الباحث المغربي يحيى اليحياوي لجريدة الجمهور:
خمسة آلاف مهندس تقني يهاجرون للخارج سنويا
كتاب "الإنترنيت خلاصة لمجموعة البحوث التي قمت بها منذ عشر سنوات
لابد أن نوظف الاقتصاد السياسي وعلمي النفس والاجتماع والبيولوجيا والبيوتكنولوجيا لمقاربة إشكالية الإنترنيت
هناك قاعدة ثابتة حول تحول المعلومة إلى معرفة ثم جزءا من نظام القيم حتى تصبح ثقافة
عندما يصبح العلم ثقافة آنذاك يمكننا أن نلج بوابة التنمية الحقيقية
قراءة كتاب معين هي من إعادة كتابته والتفكير في القضايا التي يطرحها وتجديد السؤال حول إشكالاته. وتأخذ القراءة بعدها الجدي عندما تتمحور حول قضية تهم المواطن وتشكل هاجسه الرئيسي.
في هذا السياق نظمت مندوبية وزارة الثقافة بالقنيطرة لقاء مع يحيى اليحياوي الباحث المهتم بقضايا الإعلاميات والاتصال، لقاء كان الهدف منه تواصل القارئ مع الكاتب حول أطروحته المتعلقة بعلاقة الثقافة بالتكنولوجيا.
فيما يلي نورد تلخيصا لأهم ما جاء في مداخلة يحيى اليحياوي باعتباره أحد الباحثين المعنيين بشأن التطور المعلوماتي والإعلامي في العالم عموما وفي المغرب بشكل خاص.
مقاربة قضية "الإنترنيت" تتطلب الإلمام بمجموعة من الحقول المعرفية حتى نطل على الظاهرة من جميع زواياها.
ففي البداية أكد المحاضر على أنه سيتطرق لمجموعة من القضايا التي لا تهم المغرب فحسب بل تهم المنطقة العربية برمتها، " فجل الدراسات التي قمت بها يمكن أن أختزلها في كتابي الذي صدر أخيرا حول الإنترنيت. فهو يختزل الاتصالات والمعلوميات ويختزل كذلك قطاع السمعي-البصري".
ولهذا أعتبر كتاب "الإنترنيت ومجتمع الإعلام" إفرازا لمجموعة البحوث التي قمت بها لحد الآن، وركزت فيه بالأساس على الإشكاليات المطروحة من الناحية المفاهيمية ومن الناحية التحليلية.
فضلت تقديم هذا الكتاب لأنه هو الذي يمكن أن يعطينا صورة عن سيرورة الكتابة التي أشتغل حولها منذ عشر سنوات، لأنه من الصعب على كاتب أن يقدم كتابا من كتبه أو يقدم مسيرته الخاصة في البحث.
عندما يتحدث الإنسان عن نفسه فهو إما يكون متحدثا فاشلا أو كمن يكتب مذكراته في نهاية مشواره فيختزل التاريخ في ذاته. لماذا ركزت على الإنترنيت في هذا اللقاء المفتوح؟ لأنه اليوم أصبح مطروحا بقوة ليس فقط في المشهد الإعلامي ولكن أيضا في المشهد الثقافي.
أول سؤال يتبادر إلى الذهن عند محاولة مقاربة إشكالية الإنترنيت هو: ما السبيل لقراءة الإنترنيت؟
أول ملاحظة هي أن الأنترنيت والتكنولوجيا عموما لم تستقر بعد لما يفوق عشر سنوات. ليس هناك استقرار على مستوى التطور التكنولوجي أو البحث العلمي أو التنمية التكنولوجية أو الإبداع التكنولوجي أو الاختراعات أو البحوث التطبيقية أو البحوث النظرية أو غيرها.
ليس هناك إذن استقرار حتى يستطيع الباحث والأكاديمي مقاربة هذه الإشكالية مقاربة علمية. فالذي نشاهده اليوم من قنوات فضائية ومن شبكات لا يمثل سوى عشرة في المائة أو أقل من البحوث المتوفرة أو التي هي قيد الإنجاز. معنى هذا أنه في المختبرات الأمريكية واليابانية والأوروبية اليوم تسعون في المائة لم يصلنا بعد، وحالة الإنترنيت التي نعيشها في الوقت الراهن هي جيل أول وليست الجيل الذي يمكن أن يأتي في غضون السنوات المقبلة.
