"في
علاقة الجزيرة بالسلطة في المغرب"
كثيرون من بين ظهرانينا, من يطرحون على أنفسهم أو على بعضهم البعض التساؤل
التالي: هل ارتكب المغرب حقا خطأ جسيما عندما سمح للجزيرة
بفتح مكتب لها به, ورخص لها بإطلاق نشرة مغاربية, دون أن يتوفر على ضمانات باحترام "قضاياه المصيرية"؟
ليس لنا علم صراحة بما تم تداوله أو تم الاتفاق عليه عندما قرر المغرب
السماح لقناة الجزيرة بفتح مكتب لها بالرباط, ثم السماح لها ببث النشرة المغاربية
من العاصمة, لكننا نعتقد بأن القرارين معا صائبين أيا ما تكن حسابات هذا الطرف أو
ذاك.
بعنصر التساؤل الثاني, لسنا متأكدين من أن "الاتفاق" شمل عبارة
أو مضمون ما قد يكون "قضايا مصيرية", بدليل أن القناة لم تتراجع مثلا عن
استخدام عبارة "الصحراء الغربية" في نشراتها وبرامجها الحوارية, ولم
تتحرج من الحديث عن البوليزاريو, ولم تتردد في استضافة "من يناهض وحدة البلاد",
ولم تعمد إلى تصحيح خريطة المغرب بما يجعل الصحراء جزءا من المغرب, لا فضاء
جغرافيا بلون مميز عن لون خريطة المغرب.
كون المغرب لم يعمد إلى تجميد
الاتفاق أو إلغائه, حتى باحتمالية احتجاجه على ذلك, يدل على أن مضمون
"القضايا المصيرية" لم يثر, أو لم يتم تدقيقه, أو ترك على عواهنه, أو تم
التسليم بأن القادم من أيام سيتكفل باستقطاب القناة للطرح المغربي. وهذا ما لم يتم إدراكه منذ انطلاق مكتب الجزيرة بالمغرب, حتى
وهي تبث من قطر.
أتصور أن السبب في كل حالات المد والجزر بين السلطة في المغرب وقناة
الجزيرة إنما مرده إلى تباين المرجعية بين الجهتين, أي بين الحكومة في المغرب وبين
قناة الجزيرة في قطر, أو عبر مكتبها بالرباط. فالقناة لا تعير كبير اعتبار لما قد
يكون "قضية مصيرية" بالنسبة للمغرب. الأمر
يقاس عندها بما قد يدره هذا الحدث أو ذاك من نسبة المشاهدة ثم من شهرة ثم من إشهار.
وهذا أمر معقول بكل الشبكات التلفزيونية بالعالم. ما
العيب إذن أن تتبنى قناة الجزيرة سلوكا قد يكون القاعدة والأصل بالإعلام
التلفزيوني, الأرضي منه كما الفضائي سواء بسواء؟
ثم ما قد يكون أمرا "حساسا ومصيريا" بالنسبة لهذه الجهة, قد لا
يكون بالضرورة كذلك بالنسبة للجهة الأخرى, سيما إذا كان الرهان متباين ومختلف بين
الطرفين. أضف إلى ذلك أنه حتى لو كان قد تم التنصيص على هذه العبارة, فإنها تبقى
هلامية وقابلة لأكثر من تأويل, لأنها نسبية ومحكومة بمرجعيات غير ثابتة. فمسألة
حقوق الإنسان مثلا ليست بالثبات الموضوعي الذي يمكن البناء عليها للتعميم, إذ كل
وفق سياقه وظروفه الذاتية أو هكذا يقال. ومسألة الأقليات وحقها في التميز تبقى
أيضا غير ثابتة بين أعراق تتطلع للتميز, وأغيار يسمونهم بالخليج
"البدون", على الرغم من أنهم أبناء الوطن ازديادا ونسبا وإسهاما في
التنمية...وهكذا.
والقصد هو القول بأنه ما قد يبدو لنا مصيريا قد لا يكون كذلك بالنسبة للطرف
الآخر, صديقا كان أم غريما. وما قد يكون نقطا حساسة عندنا قد لا تبدو كذلك له
وهكذا, لا بل ولربما قد يكون له المصلحة في ألا تكون كذلك, وإلا
جر عليه ذلك فقدان منفعة أو مصلحة أو مال أو جاه لدى هذه الجهة أو تلك.
هل استحضرت وزارة الاتصال كل ذلك قبل اتخاذ قرار تعليق نشاط مكتب الجزيرة؟
لست أدري اللهم إلا إذا استحضرت نظرية في المؤامرة لا أومن بها كثيرا.
إن حالة الشد والجذب بين المغرب والجزيرة كانت قائمة قبلما يتم اعتماد
مكتبها وصحفييها بالرباط, إذ, وإن لم يكن بصحافة قرب مباشر, كانت تقدم برامج
وتستضيف وجوها مغربية من عيار ثقيل أو متوسط لا تتحرج في فضح سلوكات السلطة, أو
تعرية الواقع الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي, أو تثير قضايا تعبر عن تجاوزات لا
يمكن السكوت عنها, أو كانت من آخر المفكر فيه من لدن الإعلام الرسمي.
بخصوص قضية الوحدة الترابية للمغرب مثلا, أعتقد أن موقف القناة منها واضح
مند اليوم الأول, ولا أدل على ذلك مرة أخرى, خريطة المغرب المجتزأة, واستضافة
ممثلين عن جبهة البوليزاريو, وسياسيين من الجزائر, واستخدام عبارة الصحراء الغربية
في التغطية. هل هذا انحياز؟ لا أظن ذلك بالمرة, ما دامت
الأمم المتحدة ذاتها تتحدث على أساس من هذا المنطق.
هل للأمر خلفية سياسية محددة؟. إذا كان الجواب
على السؤال بالإيجاب, فالمفروض هنا أن يبحث المرء عن عناصر ذات الجواب في طبيعة
العلاقة بين دولة قطر والمغرب, وليس في العلاقة بين الجزيرة والمغرب.
يحيى اليحياوي
الرباط, 8
نونبر 2010