على هامش المؤتمر العاشر للفكر المعاصر في المغرب العربي بزغوان الأستاذ يحيى اليحياوي لجريدة "العرب العالمية":
لا مستقبل للمجتمع المدني بالمغرب العربي، في ظل العولمة والمواطنة "العالمية"، إذا لم يكرس ثقافة الاشتغال عن قرب.
قدمت بحثا حول العولمة والمواطنة العالمية في المغرب العربي(1) أوضحت في بدايته إشكالية العولمة من حيث مفهومها وطبيعتها وصيرورتها.
وأوضحت أن المواطنة المرتبطة بالعولمة لا تتعلق فقط بانتماء الفرد والجماعة للمجتمع بل تتعلق كذلك بمجموعة من المحددات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تعطي لهذا الانتماء تجذيرا وتكريسا وتعطيه فضلا عن ذلك قيمة.
وأوضحت بأن ما أتت به العولمة مما يسمى بالمواطنة العالمية هو ليس تحديدا في الممارسة المواطناتية بل هو إفراز لظواهر جديدة أساسها التحولات السياسية و"انتصار الليبيرالية" الغربية والمد التكنولوجي المتنامي في مجالات علوم الأحياء والبيئة والطبيعة وعلوم البيوتكنولوجيا والمعلومات والاتصال وغيرها.
وأكدت أن العولمة بقدر ما تلتقي مع المواطنة فهي تتنافى معها في الآن ذاته. وأوضحت ذلك باختصار شديد من خلال " تكسير" العولمة لدور الدولة وتكسير مكانة وقيمة الدولة في المجتمع. بالتالي وبما أن هذه الأخيرة هي تمظهر من تمظهرات السيادة والمواطنة فإن تقويضها هو بطريقة غير مباشرة تقويضا للمواطنة في حد ذاتها.
ثم أن العولمة أفرزت نوعا من المطالبات المواطناتية التي كانت إلى حين عهد قريب خافية أو مقموعة أو مهمشة كالمطالبة بالاختلاف الإثني والعقائدي والديني وعموما كل ما يتعلق بالخصوصية الثقافية وهو ما أسميه بتقدم الفضاء الترابي والمحلي.
ولاحظت أن العولمة قوضت البعد السياسي والمدني للمواطنة وأعطت قيمة أكبر للبعد الاقتصادي.
وفيما يخص تنافي العولمة مع المواطنة أعتقد أن دافع ذلك هو تكريس العولمة لاقتصاد السوق وثقافته وديموقراطيته وقيمه الليبيرالية.
بالتالي، فهي تكريس لما يسمى ب"مجتمع السوق" الذي يريد أن يجعل من المواطنة سلعة أو خدمة تخضع لقيم ومنظومة السوق. ثم أن العولمة تتعامل مع الأفراد داخل المجتمع ولا تتعامل مع المجتمع كمجتمع.
النقطة الثانية التي تتنافى فيها المواطنة مع العولمة هو أن هذه الأخيرة تدفع بمواطنة جديدة مبنية على الاستهلاك والاقتناء والتملك، بمعنى أن كل من لا يمكلك ومن لا يستهلك ومن لا يقتني يعتبرمواطنا "منقوصا"، وهذا مكمن خطر كبير على البعد السياسي والمدني والثقافي للمواطنة.
آخر نقطة فيما يتعلق بالمفارقات هو أن العولمة تدفع بمواطنة جديدة مبنية على الواجبات ،اصبحنا إزاءها وكأننا مرتهنون لهذه الواجبات مقابل تراجع حقوقنا المختلفة.
كل هذه الأمور والمفارقات حاولت تشخيصها لاستشراف الآفاق بالمغرب العربي. وقلت بأن المغرب العربي لم يستطع، وطيلة أكثر من أربعين سنة، استنبات ثقافة مواطناتية على غرار ما هو موجود بالغرب. وأوضحت أن هذا لا يرتبط أساسا بضعف الدولة أوبضعف المجتمع المدني فحسب، بل يرتبط أيضا بضعف التشريعات التي لا تعير للمواطنة قيمة كبرى.
في الأخير أكدت على ضرورة استنبات مواطنة مغاربية إن لم تكن لمواجهة مساوئ العولمة فعلى الأقل تعمل من أجل الأخذ بإيجابيات هاته المواطنة العالمية.
بالنسبة لمفهومي "الخاص" للمجتمع المدني أعتقد أنه يحدد بالقياس إلى المجتمع السياسي. فالمجتمع المدني هو مجموعة متناسقة من الجمعيات والمنظمات والمؤسسات التي تشتغل في استقلالية عن المستوى السياسي وتشتغل دون شعبوية.
بمعنى أنه يعمل عن قرب. لذلك ركزت على ضرورة بناء مجتمع مدني محلي باعتبار أن المجتمع المدني التقليدي لم يعد له وجود...ونجد في المقابل أن الجمعيات الصغرى والمنظمات المحلية في الأحياء وحسب القطاعات الخدمية هي جوهر المجتمع المدني.
جريدة "العرب العالمية"، يومية، لندن 6 نونبر 2002 (قراءة الحسين الدبابي).
(1)- يحيى اليحياوي، "في العولمة والمواطنة العالمية: أية آفاق للمغرب العربي؟"، زغوان (تونس)، 23-25 أكتوبر 2002.