"قاعدة
الجهاد في
بلاد المغرب
الإسلامي"
في
الذكرى
الخامسة
لأحداث
الحادي عشر من
شتنبر من
العام 2001, أعلن
أيمن
الظواهري من
على إحدى مواقع
الإنترنيت, عن
التحاق
"الجماعة
السلفية
للدعوة
والقتال"
(المتمترسة
بجبال وغابات
الجزائر)
بتنظيم القاعدة,
وتقديمها
الولاء المباشر
لزعيمها
الشيخ أسامة
بن لادن,
والتزامها
المطلق بخط "الجهاد
ضد الصليبيين
ومراكز
الطاغوت".
لم
تستعجل
الجماعة
كثيرا لتوكيد
ذات الإعلان,
بل تمهلت لحين
مواتاة
الظروف
ليتسنى لها
موسطة ذلك
دعائيا بفعل
معتبر, يدشن
لقيام
التنظيم
ميدانيا,
ويؤرخ لسمو
مقام الحدث,
حدث الإعلان
عن الولادة
الجديدة. فكانت
التفجيرات
السبعة
المتزامنة في
الثالث عشر من
فبراير
بولايتي
بومرداس وتيزي
أوزو, إيذانا
عمليا ورسميا
بدخول
الجماعة
مرحلة الفعل
تحت لواء
"قاعدة
الجهاد في
بلاد المغرب
الإسلامي".
وإذا
أضحى من
البديهي
اليوم أن
يتساوق تغيير
إسم الجماعة
مع تنفيذ
عمليات تشبه
في شكلها, كما
في أهدافها
كما في
توقيتها,
عمليات تنظيم
القاعدة/الأصل
وتحمل إمضاءه,
فإن كل ذلك
أتى أيضا في
سياق دولي
وإقليمي, إحدى
مستجداته
الأهم إعلان
الولايات
المتحدة
الأمريكية
عزمها على
إنشاء قيادة
عسكرية موحدة
خاصة بإفريقيا,
تغطي لها
بالقارة
السوداء ما لم
تستطع
القيادات الفاعلة
عبر العالم
تغطيته, أو
تغطيه جزئيا
فقط.
ليس
من الصدف
الخالصة إذن,
أن تأتي
تفجيرات
الجزائر على
يد التنظيم "الجديد"
تزامنا
ومحادثات
الأمريكان مع
بعض حكومات المغرب
العربي
(والساحل
الإفريقي
أيضا), بغرض
تحديد مكان
إقامة
القاعدة/القيادة,
ووضع تصور لطبيعة
علاقات
القيادة
إياها مع مؤسسات
الحكم
القائمة...
أعني مع
مخابرات هذه الأخيرة,
وأجهزة أمنها.
لو
كان للمرء أن
يرصد بعض من
الدلالات
الكبرى التي
ثوت خلف إنشاء
تنظيم
للقاعدة
"ببلاد المغرب
الإسلامي"
(متمحور لحد
الساعة حول
الجماعة
السلفية),
لاستوقفته
حتما ثلاث
دلالات كبرى,
من المتعذر
حقا التجاوز
عليها, أو غض
الطرف عن
تداعياتها:
+
فالجماعة
السلفية كانت,
منذ إنشائها
أواسط ثمانينات
القرن الماضي,
تدين بالولاء
عقائديا
ومذهبيا
وإيديولوجيا
لتنظيم
القاعدة, لكنها
حصرت فضاء
اشتغالها
بالجزائر
طيلة سنوات
الحرب
الأهلية, التي
عصفت بالبلاد
في أعقاب
إلغاء نتائج
الانتخابات
هناك من لدن
المؤسسة
العسكرية,
بإيعاز من
الفرنسيين
والأمريكان
ومن غيرهم.
ولما
كانت الجماعة
تعمد إلى نفس
أساليب التنظيم/المركز,
وتتغيأ نفس
الأهداف, فإنه
لم يعد ثمة من
مسوغ يحول دونها
ودون إعلانها
الالتحاق به
جهرا وعلانية,
لكن على أرضية
العمل الجهوي
والإقليمي
الموسع, وليس
فقط على مستوى
الإقليم
الواحد, إقليم
الجزائر.
