الأستاذ
يحيى اليحياوي
يتحدث عن استراتيجية
الدولة في قطاع
الاتصالات
لقد
دشنت
"المستقل"
الحوار حول
أكبر صفقة عرفها
المغرب
المستقل في
مسلسل
الخوصصة، وذلك
بالمقال
الأول
للأستاذ عزيز
الأطرش تحت
عنوان
"ملاحظات
أولية حول
عملية تفويت 35 بالمائة من
رأسمال اتصالات
المغرب...والذي
تلته العديد
من المواقف
وردود
الأفعال نذكر
منها بالأخص
مبادرة حزب
الاستقلال
بالمطالبة
بفتح تحقيق
حول ملابسات هذا
التفويت...ناهيك
عن المواكبة
الإعلامية لتفاعلات
هذا الملف من
طرف العديد من
المنابر الإعلامية
الوطنية...
وإسهاما
منا في إغناء
النقاش
الوطني حول
هذا الملف-
"القضية"
حاورنا الأستاذ
يحيى
اليحياوي،
باحث وإطار
عالي باتصالات
المغرب وله
العديد من
الدراسات
والمؤلفات في
قضايا
الإعلام
والاتصال.
وفيما
يلي نص
الحوار..
س: في أية استراتيجية
وطنية تندرج عملية
خوصصة اتصالات
المغرب بشكل عام؟
يحيى
اليحياوي: لست متأكدا
بأن مصطلح
الاستراتيجية
(فبالأحرى
وطنية) هو
الواجب
استخدامه في
هذا السياق،لأن
المصطلح يحيل
حتما إلى وجود
اختيارات واضحة
وقارة، ومشروع
تنموي وقبلهما توفر
الرؤية لما
نحن عليه وما
نريد أن نكون،
وكذلك توفر رجال
وطنيين من
شأنهم تنفيذ
سياسة التصور
القائم.
هذا أمر
لم يعرفه
المغرب منذ
إقالة حكومة
عبد الله
إبراهيم فيما
أعتقد.
بالتالي
فما نحن
بازائه
بالمغرب منذ أربعين
سنة لا يعدو
كونه تسيير
اليومي بمنطق اليومي،
بدليل أن هذه
الأربعين
سنة
لم يعد لنا
ولا قطاعا
واحدا أصبحنا
متميزين فيه
وقادرين على
تسييره. أنظر
إلى قطاع
التعليم
والفلاحة والفوسفاط
والسياحة
والصناعة،
وانظر كذلك إلى
الصيد البحري
والتجارة وما
سواها. ولا
قطاعا واحدا
راهنا عليه
ونجحنا فيه،
والسبب بسيط وهو
أننا لم نحتكم
إلى رؤية
واضحة نبني
عليها تصورا
ونرتكز عليها لاقامة
استراتيجية
وننطلق منها
لترجمة ذلك
كسياسة
وكمنهج عمل.
ليس
من العجب في
شيء إذن إذا
لاحظنا أن
الدولة أفلست
وبدأت تستهلك
رأسمالها
بعدما استنفذت
كل السبل
الأخرى من
ديون خارجية
وموارد طبيعية
وغيرها.
س: في أي سياق
إذن نضع خوصصة
"اتصالات المغرب"؟
يحيى اليحياوي: في السياق الذي
فرضه علينا برنامج
التقويم الهيكلي
منذ بداية الثمانينات
إلى يومنا الحاضر،
وفي سياق مرحلة
طويلة أصبح المال
العام والثروة
الوطنية خيرات
خاصة، وفي سياق
التسيب السياسي
الذي حال غياب
الديموقراطية
دون إيقافه.
إن تفويت
القطاعات الاستراتيجية
للقطاع الخاص الأجنبي
هو إلى حد بعيد
الدليل على إفلاس
الدولة وتقلص سيادتها
وعجزها عن الحفاظ
على الملك العام
وتنميته.
س: لكن كل
دول العالم تخوصص
قطاعاتها في الاتصالات،
فما العيب إذا
نهج المغرب نفس
المسلك؟
يحيى
اليحياوي: هذا
صحيح، لكن التجارب
تبين، بما لا يدع
مجالا للمزايدة،
بأن الدولة والاحتكار
هما اللذان بنيا
القطاع وضمنا له
مؤسسات للتصنيع
ومختبرات للبحث
وموارد في التسيير
كفئة. وعندما فرضت
ظروف المنافسة
فتح رأسمال هذه
الشركات وفي إطار تحالفات إستراتيجية
في فضاء يضيق عدد
الفاعلين به يوما
عن يوم. بمعنى أن
ذلك تم احتكاما
إلى اختيارات استراتيجية
لا نتيجة إكراهات
مالية أو ضغوط
سياسية أو اعتبارات
إيديولوجية حتى.
