عن إشكالية الأمازيغية بالمغرب

 

 

ثمة مسلمة كبرى لا بد من سياقها بداية هذا الحديث, رفعا لكل لبس ودرءا لكل التباس: الأمازيغية هي رافد من روافد الثقافة المغربية, بالتاريخ القديم, كما بالحديث والمعاصر. هي مكون أساس من مكونات الهوية المغربية, التي لا يمكن أن تقوم أو تستقيم باستبعاد هذا العنصر الجوهري الثابت ضمنها وبصلبها. هذه مسألة بديهية, من التجاوز على التاريخ والجغرافيا جهلها أو تجاهلها, أو غض الطرف عنها, لهذا الاعتبار أو ذلك.

 

بالتالي, فأنا لست ممن يعتبر الأمازيغية مشكلا قائما بالمغرب, بل أنا ممن يعتبرها عنصر إغناء وإثراء للهوية المغربية الشاملة, في شكلها كما في جوهرها. ومهما يكن من أمر,  فالمسألة لم تكن يوما مشكلا يستحق التوقف, ولا إشكالية تستاهل التفكيك, وإن طرحت هنا أو هناك, بهذه الصيغة أو تلك, تحت هذا العنوان أو ذاك, فلم تكن تطرح بالقوة والحدة اللتان تطرح بهما منذ مدة قريبة.

 

إن الذي يتعامل مع الأمازيغية باعتبارها عنصرا دخيلا, أو مكمن إقصاء لهذا السبب أو ذاك, إنما يحيل على تصورين اثنين, على نقيض تام فيما بينهما, لكنهما يصبان معا في نفس المعين, وينهلان من نفس المنهل:

 

+ الأول ويكمن فيما يسميه البعض بالغبن التاريخي الذي طاول الثقافة والهوية الأمازيغية, جراء هذا السياسة المقصودة أو تلك, على خلفية من هذه النعرة "الثأرية" أو تلك. ويستدل أصحاب هذا الرأي على ذلك, بطغيان اللغة العربية, وسيادة الفرنسية بالإدارات والمرافق العمومية, واستثناء الرموز السيميائية الأمازيغية بالجملة والتفصيل, بما فيها الأسماء الخاصة, لا بل وعدم التنصيص على الأمازيغية كلغة, أو لهجة رسمية بالدستور, تعطيها قوة بالواقع, ورمزية في المخيال العام.

 

+ أما الرأي الثاني, فيرتكز على معطى الاختلاف, ليدفع بأطروحات مفادها الحاجة إلى تميز وتمايز الأمازيغ, بالقياس إلى العرق العربي, الذي يبدو لهم مهيمنا وضاغطا, بل ومستفيدا من وضعية اعتبارية, لا يستطيع "سكان المغرب الأصليون" إدراكها.

 

 من جهة أخرى, يلاحظ ذات الرأي أن من ضمن سياسة الإقصاء الممنهج للعنصر الأمازيغي, الإقصاء الممارس من لدن الإعلام السمعي والبصري تحديدا, والذي يقدم الثقافة الأمازيغية بصيغة فلكلورية, يختزل بموجبها هذه الثقافة, في الرقص والغناء, ويستوظفها لتأثيث سهرات أسبوعية مقززة, لا تمثل لب وجوهر هذه الثقافة.

 

قد يكون بهذا الطرح, كما بذاك, بعض من الوجاهة والصواب, إذ طاول الإهمال والإقصاء حقا أجزاء مهمة من البلاد, لاعتبارات تاريخية محددة, لا بل أن حتى الراحل الحسن الثاني نأى بنفسه عن زيارة بعض المناطق (منطقة الريف شمال المغرب تحديدا), وعملت الحكومات المتتالية في عهده, على تهميشها بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية, حتى بلغها الضيم والجوع, وباتت مناطق منبوذة بكل المقاييس ومعايير التنمية.

 

لكنه من الادعاء الصرف القول بذلك في عهد الملك محمد السادس, الذي أعاد الاعتبار لذات المناطق, وحول العشرات من المشاريع لفائدتها, لا بل ولا يفتأ يزورها بانتظام ويقيم من بين ظهراني أهلها, رفعا للمظلومية التاريخية التي تعرضوا لها, وعملا من لدنه على دمج منطقتهم بما سواها من مناطق البلاد.

