"المثقف العربي والمتغيرات"
علي عقلة عرسان، منشورات
اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1995، 312 ص.
1- بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: "المثقف بالمفهوم
الشامل أو الواسع للثقافة، هو أكثر الناس صلة بالمعرفة، أو هكذا ينبغي أن يكون،
وحين يكون هذا هو شأنه فإنه يشعر بالحاجة إلى تواصل مزدوج الاتجاه:
ـ تواصل مع المعرفة يجعله في حالة حياة، أو إن شئت في حالة حركة مستمرة تؤدي به
إلى التجدد وتجديد الرغبة في التجدد.
ـ وتواصل مع الآخر لينقل إليه المعرفة، تحت تأثيرات ودوافع شتى وتحقيقا لأهداف
وقوانين تواصل عديدة".
كما
يفرض عليه، يتابع المؤلف،
"تواصله مع
المعرفة تكاليف معينة لا يفرضها على شخص سواه بالدرجة ذاتها وبالحساسية الخلقية ذاتها، ويرتب عليه من المسؤوليات
التي يفرضها الوعي ما لا يرتبه على سواه. فهناك إذن ذلك التمايز المكلف والمرهق والممتع في الوقت
ذاته، بين المثقف الواعي ذي المسؤولية الخلقية والموقف الإنساني والرؤية المبدعة في الحياة، وبين
المثقف الذي يستهلك المعطى المعرفي الإبداعي جزئيا، وينشره ويفسره ويسوغه، وقد
يتعيش منه ويرتزق عليه ويسيء إليه، وبين ذينك الصنفين في أنموذج المثقف من جهة،
وبين مستهلك الثقافة العام والمحتاج إليها والموجهة إليه أو المتوجهة إليه من جهة
أخرى".
إن هذا المناخ العام، بكل معطياته
ومقوماته، إنما يفرض، بنظر الكاتب، صراعا بين أطراف
تتواصل مع المعرفة / الثقافة / سلبيا أو إيجابيا، ويقودها ذلك الصراع إلى مناحٍ
للتحرك يزداد اتساعا أو ضيقا بمقدار انتشار المعرفة وتعدد مساراتها، وتدفقها هي في
تلك المسارات. وهو مناخ يستوجب ترتيب
البيت الثقافي العربي وتحديد الأسس والمعايير لذلك.
إن ثمة مسؤولية تاريخية
للمثقفين حيال ما يجري، يؤكد المؤلف,
"سواء أكان
المثقفون يملكون من أمرهم شيئا أم لا يملكون، وأقول بأهمية أن يكون للثقافة رؤية
واستقلالية وصوت وموقف، وأن تشكل حضورا فاعلا في ساحة القرار السياسي العربي،
لتدافع عن ثوابتها ورسالتها، وعن الجماهير، التي تزعم، أو يطيب لشرائح من نسيجها
أن تزعم، بأنها ضميرها وصوتها الحر. وأقول بإمكانية أن تبقى الثقافة العربية، كما
كانت بالأمس، الأرض المشتركة التي تستعصي على التقسيم بالنسبة للمثقفين العرب،
وبإمكانية أن تغدو هذه الأرض المكان الأصح والأنسب لاستنبات روح جديدة ومعطيات
ومقومات إيجابية، تمكن العرب من الوقوف بثبات فوق ركائز صلبة، ومن أن يستمدوا نسغا مغذيا من مصادر واحدة تساعدهم على
اكتشاف أن ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن ما يشكل الهوية والقيم
والعقيدة ومكنون اللغة وحملها، بالنسبة لهم، هو أهم بكثير من المصالح المادية
والمكاسب الدنيوية العابرة والخصومات والمنافرات".
إن الثقافة السليمة والمسؤولة، بنظر الكاتب، إنما يجب أن تقوم بتكثيف درجة الوعي
المعرفي وإنعاش القيمة الخلقية
والروحية والحس القومي والشعور الديني السليم، "ليشكل ذلك كله أرضية لتحرير الإنسان واحترام
حقوقه وحرياته، وتعزيز شعوره بالمساواة وممارسته لها، على أرض وطن لا يعلو فيه رأس
فوق القانون، ولا يتميز فيه فرد عن فرد إلا بمقدار ما يقدم للوطن من خدمة، وما
يضحي به ويصنعه ويقدمه من أجل الآخرين".
إن الدعوة إلى إعادة ترتيب
البيت الثقافي العربي، إنما يجب أن تتم من
وجهة نظر المؤلف، في ضوء "استخلاص لعبر ودروس من المتغيرات الدولية
المهمة في المجال السياسي ـ الثقافي، والإيديولوجي ـ التنظيمي، وفي ضوء المتغيرات
العربية التي نتجت أو يمكن أن تنتج عن المتغيرات الدولية أو بفضلها".
وإعادة
ترتيب البيت الثقافي العربي تستدعي أولا، برأيه، "وجود استعداد ذاتي على مستوى فردي، وعند
جماعات ذات توجه مشترك، لإجراء مراجعة صريحة بمسؤولية وشجاعة وموضوعية، ومن ثم
الدخول في حوار مع الآخر على أساس الاعتراف بحق الآخر في الوجود والاختلاف
والتعبير عن نفسه بحرية. والمراجعة المطلوبة ليست على الإطلاق مراجعة شكلانية، ولا
هي مفروضة، بمعنى أنها ناتجة عن انهيارات فكرية وسياسية، إيديولوجية وتنظيمية
واقتصادية، جرت في مكان وشلت قدرة أناس في مكان آخر، ولكنها مراجعة تمليها حركة
داخلية عميقة من التأمل والتحليل والتدقيق والاستخلاص، في ضوء ما تم، وليس تحت ثقل
ركام ما تم من انهيارات".