+
والجماعة
السلفية لم
تكن تراهن,
منذ اليوم الأول,
على قانون المصالحة
الوطنية,
فتأكد لها, في
أعقابه, أن
خيارها كان
"صائبا", وأن
أفق المصالحة
مسدود في مآله,
سيما وأن
الفصائل
المسلحة التي
قبلت بالقانون
إياه لم تجن
بالمقابل
امتيازات
سياسية أو اعترافا
جديا لا رجعة
فيه, بل
طاولها
الإقصاء السياسي
والإهمال
الاجتماعي,
لتذوب
بالمحصلة في
مجريات واقع
الحال, دونما
أن تتحصل على
ثمن ما أقدمت
عليه, حينما
قبلت بتسليم
السلاح
والنزول من
الجبال
والمخابئ.
وما
دام قد تأكد
لديها بالحجة
والبرهان, أن
لا مجال للمراهنة
على دعاوى
السلطة
ووعودها, فإن
الأجدى (أو
هكذا يبدو
لزعمائها) أن
تستمر في
"خطها الجهادي",
إلى أن تدرك
بقوة النار
والحديد, ما
لم تتوفق
"أخواتها في
الجهاد", في
إدراكه
بالسياسة أوالمهادنة.
+
والجماعة
السلفية بقدر
ما أدركت, في
استقراء دقيق
لمجريات الأحداث
بإفريقيا, أن
الولايات
المتحدة (غريم
تنظيمها/الأصل
الأكبر) عازمة
على
استهدافها لا
محالة وعن قرب
هذه المرة, في
إطار
مشاريعها
لمحاربة
الإرهاب
وإيديولوجيا
الإرهاب,
فإنها أدركت
وتدرك
بموازاة ذلك,
أن تكسير
عودها سيكون
هينا إن هي
بقيت محلية
الفعل, قطرية
التوجه. فعمدت
بالتالي, إلى
توسيع مجالها
ليطاول فضاء
جغرافيا يضم دول
المغرب
العربي
تأكيدا, لكنه
يتعداها ليغطي
دول الساحل الإفريقي
المجاور.
فكانت
التسمية دالة
قطعا على
التوجه بجهة
جزء من
إفريقيا,
تراءى
للتنظيم
الجديد أنه
سيكون مجال
محاربة
"الصليبيين"
بامتياز.
وإذا
كان السياق
الدولي
والإقليمي
"الجديد", قد
أسهم كثيرا في
تسريع قرار
التحاق
الجماعة
عضويا بتنظيم
القاعدة,
بعدما كان الأمر
مقتصرا ولسنين
طويلة, على
التقاطع
العقائدي
والمذهبي
والإيديولوجي,
فإن ثمة أيضا
اعتبارات
داخلية (
وأولاها حالة
الاحتقان
السياسي
المستمرة
بالجزائر),
دفعت الجماعة
لأن تبقي على
خطها, دونما
مساومة على
التوجه, أو
استسلام
للإغراء
المغلف
بالترهيب:
°-
فالسلطة
بالجزائر, لم
تتخذ من
المصالحة
الوطنية
وسيلة للخروج
من أزمة ما
بعد الحرب
الأهلية, بل
اتخذت منها
غاية في حد
ذاتها, اعتقدت
(السلطة أعني)
أن أطوارها قد
استكملت ما
دامت قد
اعتمدت شعبيا,
وتم التجاوب
معها من لدن
بعض الجماعات.
في حين تعتقد
الجماعة
السلفية, أن
المصالحة
إياها لم
تسائل الجوهر
وبقيت حبيسة
المظهر, مظهر
ما يسميه
الجزائريون
بظاهرة
"الحكرة"...أي
الاحتقار في
أقوى وأبشع
تمظهراته.