 

أما القول بأن منسوب تواجد الأمازيغية بالحياة العامة, كما بالإعلام, مرده هيمنة اللغة العربية, فهذا أمر غير دقيق, إذ الأمازيغية كما العربية, هما معا ضحية اللغة الفرنسية, بإطار الإيديولوجية الفرنكفونية المهيمنة على المجالات الحساسة. الأمازيغية هنا كما العربية, هما معا ضحية لهذا المد والتواجد الفرنكفوني, الكابس على الأنفاس بالشكل والمضمون. وإذا كان للعربية بعض من الامتياز (بالقياس إلى الأمازيغية) فبسبب أنها اللغة الرسمية, التي تتحدث بها الغالبية العظمى من السكان, وليس بسبب إقصاء للأمازيغية من أجل الإقصاء, أو هكذا يبدو لنا الأمر.

 

أما عن التعاطي مع المسألة من الزاوية العرقية, وامتطاء ناصيتها للمطالبة بحقوق من نوع ما, وضمنها التميز الجهوي على أساس عرقي, فهذا أمر لا يمكن أن يستساغ, فما بالك أن يتم تفهمه. صحيح أن ثمة اختلافات ثقافية ولغوية وعرقية إلى حد ما, لكنها بالمحصلة تعبير طبيعي عن تنوع قائم لا يمكن القفز على حقيقته بأي حال من الأحوال.

 

 أتصور أن ثمة حسابات ومصالح مضمرة تتدثر بهذا الحق للتجسد, أعني إنها من قبيل قول حق الذي يدفع به لإدراك باطل, على الأقل من حقيقة أن كل مناطق المغرب مهمشة ومقصية, وإلا فالمفروض أن يعمد إلى منح حكم ذاتي لكل من طاوله التهميش والإقصاء, وهذا أمر غير منطقي بالمرة.

 

إن بعض "المثقفين الأمازيغ", الذين يزايدون على العروبة والإسلام, إنما يزايدون على الأمازيغية على أساس من حسابات ارتزاقية صرفة, أو بدفع من بعض الموغلين في الحداثة بالخارج, والمختار السوسي على الأقل, براء منهم بالشكل والمضمون.

 

إن الارتكاز على هذه الاختلافات الطبيعية للدفع بمطالب فئوية صرفة, عرقية بالأساس, إنما مبتغاه إذكاء الفتنة, أو بلوغ مآرب مادية ليست سليمة دائما. إذا لم يكن الأمر كذلك, فما تفسير, الادعاء بوجود "شعب أمازيغي"؟ وما السر في لجوء بعض "الأمازيغ" إلى ربط تحالفات مجانية مع بعض الجمعيات الإسرائيلية, وبعض المنظمات الكردية, على خلفية من مسوغ "الحقوق الأصلية"؟ وما السر في لجوء بعض من هؤلاء للخارج للاستقواء على بلدانها, والمطالبة ب"الحماية الأجنبية ضد الاضطهاد الذي يتعرض له الأمازيغ"؟

 

أنا أتصور أن واقع التخلف, وغياب التوزيع العادل للثروات, وتغييب البعد الديموقراطي في الفعل السياسي, هي العناصر التي يجب الدفع بها والنضال من أجل إدراكها. فلو كان كل المغاربة مستفيدون من الثروة والسلطة بإنصاف وعدل, لما طرحت كذا قضايا بالأصل. أما وأن ذلك ممركز بين يدي مجموعة محصورة ومحددة, والتخلف ضارب أطنابه, فإن أسهل ما يمكن اللجوء إليه, هو التقوقع حول الذات, ورفع المطالب التي تبدو مبنية في مظهرها, لكنها محكومة بتصور بدائي صرف في جوهرها.

 

 أزعم أن الدفع بكذا قضايا لا يخلص من تخلف, ولا يفتح السبيل بجهة إذا لم يكن التقدم, فعلى الأقل الأمل فيه.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 3 غشت 2009