بالتالي، فمن الصعب مقاربة الإشكالية التكنولوجية في الوقت الحالي مقاربة وافية، وهذا يبرز بجلاء في العديد من الدراسات التي قمت بها بهذا الصدد. فأثناء الخمس سنوات الماضية كان التلفزيون يعتمد على التقنيات التشابهية ،اليوم أصبح يعتمد على التقنيات الرقمية. في السابق كانت تباع الصحون اللاقطة بأثمنة باهظة، اليوم أصبح هناك جهاز لاقط رقمي وبثمن أقل تدريجيا، وهذا أمر غير مسبوق، إذ التكنولوجيا تتطور بوتيرة كبيرة وتتجدد في زمن قصير؟
الملاحظة الثانية: في التكنولوجيا غالبا ما نعطي قيمة للتقنية. عندما ننظر للإنترنيت ننظر إليه على أساس أنه تقنية وهو ليس كذلك فحسب، إذ إلى جانب أنه تقنية فهو أيضا اقتصاد وهو صناعة وهو علم نفس وهو علم اجتماع. بالتالي، فالتكنولوجيا ليست تقنية فحسب بل هي شيء آخر أعمق من ذلك بكثير يحيل على المعرفة وعلى الثقافة وعلى منظومات القيم.
الإنترنيت لا يحيل فقط على اقتصاد الشبكات أو على نظريات البنى التحتية... والباحث الذي يريد مقاربته لن يكون بوسعه ذلك فقط اعتمادا على نظرية الاقتصاد الصناعي، بل لا بد له أيضا من توظيف نظريات الاقتصاد السياسي وعلمي النفس والاجتماع والبيولوجيا والبيوتكنولوجيا والآليات الجديدة وجملة من الحقول المعرفية الأخرى. لا معنى للتخصص في هذا المضمار ...التخصص أصبح سبيلا قاتلا.
معنى هذا أنه لمقاربة قضية معينة لا بد للمرء أن يكون ملما بمجموعة من الحقول المعرفية حتى يستطيع الإلمام بالظاهرة موضوع البحث من كل زواياها وكي لا تكون المقاربة اختزالية أو سطحية.
لم تعد التكنولوجيا اليوم جزءا من التنمية بل أضحت هي التنمية نفسها. فإذا كان الحديث عن التنمية من ذي قبل مرتبطا بالفلاحة أو بالفوسفاط أو بالمواد الأولية أو بالصناعة، فقد أصبح اليوم (أعني الحديث) مرتبطا بالمعرفة، والمعرفة تأتي من التكنولوجيا ومن البحث العلمي.
فقطاع الإعلام والاتصال مثلا لم يعد منعزلا كما كان عليه الحال من ذي قبل، إذ كانت المعلوميات والتلفزة والاتصالات حقولا مستقلة وإلى حد بعيد. أما اليوم فقد أصبحت تشكل منظومة واحدة، والقيمة المضافة لا تأتي من كل قطاع على حدة بل من ترابط هذه القطاعات، وكلما ازداد الترابط كلما ازدادت القيمة المضافة.
هذه الحقول الثلاثة التي كانت، إلى حين عهد قريب مستقلة، أصبحت مترابطة.
ومعنى هذا أنه عندما يبحر المرء في شبكة الإنترنيت، فهو لا يستطيع قطعا الجزم بكونه إزاء شبكة معلوميات أم شبكة اتصالات أم شبكة تلفزيون. في المحصلة النهائية، لم تعد لدينا حقول موزعة بل "حقلا واحدا" يجمع بين هذه الحقول الثلاثة أي بين الصوت والصورة والمعطى وغيرها في آن معا. والقيمة المعرفية التي تشكل اليوم ربحا للشركات الكبرى تأتي من كيفية تجميع هذه الحقول الثلاثة لا من التخصص في إحداها.