إن كل اختلاف ينشأ على أرضية صحيحة
وصادقة من الانتماء للشعب في تراب وطنه وتربته وثقافته، في معطاه الجغرافي
والتاريخي إنما "هو
اختلاف يبني ولا بد أن يقود المخلصين إلى اتفاق، والاختلاف الذي قد يكون هامشا
واسعا ينبغي ـ في تصوري ـ ألا يمنع على الإطلاق فئات المثقفين العرب، في هذه
الظروف بالذات، من أن يتناصروا وتتضافر جهودهم وتتحد جبهتهم خلف نقاط الالتقاء
التي تجمعهم، لأن تلك النقاط هي برنامج الحد الأدنى مما يمكن أن يعملوا عليه جميعا،
على أن يحمي كل منهم ظهر الآخر في الدفاع عنه ليوصلهم إلى :
ـ
إثبات حضور الجبهة الثقافية في الساحة الجماهيرية الحية، وعلى صعد السياسة
والثقافة والاجتماع، ولا سيما في أماكن صنع القرار.
ـ انتزاع استقلالية القرار الثقافي وهيبة الجبهة الثقافية، والتخلص من التبعية
الطويلة الأمد التي كانت من الثقافة للسياسة.
ـ
إيصال صوت المثقفين، وصوت الجماهير من خلال المثقفين، إلى الأماكن التي ينبغي أن
يصل إليها، وخلق تيار حضور يساعد على حماية مناخ العمل من أجل حقوق الإنسان العربي
وحرياته وممارساته الديمقراطية، في إطار الدساتير والقوانين في الوطن العربي.
ـ إقامة المؤسسات والحفاظ على استقلاليتها، وتمكينها من القيام بدور إيجابي من أجل
تكوين وعي معرفي متجدد، وتشكيل جبهة رأي لا تسحقها الطغيانية السياسية التي لا تجد
من يقول لها : هنا حد الحاكم وهنا حد المواطن، هنا حق المسؤول وهنا واجبه.
ـ
اتساع دائرة وفعالية الجبهة الثقافية عربيا، وامتلاكها لأرضها التي هي الأرض الحرة
والنظيفة والخصبة للعرب...
وتمكين هذه الجبهة من ترسيخ قيمها ومفاهيمها وأخلاقياتها ومبادئها التي هي في
نهاية المطاف، قيم العرب والمسلمين ومفاهيمهم وأخلاقياتهم ومبادئهم، في رؤية جديدة
للعصر وتفاعل ناجح معه، والتي هي، وبالدرجة ذاتها، حمل للهوية والخصوصية على طريق
نضال من أجل العيش الكريم والحرية والحقيقة، في وطن يعيش مع الأوطان الأخرى حركة
البناء والتقدم والحضارة، ويساهم فيها مساهمة ترضيه وتعيد له بعض ماضيه، وتجعله
يحمي حضوره بالتجدد ومشاركته بالمرونة والقدرة على التحرك".
بصلب كل ذلك، يركز المؤلف على فيلة الحوار، ويعتبر أن هذا الأخير "ليس نهاية المطاف بل
هو المدخل الذي نكتشف في ميدانه ما ينبغي أن نهتم به أكثر من سواه، وما ينبغي أن
نقدمه مرحليا على سواه، وكيف نعيد ترتيب بقية البيت ونعزز نظافته وقدرته على
الاستيعاب، وعلى أن يصبح منارة إشعاع وقوة تحمي حق الإنسان ومصلحة الوطن وسلامة
الممارسات، في ظل الدساتير والقوانين والعقيدة والأعراف السائدة المحترمة".
إن الحوار، يقول الكاتب، إنما هو الذي من شأنه تبيان "مقدار
ما تم تدميره من علاقات وقيم ومقومات، وسوف نكتشف على محك صدق الانتماء للثقافة
وإخلاص النية للحق والوطن: كم ضمر
دور الثقافة، وكم تراجعت في ساحات المواجهة الداخلية والخارجية، حتى كثر الظلام من الحكام، وسادت الطغيانية ساحات
كثيرة، وانتشر نمط الدولة الأمنية، وضاع المواطن وحقه وحرياته، ثم جاع وسحق ولبس
قناعا، ليخفي حتى ألمه وحقيقة وجهه ووجوده، وما زال الرعب يلاحقه في أرجاء الوطن
من المحيط إلى الخليج، فمارس تحت ظل القهر والجوع والخوف ما لا يتفق مع قيمه
وأخلاقه وعقيدته ومروءته".
ويخلص المؤلف إلى القول بأن ما يعيق صف
أهل الثقافة عن الفعل المقاوم، والأداء الإيجابي البناء، إنما "يكمن في البيت الثقافي ذاته، حيث القوى
تتصادم لتكون قوتها ومصلحتها في النهاية صفرا أو ما يقارب الصفر، وحيث استعداء على
الرأي يضعف كل صاحب رأي ويقوي كل صاحب سوط، وحيث التنازل عن الشعر لمصلحة الشعار،
وعن الحكمة لمصلحة الحكومة، وعن رحاب الفكر لمصلحة التسييس، و حيث يفقد الإبداع
جلاله وتأثيره ومهابته ومكانته، ويصبح الأعلى صوتا في الإعلام والأقدر على توظيف
التنظيم في إعلام ثقافي سليم، هو الأرفع مكانة والأشد صيانة".
يحيى اليحياوي
الرباط, 4 نونبر 2010