الأمر
عندنا بالمغرب
مختلف جذريا عما
سبق لا في خلفيته
ولا في شكله ولا
في أبعاده ولا
في النتائج المتوخاة
منه، وهذا أمر يطول
الحديث فيه هنا.
س: كيف
ترون عملية التفويت
خاصة فيما يتعلق
بالجانب القانوني
وبأسلوب إدارة
العملية؟
يحيى
اليحياوي:
العملية
لم تطبعها اختلالات
متعددة فحسب بل
طعن في شفافيتها
ونزاهة إدارتها.
والأخطر هو أن
مسؤولا سياسيا
يشارك حزبه في
الحكومة ومحسوب
على الكتلة طالب
بفتح تحقيق في"
النازلة" إثر انسحاب
العديد من المرشحين
وبقاء فيفاندي
لوحدها.
هذا أمر خطير
لست أدري في أي
ظروف تم إقباره.
لو أردت
أن أختصر لك رأيي
بهذا الشأن لاختصرته
في ثلاث نقط اكتنفها
الغموض وطبعها
الالتباس:
-
- أولا، التضارب
الكبير في تقييم
رأسمال اتصالات
المغرب ما بين 50 و54 و58
و90 و100 مليار درهم.
رقم 10 مليار الأخير
أكدته مؤسسة أجنبية
وأكده مسؤول بوكالة
تقنين الاتصالات
مؤخرا. لو كان هذا
التقييم صحيحا
و مضبوطا فستكون
الدولة قد أضاعت
عليها ما قيمته
10 مليار درهم وأكثر.
- يقول وزير المالية إن التقييم قامت به بيوت خبرة ذات مصداقية عالمية لا يمكنها المجازفة. أنا أؤكد أن هذه البيوت لا تعطيك إلا بالقدر الذي تعطيها، ومصداقيتها لا تقيسها على الحالات المشبوهة والشادة لأنها تعرف أن خبرتها ما هي إلا عنصر من العناصر المتشعبة لاتخاذ القرار.
-
ثانيا، انسحا ب الشركات
الأخرى لم يكن
مرده المسوغات
التي قدمتها (مجاملة
في معظمها فيما
أعتقد) بقدر ما
هو راجع إلى كونها
اضطلعت على الملف
واتضح لخبرائها
أن العرض غير طبيعي
وأنه من الأفضل
لها الانسحاب.
لنأخذ فرانس
تليكوم التي بررت
انسحابها بعدم
توفر السيولة لديها،
ألم يتضح فيما
بعد أنها تنوي
شراء شركة "إكوانت"
التي تضم زبناء
في العالم من العيار
الثقيل؟
- ثالثا،
حجم الصفقة كان
مبرمجا بقانون
2001 للمالية ليس من
باب" بعث إشارات"
بوجود الشفافية
ولكن على أساس
ضبط التوازنات
والتحكم في الاختلالات
المالية. وقد أذهب
لحد القول بأن
الحكومة كانت ستبيع
حتى بأقل من الحد
الأدنى وكانت دون
شك ستجد لذلك "تخريجة
قانونية" من خلال
التحايل على قانون
39-98 وإلا فكيف كان
لها أن تدبر نقصا
في الموارد الاستثنائية
بقيمة 23.5 مليار درهم.
قد أعدد
نقط الغموض التي
طالت العملية،
لكني أعتقد أن
تقييما عاما لسياق
العملية وسير أطوارها
هو الذي من شأنه
إيضاح ذلك بقوة.
س: هل يمكن
اعتبار إدراج مدا
خيل هذه العملية
ضمن ميزانية 2001 بدل
إدراجها في صندوق
الحسن الثاني
للتنمية مسالة
فرضتها على الحكومة
إكراهات الالتزام
بالحفاظ على التوازنات
المالية وما الجدوى
من ذلك، أم ترون
أن هناك بدائل
أخرى لو تم اعتمادها
لكانت الفائدة
والمر دودية أفضل؟
يحيى
اليحياوي: هذا الأمر بدوره
يسائلنا على أكثر
من مستوى:
+ نلاحظ
أن الدولة برمجت
غالبية الصفقة
في ميزانية 2001 ولم
تترك لصندوق الحسن
الثاني إلا بعض
الفتات. والسبب
واضح وجلي وهو
هاجس التوازنات
المالية وقداسة
ال 3 بالمائة من
العجز. إذا أضفنا
إلى ذلك "الالتزامات
الاجتماعية" التي
فرضها هذا القانون
(فيما يخص الأجور
والتعويضات) سيتضح
لنا أن موارد الصفقة
ستذوب في مصاريف
التسيير وسواها
باستثناء الاستثمار.
