول العالم الثالث إلى علاقات اقتصادية وإعلامية دولية متوازنة ومنصفة، وهو ما لم تكف هذه الدول عن طرحه طيلة السبعينات والثمانينات في إطار حركة عدم الانحياز، وداخل منظمة اليونسكو بالأخص.
+ المستوى الثاني، ويرتبط بتوظيف الدول والشركات المتعددة الجنسيات لوسائل الإعلام والاتصال نظرا لما تتمتع به من تأثير في تكريس الأمر الواقع: واقع القطبية الوحدة والهيمنة الغربية، وما تتمتع به من قوة في تنميط ثقافات العالم الثالث كمرحلة أولى لتعميم نمط الاستهلاك الغربي على نطاق الكرة الأرضية.
+ المستوى الثالث، ويتجلى في ما يسميه المؤلف ب"التعاون الانتقائي" الذي تمارسه الدول الكبرى ووسائل إعلامها في تعاملها مع مشاكل وقضايا دول العالم الثالث.
والحقيقة، أن أطروحة "النظام العالمي الجديد" التي مأسست لها وتبناها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب)، ما كانت لتخلق علاقات دولية عادلة أو متوازنة بين دول الشمال ودول الجنوب. كما لم يكن في ترويجها قيمة كبرى بالنسبة للمواطن الأمريكي العادي الذي ربما لا يستطيع تعيين دول العالم على خريطة الجغرافيا. (ولم يطلب من الأطروحة، على أية حال، أن تكون كذلك. فما يهم الأمريكي المتوسط هو تكريس عقدة القوة التي تميزه، وإبراز مكامن التفوق التي تلازمه. وقد عبر جورج بوش (الأب) عن ذلك بامتياز في تأكيده على الدور المركزي الذي من الواجب أن تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في إطار النظام العالمي الجديد، بمعنى آخر، الأمريكي رجل الشارع المتشبع بمرحلة التخمة التي يعيشها، لا يهمه النظام العالمي الجديد كممارسة بقدر ما يهمه كشعار وكترويج، على عكس ما يهم الأمريكي رجل المؤسسة الحاكمة).
ما يصدق على شعار "النظام العالمي الجديد" يصدق على مشروع "أوتوسترادات" الإعلام والاتصال، حتى وإن طغت في الثاني خاصية الممارسة والتطبيق على الخطاب / الشعار، وهو الخطاب الذي لم يضمن لمروجه الأساسي الفوز بولاية رئاسة ثانية، ويقصد الكاتب بذلك الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، الذي مباشرة بعد تعيينه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، أعلن عن إيمانه بأن ما يمكن أن يحقق الرفاهية للأمريكيين (أحد شعارات حملته الانتخابية الأساسية، هو ضرورة التركيز على التكنولوجيا، وبالخصوص التكنولوجيا المتقدمة: "بالنسبة للرئيس الأمريكي، فإن المعلوماتية والاتصال الآني هما أقصر الطرق لإعادة الحياة إلى الاقتصاد الأمريكي المتأزم"، كما أشار إلى ذلك الراحل هربرت شيلر.
يفضح المؤلف خلفيات توظيف الإدارة الأمريكية لمشروع أوتوسترادات الإعلام والاتصال بفروعه الثلاثة: الوطني والإقليمي والدولي، وهو المشروع الذي انتشر بين الدول الكبرى بقوة شديدة ليس باعتباره ضربا من ضروب الخيال العلمي أو مفهوما للاستهلاك الدعائي المحض، ولكن أيضا بوصفه مشروعا يجر وراءه رهانات ضخمة وحقائق أضخم (مادامت المنافسة وموازين القوى أصبحت تقاس في القرن الحادي والعشرين بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما تروج له حتى نخب العالم الثالث كخطاب لا كممارسة للأسف). فقد وظفت الإدارة الأمريكية مفهوم أوتوسترادات الإعلام والاتصال لإبراز تأثيرها على تنافسية الشركات الأمريكية وخلق المزيد من مناصب الشغل الجديدة والاستعداد لصنع اقتصاد القرن الحادي والعشرين. وبقدر ما وظف هذا المفهوم الموحد في إبراز الرهانات الكبرى التي ستتبع البنية الوطنية للإعلام، بقدر ما وظف أيضا في اجتماع "مجموعة السبعة" لإبراز ما تطرحه البنية التحتية العالمية للإعلام من رهانات أكبر على المستوى الكوني.
يلاحظ مؤلف "العولمة الموعودة" على الترويج الأمريكي لهذا المفهوم أمران اثنان على الأقل:
الأمر الأول، ويرتبط بما يسميه ب"الانزلاق المفاهيمي" للخطاب الأمريكي. إذ انتقل هذا الخطاب من مفهوم "البنية التحتية العالمية للإعلام" إلى مفهوم "مجتمع الإعلام العالمي". وقد آثر نائب الرئيس الأمريكي السابق- عن قصد طبعا – استخدام المفهوم الثاني عوض الأول، نظرا لقوته الرمزية و"محتواه الإنساني".