°-
ثم أن السلطة
بالجزائر
شرعت لنفسها
التعامل مع
الأمريكان,
وفتحت السبل
أمامهم
للاستثمار
المباشر في
النفط وفي
غيره, ولإقامة
القواعد
بالصحراء
أيضا...وهو ما
لم تستسغه
جماعة لا
تتحرج في
الإعلان, بأن
لها ثأر دم مع
الأمريكان
حيثما حل
جنودهم أو ارتحلوا.
هما
مستويان
جوهريان لم
يؤديا فقط إلا
تعميق التشدد
من بين ظهراني
الجماعة, بل
أديا أيضا إلى
تصلبها
بالارتماء
المباشر
والعضوي في أحضان
تنظيم, تقول
الأدبيات إن
منظومته
العقدية
متحجرة, وتصوره
متجمد, وسبل
التعامل معه
تدخل في عالم
المستحيلات.
وإذا
بات التنظيم
"الجديد"
حقيقة واقعة
بالوقت
الراهن (على
الأقل
بالجزائر),
فإن التساؤل
البديهي يبقى
قائما بجانب
عما يراهن
عليه, فيما
يخص باقي
الدول التي
يتطلع إلى
توسيع نشاطه
إليها:
+
فالمغرب "حسم"
مسألة
الحركات
الإسلامية
منذ السادس عشر
من ماي 2003, إما
عبر الزج
بعناصرها
وأتباعها
بالسجون, أو
من خلال محاصرتها
بالمساجد ومن
بين ظهراني
الجامعات
ومؤسسات
التعليم, أو
بتطويعها
بسبل الترهيب
المباشر أو
بالترصد الأمني
المستمر...أو
بإغراء جزء
منها للدخول في
العمل السلمي,
وفق ما هو
سائد من
قوانين
ولوائح
وتشريعات.
وعلى
الرغم من
القول بوجود
"جماعة
مقاتلة" بالمغرب
(تسنى لها
تنفيذ عمليات
سابقة
بأوروبا), أو
كانت ثاوية
خلف تجنيد بعض
الشباب
للالتحاق
ببلاد
الرافدين,
فإنها لم تعلن
ولاءها
للقاعدة لحد
الساعة, حتى
بوجود عناصر
مغربية نافذة
بالتنظيم
المعلن عنه.
+
وتونس لا
تتحرج (خطابا
وممارسة) في
المجاهرة,
بأنها باتت
مختبر
استئصال
الحركات
الإسلامية المتطرفة
بامتياز, ولم
يعد لها
(بالخطاب
الرسمي هناك)
من أثر يذكر
بالبلاد, حتى
وإن أتت
الأحداث بين الفينة
والأخرى بعمل
هنا أو هناك,
من لدن جماعات
توصف
ب"المتشددة"...
وليس
المتطرفة, كما
هو الشأن مع
الجماعة
المقاتلة
مثلا.
+
وموريطانيا
بدورها, لا
تعرف إلا "الحركات
الإسلامية
المعتدلة"
التي تعمل
سياسيا بالفضاء
العام, أو
هكذا يقال...و"الانفتاح
الديموقراطي"
الذي وعد به
العسكر, سيكون
من شأنه
(نظريا على
الأقل يقول
أصحاب هذه
الأطروحة)
إغراء
المتشدد منها
لركوب موجة
العمل
السياسي, عوض
الارتكان إلى
عمليات في
العنف "لم يعد
من جدوى لها
بعد اليوم"
(بعد الانفتاح
يقصدون).
ومع
ذلك, تبقى
موريطانيا (من
خلال الخلايا
النائمة
للجماعة
المقاتلة)
مكمن رهان
كبير من لدن
التنظيم
الجديد, كونها
تمثل المدخل
الجغرافي
الأهم لقلب
إفريقيا
السوداء, حيث
تعتزم القيادة
الأمريكية
الفعل.
قد
يكون بكل ما
ورد بعض من
الحقيقة, سيما
لو علمنا مدى
بطش النظم
المغاربية
بغرمائها
الإسلاميين,
ومدى قدرتهم
على
استهدافهم إن
هم "تجاوزوا
الخطوط الحمر"...خصوصا
وأن كل دول
المنطقة قد
اعتمدت
قوانين في
الإرهاب, تجرم
القول والفعل
على حد سواء.