+ ثم نلاحظ
أن بعض الوزراء
يقولون بأن توجيه
هذا المورد للميزانية
هو كذلك توجيه
جزء منه للاستثمار
على اعتبار أن
الميزانية تضم
جوانب استثمارية
إلى جانب ما يقوم
به صندوق الحسن
الثاني، لكن تراجع
مصاريف الاستثمار
في ميزانية 2001 ب
16 في المائة (21.69 مليار
درهم مقابل 25،8 سنة
2000) يبين مرة أخرى
هشاشة الخطاب وارتجاليته.
+ ونلاحظ
كذلك ما يروجه
وزير البريد من
كونه وضع خطة لإدخال
المغرب في "مجتمع
الإعلام والمعرفة"
ولا يتوفر على
فلس واحد لتنفيذها.
الأولى،
ما دمت تسألني
عن البديل،أن يوضع
مورد هذه الصفقة
رهن إشارة هذا
المشروع على الأقل
كان سيوظف في بنية
تصب في القطاع
المخوصص.
أعود
وأقول بأن الهدف
من العملية هو
مواجهة الاكراهات
المالية وطمأنة
بعض الجيوب المتفجرة
ذات الطاقة الانتخابية
الواسعة وما سواها.
بالتالي فلمن قد
لا يتفقوا معي
عندما سألتني عن
الاستراتيجية
أقول...لو كانت هناك
حقا استراتيجية
فلتنبؤنا بكيفية
الحفاظ على التوازنات
عندما ينتهي زمن
البقرة الحلوب.
س: لماذا
اختارت الحكومة
تفويت هذه الحصة
من رأسمال اتصالات
المغرب في ظرفية
اتسمت فيها السوق
العالمية
للاتصالات بالانهيار؟
يحيى
اليحياوي: أنا لا أفهم جيدا
هذا المبرر. ما
معنى أن ظرفية
سوق الاتصالات
العالمي كانت غير
مستقرة؟ البورصة
بطبيعتها لا تعرف
الاستقرار الدائم
أو الانهيار الدائم
إلا في الحالات
الاستثنائية، وهو
ما تعرفه قيم شركات
الاتصالات بهذه
البورصات ، ترتفع
وتنخفض لكن وفق
ما يسمى بالتوازن
الطبيعي. وحتى
لو سلمنا جدلا
بأن فترة الانهيار
كان أمدها طويلا
نسبيا (وهو أمر
لم يكن واردا) فما
الذي كان يمنع
من تأجيل البث
فيها إلى حين تعود
الأمور إلى طبيعتها؟
وزير
المالية يقول بأن
أي عرض يقل عن 20.3 مليار
درهم كان سيدفعه
لتوقيف العملية،
ويقول من جهة أخرى
إن تسجيل هذا القدر
في الميزانية جاء
ليبين "أننا نعول"
على شيء.
لو كانت
الظرفية حائلا
دون الحصول على
هذا المبلغ فكيف
كان له أن يتصرف
وقد برمجه وبرمج
مسلك صرفه؟
هذه مفارقة
غريبة من مسؤول
على المالية العمومية.
ثم كيف تنسحب
شركة ضخمة من عيار
فرانس تلكوم في
ظرفية انحدار السوق
العالمية وتجازف
شركة أقلها قوة
في نقس الظرفية.
هناك
العديد من التساؤلات
لا نعرف مع الأسف
خبايا أجوبتها
لأن المعلومات
في الصفقات الكبرى
تبقى سرية إلى
حد بعيد.
س: صرح
السيد فتح الله
ولعلو لجريدة العلم
عدد 18522 أن تقييم الرأسمال
الكلي لاتصالات
المغرب حسب الخبراء
الدوليين يتراوح
ما بين 50 و 54 مليار
درهم، وبناء عليه
فإن تفويت حصة
35 في المائة بقيمة 23 مليار
درهم كان مبلغا
محترما.