لهذا الاعتبار، سلكت الشركات العالمية الكبرى ومنذ مدة سبيل التحالف والاندماج والانصهار حتى. فالتي تعمل في التلفزيون أو في الاتصالات اقتحمت ميدان المعلوميات والعكس بالعكس .
هذه الطفرة التكنولوجية تجعلنا دائما نتساءل، ولأكثر من عشر سنوات، عن الذي يجري حولنا اليوم. فليست هناك بحوث ميدانية أو علمية أو نظرية تمكننا من ملامسة ذلك بقوة، وكلما برز شيء في الغرب نستورده دونما قدرة على فهم خلفياته وأبعاده، فنتعامل معه بالتالي كوسيلة استهلاك أو كمعطى.
ينبغي إذن أن نتساءل عن الأخطار المحيطة باستيراد التكنولوجيا أو التي من الوارد أن تحملها طفرتها الحالية.
والتساؤل إياه مهم جدا لأننا في المغرب مثلا، ولخمسين سنة مضت، لم نحدد نموذج التنمية المناسب حتى نعرف بالتالي نوع التكنولوجيا التي يمكن أن تناسب بلدنا. وهذا إشكال حقيقي، إذ لا يمكن أن تستورد تكنولوجيا معينة وأنت لا تحتكم إلى نموذج في التنمية محدد، فتبقى من هنا مستوردا لتقنيات قد لا تكون مناسبة بالضرورة.
التكنولوجيا والإنترنت تحديدا سيضعا "نموذج "التنمية المعتمد في العالم الثالث على المحك.
لو أخذنا مثلا وزارة البريد بالمغرب، نلاحظ أنها تعد بتكوين خمسة آلاف مهندس سنويا، وهذا أمر مستحسن بل مطلوب، لكن معظمهم يهاجر للخارج بمجرد تخرجهم. ما الفائدة إذن من التكوين إياه وتبذير المال العام إذا كانت النتيجة غير مضمونة. وعلى هذا الأساس فأنا أتصور أن الخلل، بهذه النقطة بالذات كما بالعديد غيرها، هو خلل في نموذج التنمية لا في غيره.
التكنولوجيا والبحث العلمي والموارد البشرية هي مستقبل الشعوب ونحن في المغرب وعلى ضوء هذه الطفرة التكنولوجية لا بد من تجديد نموذج التنمية الذي ما زلنا نجتره. ليس من المعقول أن نبقي على استيراد مستجدات التقنية الحديثة أو نوظفها لتسويق وتصدير مواد ومنتوجات العصر الأول كتوظيف الإنترنيت لتسويق الزربية المغربية مثلا أو غيرها. هناك خلل من نوع ما عندما نوظف تقنيات عالية الدقة لتسويق مواد وسلع من العهد الصناعي الأول الكلاسيكي؟
هناك، فيما يتصور المحاضر، مدخلان أساسيان للتعامل مع التكنولوجيا في المغرب وفي العالم العربي (والعالم الثالث بوجه خاص): المدخل الأول يكمن في ضرورة التمكن من التكنولوجيا. قد يكون من الصعب التحايل على استيراد التقنيات في المدى القصير، لكن المطلوب هو التمكن منها وتطويعها وتبيئتها.
المدخل الثاني ويتمثل في اعتماد خيار البحث العلمي والتطور التكنولوجي. فعندما تستطيع أن تتحكم في البحث العلمي وأنظمة الاتصال فالبقية كلها تفاصيل جزئية. المعلومة أصبحت مركزية، فعن طريق نظام إيشلون للاستخبارات تتحكم أمريكا في العالم بأسره وميزانيته سبعة مليار دولار سنويا وله أكثر من مائتي ألف مراسل في العالم. فمن يتحكم في المعلومة اليوم يتحكم في العالم".
أسئلة الحضور تمحورت حول: المعالم الخفية للتعامل مع الإنترنيت والفعل المتقاعس أي إلى متى يستمر فعلنا متقاعسا مع التكنولوجيا؟ ولماذا نتعامل معها بشكل استهلاكي؟ وهل التنمية في هذا المجال مرتبطة بخيارات سياسية؟ وإذا كان الصراع صراعا ثقافيا يحتم مركزية السؤال الثقافي فما هي طبيعة الهيمنة المفروضة علينا اليوم؟
في معرض إجابته على أسئلة الحضور انطلق المحتفى به من مقولة لروني ماهو "التنمية هي عندما يصبح العلم ثقافة" .