وقد
يكون به بعض
من عناصر
الصواب, على
اعتبار تحالف
مخابرات
المنطقة مع
المخابرات
الأمريكية,
لترصد هؤلاء
واختراقهم
وهم بأوكارهم
متخفون.
لكن
الذي لا يمكن
تجاهله حقا,
إنما الطبيعة
الشبكية التي
يشتغل وفقها
تنظيم
القاعدة/الأصل,
ويحث خلاياه
بالعالم على
اعتمادها
وسلك سبيلها...وهو
ما يعفيه من
إكراهات
الجغرافيا وفضاءات
التدريب
الواسعة. هو يشتغل
وفق منطق حرب
العصابات,
يستوظف فيها
تقنيات الكر
والفر, يركن
للنوم عندما
تستنفر أجهزة
الأمن والمخابرات,
ويخرج من وكره
عندما تتراخى
ذات الأجهزة, أو
تخفف من
ضغوطاتها
عليه,
فيباغتها من
حيث لا تدري.
والتنظيم
لا يحتاج
كثيرا إلى
مراكز تجمع,
أو مراكز تأطير
أو معسكرات تجنيد
واسعة, بقدر
ما يراهن على
التنسيق عن
بعد, إما عبر
استوظافه
الجيد
لتقنيات
الاتصال, أو
من خلال بعض
من الخلايا
الصغيرة, تبقى
متخفية عن
الأنظار, ولا
تتحرك للفعل
إلا عندما يتوفر
لها منسوب
معين من عناصر
النجاح.
القاعدة
ليست تنظيما
هرميا بإمكان
المرء رصد
تراتبيته, أو ضبط
مستوى اتخاذ
القرار,
وإصدار
الأوامر
بالتنفيذ. هي
ليست منظومة
ممركزة أو
عمودية, لا
يتصرف
أعضاؤها إلا
بإذن مسبق من
زعيم التنظيم
أو الفرع أو
الخلية. هي
تنظيم مرن
البنية, أفقي
البنيان,
يشتغل
بالاحتكام
إلى ما يجمع من
معطيات
ومعلومات,
وغير مكترث
بالزمن في تنفيذ
عملية هنا وهناك...من
المبالغ فيه
بالتالي,
القول بسهولة
تقويضه, أو
كسر ظهره
باللجوء
للقوة, وللقوة
وحدها.
من
جانب آخر,
فتزايد وتيرة
الاحتقان,
وانسداد
الأفق بمعظم
دول المغرب
العربي, يجعل
من عملية
استقطاب منتسبين
جدد أمرا هينا
بكل المقاييس,
ليس فقط من
مخزون الفئات
الناقمة على
الوضع
الداخلي
(والتي يتم
استقطابها
بالمال
مباشرة), بل
وأيضا من إناء
المهمشين
بدول المهجر, المتحصلين
على الجنسيات
الأجنبية,
والغاضبين
عما آلت إليه
أحوال
بلدانهم, جراء
استسلامها
لضغوطات هذه
الدولة, أو
إملاءات تلك.
وإذا
كان المرء لا
يستطيع أن
يزايد على
حكومات
"المغرب
الإسلامي"
سياساتها الاحترازية
في مواجهة
التنظيم
الجديد, للحؤول
دون أن ينفذ
عمليات قد
يذهب
بجريرتها الأبرياء
والفقراء قبل
غيرهم, فإنه
لا يستطيع بالقدر
ذاته, أن يخفي
خشيته من أن
تتحول الحرب
المعلنة على
التنظيم (سيما
في ظل
التوجيهات
الأمريكية),
إلى سياسات
عمياء تستهدف تعميم
الذعر وتسويغ
سلوكات تكميم
الأفواه,
والتضييق على
حرية الأفراد
والجماعات, أو
ترصد حلهم
وترحالهم...
وهم براء من
رهانات ما يجري.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
12 مارس 2007