في حين نلاحظ
من ناحية أخرى
أن المدير العام
للوكالة الوطنية
لتقنين الاتصالات
وفي سياق الاستجواب
الذي أجرته معه
Le Journal Hebdomadaire
في عددها
رقم 4 صرح بأن قيمة
رأسمال اتصالات
المغرب وصلت قبل
بضعة أشهر إلى
10 مليار دولار، الشيء
الذي يناقض تماما
تقييم الخبراء
الدوليين الذين
اعتمدهم السيد
الوزير مرجعا،
ما تعليقكم؟
يحيى
اليحياوي: يروج أن موقف
مدير وكالة تقنين
الاتصالات هو مجرد
رد فعل على استبعاده
من مختلف أطوار
عملية التفويت،
وهو الذي أشرف
فيما أعتقد على
صياغة دفتر تحملها.
ويروج أيضا أن
إشراكه في هذه
الأطوار لا يتطابق
ووظيفته التحكيمية.
ويروج أيضا أن
قانوني 39-89 و 24_96 لم يتحدثا
(في الأول) عن هذه
الوكالة، ولم يعطيا
(في الثاني) صلاحية
غير صلاحية إعداد
دفتر التحملات
وتسليمه لسلطة
الوصاية.
في كل
هذه الحالات الثلاث
جزء من الحقيقة،
لكن أن يصرح مسؤول
من قبيل مدير وكالة
التقنين مرتبطة
مباشرة بالوزير
الأول فيجب أن
يكون لذلك دلالته.
أنا أعتقد
أن في هذا التصريح
دلالتين:
-
الأولى
أنها لم تأت من
شخص عادي أو بعيد
عن الملف. فهو يعرف
اتصالات المغرب
بحكم مهامه ومضطلع
على حجم أملاكها
ومستوى مواردها
ومطالب بمعرفة
دقائق معطياتها
وإلا فلن تتسنى
له مهمة التحكيم.
-
الثانية
أن عدم مشورته
(لمجرد المشورة)
لربما كان من شأنه
أن يربك نسبيا
الحسابات الخفية
التي ربما لم تكن
لها مصلحة في أن
تتعدى الصفقة مستوى
ما حدد لها كحد
أدنى.
س: ما السر
إذن في الخروقات
الكبيرة بين مختلف
التقييمات؟
يحيى
اليحياوي: أعتقد
أن من بين الأسرار
أن كل تقييم يتم
وفق زاوية رؤية
معينة وفي تعدد
زوايا الرؤية واختلاطها
يسهل تمرير "الصفقات"...
س: أقدم
الفريق الاستقلالي
بمناسبة عملية
التفويت هاته بطلب
فتح تحقيق بالبرلمان
حول الملابسات
التي مرت
فيها
هذه العملية. وفي
ذات الوقت هناك
من يعتبر أن العملية
مرت في ظروف عادية
وبالتالي لا داعي
للخوض فيها. باعتباركم
باحثا في هذا الميدان
كيف يتم التداول
في قضايا من هذا
النوع بالدول الغربية
أو على الأقل في
فرنسا باعتبار
تجربتها لا تخفى
على مسئولينا بالمغرب
والذين غالبا ما
يأخذونها نموذجا؟
يحيى
اليحياوي: أن يطالب عضو
حزب وطني له تاريخه
ومساهم فضلا عن
ذلك في الحكومة
بفتح تحقيق برلماني
لمعاينة مكامن
الخلل في الصفقة
أمر ذو دلالة كبرى،
كونه يزكي طرح
التشكيك الذي اكتنف
أطوار العملية
منذ انطلاقها ويدفع
بضرورة إطلاع الرأي
العام على "أكبر
صفقة بالمغرب منذ
1956" . لكن ارتكان المسؤول
النقابي والسياسي
إلى الصمت فيما
بعد وإجراء جريدة"
العلم" مع وزير
المالية لحوار
مطول يبين فيه
"شفافية" العملية
ونزاهة أطرافها،
يدعو للاستغراب
ويزكي بدوره تواطؤ
العديد من الجهات
وسكوتها عما قد
يكون ضارا بمصلحة
البلاد.
بالدول
الكبرى(ما دمت
تسألني عن تجربتها)
الأمر مختلف. ففي
القضايا الاستراتيجية
الكبرى غالبا ما
تطلب الحكومة من
شخصيات علمية وأكاديمية
لها اضطلاع كبير
على هذه القضايا
بصياغة تقارير
تدرس من خلالها
واقع الحال على
مستوى مكامن الخلل
ومناطق القوة وتصيغ
توصياتها بناء
على ما توصلت إليه
من نتائج وخلاصات،
فتسلم للجهة المسؤولة
التي تدرسه بدورها
وتطلب تعميقه أو
توسيعه ثم تعرضه
للنقاش العام كأرضية
أولى لاتخاذ القرار...قد
يمتد هذا النقاش سنتين وأكثر
وقد تتفرع عنه
تقارير أخرى أكثر
تفصيلا...وهكذا
دواليك.
