"تعارف الحضارات"

 

زكي الميلاد, دار الفكر, دمشق, 2006, 225 ص.

 

1- ولد زكي الميلاد بمدينة القطيف بالعربية السعودية, أواسط ستينات القرن الماضي. وتخصص منذ بداياته الأولى, في الدراسات الإسلامية حيث تحصل في ميادينها على درجات مميزة إحداها الدكتوراه من الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية.

 

عمل ولا يزال مستشارا أكاديميا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي, ومستشارا للعديد من الدوريات المهتمة بقضايا الفكر عموما, والفكر الإسلامي على وجه التحديد.

 

له العديد من المؤلفات تجاوزت الخمسة عشر كتابا, ويشرف بانتظام على مجلة الكلمة التي تصدر ببيروت, ويقوم على رئاسة تحريرها.

 

2- يقول الميلاد في تقديمه للكتب: ليس الهدف من هذه الفكرة, فكرة تعارف الحضارات,  توسيع "دائرة الجدل والسجال الواسع والمتراكم حول مقولتي صدام الحضارات وحوار الحضارات, الجدل والسجال الذي لم ينقطع أو يتوقف على مستوى العالم, وبين ثقافاته وهوياته وأديانه المتعددة والمتنوعة. وإنما هي محاولة لتطوير مستويات الفهم في النظر إلى عالم الحضارات, والسعي لاستكشاف آفاق جديدة أو غائبة تساهم في تحديد العلاقات بين الحضارات, وتوسع من دائرة التواصل فيما بينها. والتأكيد على ضرورة بناء هذه العلاقات على أساس المعرفة المتبادلة, ومن خلال بناء جسور التعارف لإزالة كافة صور الجهل والتخلص من رواسب وإشكاليات القطيعة".

 

ثم يستعرض المؤلف نظريات حوار الحضارات عند روجي جارودي وصدام الحضارات لصمويل هانتغتون, وكيف أنه تابع الجدل حولهما بانتظام,  سيما الجانب المتعلق بالحوار, وطبيعية هذا الحوار, و"هل توجد فكرة أو نظرية إسلامية في هذا الشأن"...

 

ويتصور الكاتب أنه لم يخرج من هذه الإشكالية إلا عندما اقترب من الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".

 

هي, يقول المؤلف, آية جاءت بمفهوم التعارف, وخاطبت الناس جميعا شعوبا وقبائل. وما دام أنها لم تخاطب الأفراد بل الجماعات والمجتمعات, فقد "جاز لنا استعمال هذا المفهوم على مستوى الحضارات".

 

إن إيمان زكي الميلاد بمفهوم التعارف أملته أربع مسائل, اشتقها المؤلف من الآية الكريمة التي بنى عليها مفهومه:

+ فالخطاب في الآية إياها, متوجه إلى الناس جميعا, "فهو ناظر إليهم بكل تنوعهم وتعددهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم, وإلى غير ذلك من تمايزات ومفارقات".

 

+ وخطاب الآية الكريمة يذكر بوحدة الأصل الإنساني, على اعتبار أن الناس "بكل اختلافاتهم وتعدداتهم وتباعدهم في المكان والأوطان, إنما يرجعون في جذورهم إلى أصل إنساني واحد. والقصد من ذلك أن يدرك الناس هذه الحقيقة, ويتعاملوا معها كقاعدة إنسانية وأخلاقية في نظرتهم إلى أنفسهم وفي نظرة كل أمة وحضارة إلى غيرها, كما لو أنهم أسرة إنسانية واحدة على هذه الأرض".

 

+ وخطاب الآية يقر بالتنوع الإنساني كحقيقة اجتماعية, وقانون تاريخي على اعتبار أن الله سبحانه وتعالى "بسط الأرض...لكي يتوزع الناس فيها شعوبا وقبائل...علما بأن القرآن الكريم لم يذكر في كل آياته عبارة شعوبا وقبائل إلا في هذه السورة".

 

+ وخطاب الآية موجه إلى الناس كافة, بزاوية التعارف تحديدا لا بزاوية التحاور أو التوحد, على اعتبار أن التعارف أشمل وأعمق, ومن شأنه إزالة كل مسببات النزاع والتصادم.

 

من هنا فالمقولة, مقولة تعارف الحضارات, "لا تعني مجرد الاعتراف بتعدد الحضارات وتنوعها, وإنما تستند على ضرورة بناء وتقدم الحضارات في العالم, وتأسيس الشراكة الحضارية فيما بينها, وتبادل المعرفة والخبرة. فالعالم ليس بحاجة إلى حضارة واحدة, وإنما إلى استنهاض الحضارات كافة".

 

3- ولما كان الكتاب مساهمة جماعية (من لدن كتاب ومفكرين عرب ومسلمين), فإن المؤلف استشهد بآراء بعضهم لتبيان قيمة التعارف بين الحضارات, قياسا إلى ما يروج من طروحات حول الحوار أو الصراع الحضاريين.