هذا التعريف للتنمية يبين العلاقة الجدلية والعميقة بين التنمية والمعرفة، لأن التنمية حقيقة الأمر هي معرفة والمعرفة سبيل من سبل بلوغ التنمية.
وأما فيما يخص تعامل المغاربة مع التكنولوجيا فقد أكد اليحياوي على أن المغاربة لا يتعاملون مع مستجدات التكنولوجيا إلا كأدوات ومعدات ولا يتعاملون معها كمضامين وكمعرفة وكمحتويات، وفي المجمل لا يتعاملون معها كثقافة. وفي هذا المجال هناك قاعدة ثابتة حول تحول المعلومة أو المعطى إلى معرفة حتى تصبح جزءا من نظام القيم فتصبح ثقافة.
فالأنترنيت مثلا يمكن أن يمنحك فرصة الحصول على آلاف الوثائق دفعة واحدة. هذه الوثائق ليست كلها ثقافة بل هي معطيات ومع الزمن تتحول هذه المعطيات عندما تدخل نظام القيم إلى جزء من ثقافة الإنسان الذي يتعامل معها.
يمكن أن تتعامل مع العديد من المعطيات التي أنتجها إنسان ياباني فتغربل ما تراه ينسجم مع ثقافتك ومع نظام قيمك فتصبح جزءا من ثقافتك. وهذا هو التفاعل الحقيقي أي عندما يتعامل الإنسان مع ثقافة يقبل منها مجموعة من المعطيات.
أما فيما يخص قضية الفعل المتقاعس في التعامل مع التكنولوجيا فلا يمكن أن يتم ذلك في إطار مغلق، والبحث لا يتم إلا في إطار موسع، ومنذ الثمانينات وأنا أطالب بمركز لنظم الاتصالات في المغرب العربي. وهناك إمكانيات هائلة ماديا وبشريا في العالم العربي لتطوير البحث العلمي لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية لتجميع الكفاءات الموزعة في العالم الغربي لتطوير تصاميم نظم الاتصال.
وعند حديثه عن الأمية التي تعيق التعامل مع التكنولوجيا قال: الغريب في الأمر أنه في العالم العربي الأمية أصبحت نظام حكم بل أبعد من ذلك ونفس الشيء يمكن أن يقال عن التخلف. ويمكن أن أتصور في نهاية المطاف أن التخلف نظام حكم، والإرادة السياسية المتحدث عنها هي نفسها مبنية على التخلف كنظام حكم. وستصدر هذه الأيام دراسة قصيرة تحت عنوان "هل للمغاربة ثقافة تلفزيونية؟" كيف يتمثل المغاربة التلفزة؟ فالمغاربة يتمثلون التلفزة كمحتويات باعتبارها مادة للاستهلاك وليس أداة ثقافية. فتأثير البرامج الثقافية ليس هو تأثير الوصلات الإشهارية للثلاجات في عيد الأضحى.
أما فيما يخص علاقة التكنولوجيا بالثقافة فقد أكدت سابقا أن التكنولوجيا ثقافة تنتج داخل نظام قيم لا يمكن أن تصدر ولا يمكن أن تشترى، يمكن أن تشتريها كأداة وليس كمعرفة. ولما تصبح التكنولوجيا ثقافة يتمكن المواطن من معرفة خباياها. والثقافة عموما بغض النظر عن التكنولوجيا تتعرض للمنع. فقد تم منع كتاب حيدر حيدر، وفي المغرب تم منع كتاب "صورة المرأة في الإسلام"... بصرف النظر عن مضمون الكتاب فالمنع مسألة خطيرة. فالدولة تمارس المنع وهناك تيارات سياسية تمنع أيضا، المنع أصبح رسميا وشبه رسمي.
تغطية إدريس عدار، جريدة الجمهور، يومية، 3 مارس 2002.