عندما
يستنفذ النقاش
تتم صياغة القرار
النهائي الذي يعرض
على المؤسسة التشريعية
لتبث فيه بعدما
تستنفذ جوانبه
النقاش الضروري...فيعتمد.
هذه باختصار
شديد جدا طريقة
اشتغال الدول الديموقراطية.
س: كيف
تجري الأمور عندنا؟
يحيى
اليحياوي: عكس كل هذا...فلا
تقارير خبراء،
لا نقاش في الميدان
العام، لا استشارة
المعنيين والعارفين...الخ.
من الطبيعي
أن تشوب العملية
نقط سوداء ويتزايد
التشكيك ويتكاثر
المنددون بذلك.
وعلى
أية حال فنحن في
المغرب لم نعرف
إلا ناذرا ما يحاك
ضدنا من أبناء
طينتنا...هذه تكهنات
فرضها علي سؤالك،
فأنا أتعفف من
مجرد ذكر بعض الأسماء.
س: بماذا
تفسرون تحمل شركة
فيفاندي مسؤولية
إدارة اتصالات
المغرب بالرغم
من أنها لا تمتلك
أكثر من 35 بالمائة.
وكذلك تصريح رئيس
فيفاندي للقناة
الثانية بأنه يعتزم
الحفاظ بالسيد
أحيزون
مؤقتا على رأس
الإدارة العامة
لاتصالات المغرب
علما أن هذا الأخير
معين بظهير ملكي
ومع العلم أن السلطة
التي تعين هي التي
من حقها الإعفاء
أو الاحتفاظ بشخص
ما في منصبه. من
ناحية أخرى هل
يعني الاحتفاظ
بالسيد أحيزون
أن القطاع أو المغرب
ككل عقيم إلى هذا
الحد ولم يستطع
إنجاب أطر أكثر
كفاءة وأجدر بالمسؤولية؟
يحيى
اليحياوي: في قصاصة لوكالة
رويترز للأسبوع
الماضي ورد أن
بنية اتصالات المغرب
ستكون كالتالي:
مجلس مديري أغلبيته
فرنسية، ومجلس
مراقبة أغلبيته
مغربية. سلطة التسيير
والتدبير هي لفيفاندي
وهذا أمر طبيعي
لأنها لا تملك،
حسب بعض الجرائد
المغربية، 35 بالمائة
فحسب من رأسمال
اتصالات المغرب
بل 51 بالمائة بالاعتماد
على 16 بالمائة حصلت
عليها "فيفاندي
الإمارات" فرعها
بالخليج.
س: ماذا
ستكون وظيفة مجلس
المراقبة "ذو الأغلبية
المغربية"؟
يحيى
اليحياوي: لست أدري بالضبط
أو لنقل بطريقة
مجازية...قل لي من
الحاكم أقول لك
من المحكوم. أما
تصريح رئيس فيفاندي
بأنه سيحتفظ بالرئيس
المدير العام الحالي
فلربما إلى حين
إطلاعهم على ملفات
الشركة وأصولها
الحقيقية أو لحين
ترتيب عملية تعيينه
بمؤسسة أخرى.
س: حسب
علمنا فإن الإدارة
الحالية لاتصالات
المغرب مارست عمليات
الإقصاء والتهميش
للعديد من الأطر
والكفاءات التي
يعتبر القطاع في
أمس الحاجة إليها
لا لشيء إلا لمجرد
أنها تنتقد سوء
اختيارات المسؤولين
وسوء تدبيرهم لشؤون
القطاع، في حين
أنها تغدق المناصب
والامتيازات بدون
حسيب ولا رقيب
لدوي الولاءات
واعتمادا على معايير
الزبونية والمحسوبية
الشيء الذي يتنافى
وشروط المقاولة
المؤسسة؟
يحيى
اليحياوي: الإقصاء والتهميش
والنفي ودفن الكفاءات
الحية هو العمق
الاستراتيجي للتخلف،بالتالي
فلا غرو إن مارسه
المغرب وهو في
المرتبة 126 ضمن مستويات
التنمية البشرية
العالمية.