 

بهذه النقطة يقول إدريس هاني: "إن الخلاف بين الأطروحات هو في وجهة النظر من الآخر, هل هي علاقة احتواء وإدماج ونسخ حسب رؤية فوكوياما, أو علاقة تصادم وتنافر وصراع حسب رؤية هنتغتون, أم أنها علاقة اختلاف وتجاوز حسب رؤية جارودي. نفهم من الأول أن التاريخ سائر باتجاه نهاية محتومة, يكون فيها الاندماج شرطا أساسيا للتقدم والنمو. فيما توحي النظرية الثانية إلى أن الغرب والشرق, أو بالأحرى الغرب والإسلام, حضارتان لا تلتقيان, وهما محكومتان بصراع أزلي, وأن على الغرب أن يستمر في حذره من الإسلام ويعمل على مغالبة هذا الكيان, الحضاري بلا شك, المتهيء لصحوة عارمة في المستقبل".

 

بينما, يتابع هاني, "تبقى نظرية حوار الحضارات دعوة إلى إعادة النظر في الموقف المنغلق للغرب, وأن من الممكن قيام حوار ما بين مختلف الحضارات والثقافات". ويقر الكاتب هنا بأن جارودي نفسه يقر بالأبعاد الموضوعية للصراع بين الحضارات حين يقول بأنها أطروحة صحيحة من "حيث الواقع الموضوعي الذي عليه العالم اليوم. فنوعية الرؤية التي تعبر عنها كل حضارة من الحضارات المعاصرة عن نفسها, وعن رؤيتها للآخر, ينتهي بهذه الحضارات إلى التصادم".

 

ويرى محمد مراح أن مبررات تعارف الحضارات متعددة, كون مبدأ التعارف والتعاون بين الحضارات مبدأ استراتيجي في الإسلام, "ورد التعبير عنه في القرآن الكريم واضح قاطع الدلالة". ثم أذكته "الحاجة إلى صياغة بديل إسلامي عن نظريات الصراع والصدام بين الحضارات, التي طغت على الخطاب السياسي والفكري والفلسفي والإعلامي حتى الشعبي, خاصة في الظروف الحالية التي يمر بها العالم".

 

ويقر الكاتب هنا أن التعارف من المعرفة ومن العرفان, "وهما يفيدان إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره. والعارف والعريف والعروفة من يعرف الأمور ولا ينكر أحدا رآه مرة. والتعارف مزيج من التعرف والتعريف". مع التذكير بأن الحوار لا يكفي, لأنه ينقضي مع استنفاذ أسبابه وملابساته, في حين أن التعارف فيثبت معه آثار التعرف ولا تنكر بعده أبدا.

 

ويخلص, بهذه النقطة, إلى أن "التعارف هو الذي يحدد مستويات الحوار والتعاون, ويثريهما ويثمرهما. كما أن للتعارف دورا وقائيا في منع النزاع والصدام على مستوى الأمم والحضارات. لهذا فإن اختيار مفهوم التعارف الذي بني عليه مفهوم تعارف الحضارات, هو أكثر دقة وأكثر فاعلية".

 

هذا ناهيك عن أن أهمية معرفة الآخر على "حقيقته وتصحيح الصورة المسبقة عنه. فكثيرا ما رسمت الحضارات صورا نمطية لغيرها من الحضارات. فلا تنظر إليها إلا من خلال تلك الصور, وتخضع حسابات التعامل معها لمقتضاها. وكثيرا ما تكون تلك الصور مغلوطة...", على الرغم من وجود بحوث منصفة تكشف حقيقة الصورة الحضارية الصحيحة لحضارة ما.

 

ويتحدث شمس الدين الكيلاني على أن التعارف هو سبيل من سبل حوار الحضارات. إلا أن ذلك يبقى حصرا على القابلية في التعارف. فقد استطاع "العرب/المسلمون التعرف على ثقافة الفرس والهند والصين فضلا عن الثقافة اليونانية, بينما لم تتعرف أوروبا الغربية على تلك الثقافات حتى عصر النهضة".

 

4- إن زكي الميلاد لا يهتم كثيرا بجانب التعارف كغاية في حد ذاته, بل وأيضا كوسيلة للتواصل حيث يلتقي مفهوم التواصل ومفهوم التعارف في "نسق معرفي مشترك. فكلاهما يتضمن بناء الجسور والوصول إلى الآخر وتجاوز الذات, أو فلسفة الذات حسب تعبير هابرماس."

 

من ناحية ثانية, فالتعارف يتضمن مفهوم التواصل, إذ "ليس هناك تعارف بدون تواصل. لكنه يتجاوزه, بمعنى أن التعارف أوسع وأشمل منه, أما التواصل فقد يكون بتعارف أو بدون تعارف".

 

ويختصر الكاتب أطروحته بالقول: "إن المشكلة بين الحضارات ليس في عدم الحوار فيما بينها, وإنما في عدم التعارف, والانقطاع عن تكوين هذه المعرفة, وسيادة الجهل أو الفهم المنقوص, أو الصورة النمطية والسطحية في المعرفة. لذلك, فإن كل حضارة غالبا ما تصور مشكلاتها مع الحضارات الأخرى على أساس عدم المعرفة السليمة أو الصحيحة بها...", فيبقى جانب الصراع والتصادم هو الطاغي والأبرز.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 1 مارس 2007