الأمر الثاني، ويتعلق بالإطار الشكلي الذي تم في داخله الترويج ل"المشروع الكوني الجديد". فقد انحصر اللقاء ضمن مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى عوض توسيعه ليشمل دول المعمورة، وبالطبع، في ظل التنسيق الدولي المستمر بين الأقطاب الصناعية الكبرى من أجل تسريع صنع شبكات أوتوسترادات الإعلام والاتصال، لا تحظى دول العالم الثالث إلا بجملة مقتضبة من قبيل: "ضرورة الأخذ بعين الاعتبار دول العالم الثالث"، أو "يجب تقديم يد المساعدة للدول السائرة في طريق النمو"..الخ في مؤخرة التقارير أو التوصيات. كما أنه لا تخصص جمعيات الإلكترونية والمعلوماتية والاتصالات، وتقرير المفوض بانجمان بشأن المشروع الأوروبي لأوتوسترادات الإعلام والاتصال إلا جملة واحدة لدول العالم الثالث.
المؤسف، إن تهميش دول العالم الثالث لم يعد منحصرا في الممارسة فحسب، بل تضاعف أيضا بتهميش آخر على مستوى الخطاب. في تعليقه على أعمال قمة "مجموعة السبعة" حول مجتمع الإعلام، علق تامبو مبيكي، نائب رئيس جمهورية جنوب إفريقيا آنذاك، والرجل الوحيد من القارة الإفريقية الذي دعي لحضور القمة، قائلا: "الواقع أن هناك من الخطوط الهاتفية في مانهاتن (الحي المركزي في مدينة نيويورك)، ما يفوق العدد الموجود في كل إفريقيا جنوب الصحراء".
ثم هل توطنت تكنولوجيا الإعلام والاتصال في ثقافة العالم الثالث، والثقافة العربية جزء منها، لدرجة يصدق معها تعميم مصطلح "مجتمع الإعلام والاتصال"ط عليها؟ هل تم تأصيلها والتأصيل لها؟ وهل عاشت شعوب هذه الدول مرحلة "مجتمع الاستهلاك كي تنتقل إلى "مجتمع الإعلام" حيث للأوتوسترادات دور كبير في تكرسه؟ لا نعتقد أن واقع العالم الثالث، والوطن العربي كذلك، يمكنه من معايشة العصر. فالعصر لا "يعاش" بقرار ولا بالنزوات، وهذا ما يجب أن يفقهه جيدا صناع القرار الإعلامي في الوطن العربي بالذات، ولقد صدق الراحل هربرت شيلر عندما أشار إلى أن شبكة الإنترنت ما كان لها أن تخرج من رفوف إدارة الدفاع لولا ضغط المستهلكين وحاجة السوق. فهي لم تخرج بقرار، وإلا لكانت خرجت به، أي بقرار، قبل ذلك في الستينات.
والحديث عن أوتوسترادات الإعلام والاتصال في دول العالم الثالث – حتى لو سلمنا مع الكاتب بإمكانية فرضها – يتطلب، من بين ما يتطلب من شروط، توفير الضرورة لنشأتها وشيوعها: أرضية تحديد مفاهيم الحق في الإعلام والاتصال، الحق في التعبير الحر، والحق في تنقل الصحفيين.. الخ.
فأين دول العالم الثالث وضمنها الوطن العربي، من هذه الأرضية ومن هذه الحقوق؟ أين له منها في وقت تتشدد فيه الرقابة ويغتال فيه الرأي الحر وحتى المدافعون عنه، وتتكرس فيه قيم الميوعة الإعلامية وغيرها؟
المقصود مما سبق هو أن ربط العالم الثالث بإشكالية أوتوسترادات الإعلام والاتصال لا يختلف عن ربط الشيء بغريمه، أو حتى ربط المحروم بنقيضه. والنتيجة واحدة، باعتبار أن ما تقتنيه هذه الدول من تكنولوجيا عالية لبناء الأوتوسترادات لا يخدم في المقام الأول والأخير إلا النخبة لدرجة يصدق معها تسمية التكنولوجيا ب"تكنولوجيا الصفوة" أو "تكنولوجيا النخبة".
+++ على سبيل الختم
رؤية شبه قاتمة يختتم بها الكاتب مبحثه القيم حول "العولمة والتكنولوجيا والثقافة" عندما يؤكد على أن ما يجب تأسيسه، وعلى أن يتمشى ومنطق التاريخ، لا يمكن أن يتحقق إذا أغفلنا النظر عن مقدمات جوهرية ثلاث:
-لا مستقبل للعرب من الجزء الأول من القرن الحالي في غياب نظام عربي قيمه الديموقراطية والوحدة واحترام حقوق الإنسان.
-لا مستقبل للعرب في الجزء الثاني من القرن الحالي في غياب رؤية متكاملة وشاملة، وتأخذ بعين الاعتبار وتزكي معادلة العلم والتكنولوجيا والمعرفة.
-ولا مستقبل لنظام إعلامي عربي شامل، وبالتالي لا مستقبل لنظام عربي، في ظل الأوضاع السائدة حاليا.
جريدة أخبار العرب الإماراتية, يومية, أبو ظبي 14 دجنبر 2002 (قراءة منتصر حمادة, كاتب من المغرب)