لكن أن
يعيشه الإنسان
بقطاع البريد والاتصالات
بالمغرب له طعم
خاص ونكهة مميزة.
س: لماذا؟
يحيى
اليحياوي: لأن القطاع منذ
تركه المار يشال
اليوطي سقط بيد
حزب الحركة الشعبية.
وهو في التسمية
حزب، لكنه في حقيقة
الأمر طائفة متطرفة.
أنا أعتبره طائفة
ولا زلت أعتبره
كذلك لسببين:
+ السبب
الأول هو أنه لا
إمكانية لمن هو
خارج الطائفة
"عقائديا" أن يكون
جزءا منها كيفما
كانت كفاءاته وقدراته
الذهنية.
+ السبب
الثاني هو أن لا
"ثقافة" داخل القطاع
إلا "ثقافة" هذه
الطائفة حتى وإن
تسلم مسؤولية القطاع
أناس لا يؤمنون
بالثقافة إياها.
ليس مبعثا
للعجب إذن أن نلاحظ
أناسا دخلوا القطاع
جهالا، حفاة، عراة
وخرجوا منه "سادة
للقوم" بالقياس
إلى ما يحتكمون
عليه من عقارات
وضيعات وحسابات
و"زعامات سياسية".
وليس من العجب
في شيء أيضا أن
يضيق الحصار على
كفاءات مشهود لها
ومن عزة القوم
فضلا عن ذلك أو
تعيش به.
أعتقد
أن منطق الطائفة
هو الذي جعل من
القطاع ضيعة لا
مؤسسة عمومية ومن
نشاط الاتصالات
(والبريد كذلك)
حقلا للارتشاء
والاغتناء لا حقلا
لإغناء فضاء المرفق
العام. لهذا السبب
ولغيره أزعم أنه
كان من المفروض
تأميم القطاع قبل
خوصصته وهو لربما
ما سيفاجئ فيفاندي
يونفرسال.
س: كيف
تفسرون هذه التخفيضات
المتتالية في أسعار
الهاتف في الأشهر
الأخيرة، ولماذا
لم تقم بها اتصالات
المغرب في عهد
الاحتكار، فما
المانع خاصة وأن
الإدارة هي والمسؤولون
السابقون هم أنفسهم
الجاثمون إلى الآن؟
يحيى
اليحياوي: التخفيض في الأسعار
في ميدان الاتصالات
لا يمكن أن يتم
(على الأقل من الوجهة
النظرية) إلا على
أساس اعتبارين
اثنين:
-
تحقيق مستويات
اقتصاد سلم عالية
تجعل من المفروض
منح امتيازات تسعيرية
للمشتركين.
-
أو ضغط المنافسة
في حالة تكسير
منطق المركزية
والاحتكار.
س: ماذا
تعني مستويات اقتصاد
سلم عالية؟
يحيى
اليحياوي: تعني، باختصار
شديد، أنه كل وحدة
اتصالية إضافية
لمشترك إضافي تنتج
رقم معاملات إضافي
وربما متوسطا إضافيا
يدفع الفاعل الأساسي
في القطاع أن يقتسم
ذلك مع باقي المشتركين.
وهذا أمر وارد
بالنسبة لحالة
المغرب إذ أن زيادة
عدد المشتركين
يساهم في تقليص
الكلفة فيما بينهم
وبالتالي التسعيرة
المطبقة...على فاتورة
كل منهم (على مستوى
تكلفة المكالمات
لا تكلفة الاشتراك).
أما ضغط
المنافسة فمعناه
أن الشركة المحتكرة
تجد نفسها مضطرة
إلى مسايرة الأسعار
الجارية (حتى وإن
كسرت أسعارها من
أجل ذلك) حتى لا
ينسحب عنها مشتركوها
أو يتحول عنها
من لهم النية في
الاشتراك...هذا
هو السياق العام.
س: كيف
لنا أن نستقرأ
السياسة التسعيرية
لاتصالات المغرب؟
يحيى
اليحياوي: هناك فيما أعتقد
استثناء على القاعدتين،
إذ أن اتصالات
المغرب لم تعترف
يوما (إلا في الشهور
الأخيرة) بأنها
تحقق اقتصاديات
سلم، ثم إنها لم
تساير التسعيرة
المنافسة فيما
يخص المكالمات
الهاتفية (من النقال
إلى القار والعكس
بالعكس) بقدر ما
دشنت حربا إعلامية
وتجارية ضد فاعل"
شرعي" يعمل في هدوء
ودونما ضجيج إعلامي
كبير.
س: ماذا
يعني هذا؟
يحيى
اليحياوي: يعني واحدا من
أمرين:
-
إما أن ما
اعتمدته اتصالات
المغرب هو بالأساس
تكسير للأسعار
(مكالمات واشتراكات)
وكأنما تتبنى منطق
"علي وعلى أعدائي"
، وهو منطق يدل (زمن
احتكار الهاتف
النقال على الأقل
) أنها كانت تمارس
"النهب المقنن"
على خلفية من الاحتكار
التي كانت تتمتع
به قبل دخول الفاعل
الثاني في الهاتف
المنقول.
-
أو أنها
لم تكن تتوفر على
محاسبة تحليلية
تمكنها من خفض
الأسعار بطريقة
عقلانية وحكيمة
لا تجعلها موضع
اتهام على خلفية
"المساعدات المتبادلة"
كما يدفع بذلك
منافسها في الهاتف
النقال.
أنا أعتقد أن الأمران معا واردان، إذ بقدر "السلوك الانتحاري" في تكسير الأسعار والاشتراكات ( من 50 إلى 70 بالمائة) بقدر عدم احتكامها إلى محاسبة تحليلية تنير لها طريق اتخاذ القرار الصائب، وهو ما جعلها (ويجعلها) تخبط خبط عشواء في ذاتها وفي المحيطين بها.
س: هناك
من يدعي أن خوصصة
اتصالات المغرب
مسألة حتمية تفرضها
تداعيات العولمة
واكتساح قيم اقتصاد
السوق. باعتباركم
ألفتم العديد من
الكتب والدراسات
و المقالات حول
العولمة كيف تقيمون
هذا الطرح؟
يحيى
اليحياوي: التحرير والخوصصة
إحدى عناصر العولمة
السائدة حاليا،
بالتالي فلا يمكن
فصل هاتين عن تلك.
صحيح أن كل دول
العالم تحرر أسواقها
وتفتح رسا ميل
شركاتها، لكن في
إطار استراتيجيات
محددة وخطوط حمراء
معتمدة (المرفق
العام، مبدأ السيادة،
المصلحة العامة
للبلاد...الخ). لهذا
الاعتبار ولغيره
أستطيع أن أفهم ما يجري من
تحريرو خوصصة بكل
من فرنسا أو إسبانيا
أو إيطاليا أو
اليابان حتى، لكني
لا أستطيع ذلك
في دول العالم
الثالث حيث تتعمق
برامج التقويم
الهيكلي على خلفية
من تحديات العولمة.
أنا غالبا
ما لا أتحفظ كثيرا
على مبدأ تحرير
بعض الأسواق القطاعية
سيما إذا ساهمت
في تحريك الاحتكارات
والدفع بالإنتاج
والخفض في الأسعار
لصالح المستهلكين.
لكني من المناهضين
للخوصصة ليس فقط
من الناحية المبدئية
ولكن كذلك لكونها
تحارب الحق في
المرفق العام وفي
السيادة وفي الحفاظ
على مقومات التنمية
الذاتية.
الحاصل
بالمغرب مثلا هو
أن خطاب العولمة
أصبح مطية لتبرير
سياسات غالبا ما
تكون ضيقة النظرة
كما هو الشأن إزاء
اتصالات المغرب.
بمعنى أن تفويتها
فوت على البلاد
إمكانية تكوين
قطب تكنولوجي متمحور
حول القطاع العام
في المستقبل، لأن
التجربة بينت أن
مواجهة العولمة
تمر بالأساس من
خلال تقوية المناعة
الداخلية التي
تضمنها السياسات
العمومية وتتبناها.
س: الدعاية
الإشهارية المبالغ
فيها بالنسبة لاتصالات
المغرب هل تمليها
طبيعة الحرب التجارية
ومتطلبات المركتينغ
والمنافسة ضد غريمها
"ميديطيل" أم هي
مجرد مساحيق تخفي
من ورائها أشياء
أخرى؟
يحيى
اليحياوي: هذه الحملة الإشهارية
التي تبنتها اتصالات
المغرب منذ أكثر
من سنة تثير في
ذهني أربع ملاحظات:
- أولا ألاحظ أنها
لا ترتكز على قيمة
الخدمة في حد ذاتها
بقدر ما تركز على
بعدها الخارجي
سيما على مستوى
الأسعار. وهذه
سياسة تجارية تقليدية
مبنية على الإغراء
على خلفية من ضعف
الأسعار. وأنت
تعلم محدودية هذه
السياسة على اعتبار
استحالة تمديد
الأسعار إلى الأسفل
إلى ما لا نهاية.
بمعنى أن اعتماد
مبدأ "حرب الأسعار"
لا يضمن لأطرافها
إمكانية الاستمرار،
إذ سرعان ما سيرتكنون
للتنسيق في تهدئتها
ورفع الأسعار من
جديد لنعود إلى
نقطة الصفر.
- ثانيا،
ألاحظ أن وتيرة
تمرير الوصلات
مبالغ فيها إلى
حد كبير وعلى مستوى
كل وسائل الإعلام.
هذه الوتيرة لا
تسهم فقط في تمييع
المادة المعروضة
ولكن أيضا في خلق
رد فعل سلبي إزاءها.
وقد أستطيع القول
بأن العديد من
المشتركين في الهاتف
النقال باتصالات
المغرب لم يعودوا
يعرفون ما هي الوظيفة
الأساسية لهذا
الجهاز.
- ثالثا،
هذه الدعاية، في
جزئها المكتوب
على الأقل، أصبحت
وسيلة لإسكات بعض
الصحف أو لاستقطاب
أخرى على خلفية
منحها أو عدم منحها
الإشهار. بمعنى
أنه لو تجرأت جريدة
على انتقاد ما
يجري أو أبانت
عن خلل أو فضيحة،
فهي غالبا ما تحرم
من مورد هي في حاجة
"إليه أيما تكن
الحاجة".
-
الملاحظة
الرابعة هو أن
هذه الحملة ذات
بعد مؤسساتي خفي
يتمثل في طبيعتها
المشخصنة أي أنها
صورة لنموذج في
"التسيير العقلاني"
و"التدبير الشفاف"
وغيرهما. هذه هي
المساحيق التي
تحدثت عنها...وهي
مساحيق من كل ألوان
الطيف.
س: هل هناك
مقاييس لتسليم
الإشهار للجرائد؟
يحيى
اليحياوي: لست متأكدا.
س: تروج
إشاعات على أن
هناك جهات تسعى
لإبقاء الرئيس
المدير العام الحالي
على رأس مؤسسة
اتصالات المغرب
لاعتبارات مصلحية
معللة ذلك باعتبارات
أمنية...ما رأيكم؟
يحيى
اليحياوي: هناك أشخاص منحهم
الله "صفات" نادرا
ما تجدها عند غيرهم
من قبيل رضى السلطة
عليهم، يعرفون
حميمية بعضهم البعض
ويرقصون على نغم
واحد. هذا أمر لا
يهمني كثيرا، لكن
الأهم هنا والأخطر
هو عندما يتحول
هؤلاء الأشخاص
إلى مؤسسات معنوية
قد تصل إلى درجة
"القداسة". حينها
لا يتعذر على الإنسان
محاسبتهم فحسب
بل يصبح من المستحيل
التحاجج ضدهم أو
نعنهم بالأصابع.
وهذا هو حال قطاع
البريد والاتصالات
منذ تسلمته الحركة
الشعبية وعاثت
فيه فسادا دونما
حسيب ولا رقيب.
ولك أن تراجع لائحة
المسيرين بالبريد
والاتصالات وسترى.
هل يبقون على الرئيس
المدير العام الحالي؟
من دون شك على الأقل
لبعض الوقت. هل
يخلصوا القطاع
من "ثقافة" الحركة
الشعبية؟ لست أدري.
كل ما
أدريه هو أن العديد
من الكفاءات المغربية
العالية بالاتصالات
والمعلوميات تهاجر
إلى الخارج في
تذمر كبير دونما
بحث قي الأسباب
من لدن القائمين
على القطاع. والغريب
في الأمر أن وزير
البريد صرح مؤخرا
أنه سيتم تكوين
آلاف المهندسين
إلى غاية 2003 وعشرات
الآلاف من التقنيين
العاديين في أفق
2001.
ما الفائدة
من هذا التكوين
وتبذير المال العام
على أناس لا تضمن
لهم الحد الأدنى
من الحرية والعيش
الكريم فيضطروا
تحت ضغط المعيش
اليومي إلى الهجرة؟
هنيئا
لألمانيا وكندا
وفرنسا بكفاءات
لم تصرف عليها
سنتيما واحدا وهنيئا
لنا بجمالية الوعود
وفن الخطاب...
حاوره...عبد
الحفيظ محمد
أسبوعية
"المستقل"، العدد
356 ، 22-28 فبراير 2001