السفير
الأمريكي
بالمغرب... حاكما
مدنيا؟
تنتدب
الدول
والحكومات,
منذ قديم
العهود والأزمان,
ممثلين لها
لدى الدول
والأقوام الأخرى,
يعمدوا
للدفاع عن
مصالحها,
ويقوموا على
خدمة رعاياها
المتواجدين
هناك, ويصيغوا
تقارير سرية
أو علنية عن
واقع ذات
الدول والأقوام,
وما يتموج من بين
ظهرانيها
سلبا أو
بالإيجاب.
ولما
كانوا خاضعين
لأعراف
وقوانين في
الدبلوماسية
والعلاقات
فيما بين
الدول, فهم (الممثلين
أعني) مقيدون
حتما باحترام
سيادة الدول
حيث يوجدون,
فلا يتدخلوا
في شؤونها
الداخلية, ولا
يأخذوا مواقف
من القضايا
المحلية
سياسية كانت
أم اقتصادية
أم ثقافية أم
ما سواها, حتى وإن
جمعوا بشأنها
الأخبار
والمعلومات,
وأمدوا بها مسؤولي
بلدانهم لحظة
بلحظة من باب
الإخبار الروتيني
أو لحسابات
محددة, قد لا
تكون معروفة
بدقة حتى من
قبل السفير
ذاته.
الدول
والأقوام,
بالعرف كما
بالقانون
الدولي, سواسية
لا أفضلية
لواحدة على
أخرى,
والسفراء (أو
القناصلة
أوممثلي
المصالح)
متساوون أيضا,
لا تراتبية
بالمنظور
العام بين
سفير وسفير,
ولا امتياز
لهذا على ذاك
إلا لربما في
القدرة على خدمة
مصالح بلاده,
والرقي
بمستوى
العلاقات بين
دولته
والدولة حيث
مكان
التمثيلية.
وعلى
الرغم مما قد
يكون امتيازا
ظاهريا لبعض
السفراء (سيما
ممثلي الدول
الكبرى
اقتصاديا, أو
ذات النفوذ
الأقوى
بالمؤسسات
التقريرية الدولية),
فإن ذات
الامتياز لا
يمنحهم مع ذلك
الصفة للتدخل
في شؤون البلد
المضيف, أو
"الشرعية"
لمحاباة هذه
الجهة أو تلك,
أو "السلطة"
للتجسس
المباشر على
البلد إياه,
أو المس
بمصالحه
العليا عبر
هذا السلوك
الطائش أو
ذاك.
ومع
ذلك, فلا يعدم
المرء حالات
التجاوز
بزاوية
التجسس على
الدولة
المضيفة, أو
التدخل
بشؤونها الداخلية
زمن الحرب كما
زمن السلم,
لكن ذلك يبقى
إلى
الاستثناء
أقرب منه إلى
القاعدة بالنسبة
للدول الكبرى
تحديدا...في
حين أن قدرات
الدول
المتوسطة أو
الصغيرة تبقى
محدودة في ذات
المسلك, أو لا
ترتجي هي
نفسها فائدة
كبرى من ذلك.
وإذا
سلم المرء
جدلا بأن ما
تقوم به
العديد من
سفارات
العالم, من
أعمال تتبع
وتجسس وجمع
أخبار لفائدة
بلدانها, يبقى
من صميم
وظيفتها
"المتعارف
عليها"
بالغالب الأعم,
فإن الذي لا
يستطيع ذات
المرء
التسليم به,
إنما انجرار
بعض سفارات
الدول الكبرى
(لدى الدول
المتوسطة أو
الصغيرة) وراء
منطق القوة,
لتتحول من هذا
المنطلق ليس
فقط إلى فاعل
محلي معتبر
ضمن الفاعلين
المحلييين
الأصليين, أو إلى
مراقب لقواعد
اللعبة
الداخلية وإن
عن بعد, بل
وأيضا إلى آمر
وناه في
العديد من قضايا
الشأن العام,
لدرجة يصدق
معها نعثها
بالمقيم العام
أو المندوب
السامي, تماما
كما كان الحال
أيام
الاستعمارين
الفرنسي والبريطاني
بالقرن
الماضي.
وأزعم,
بهذه النقطة,
أن السفارة الأمريكية
بالمغرب إنما
باتت (سيما
بعد تغول إدارة
جورج بوش,
وتبرمها الفج
عن قواعد
القانون
الدولي, ناهيك
عن الأعراف أو
الأخلاق
المكملة له)
حاكما مدنيا
(أو يكاد),
يتصرف في
البلاد
والعباد, على
شاكلة ما كان
يقوم به
المقيم العام
طيلة سنين
الحماية
الفرنسية على
المغرب:
+
ففي أعقاب
أحداث الحادي
عشر من شتنبر
من العام 2001,
جمعت السفيرة
الأمريكية
مارغريت
تيتويلير
أعضاء
الحكومة
المغربية (وفي
مقدمتهم رئيس
الوزراء) وجل
زعماء
الأحزاب
السياسية اليميني
منها كما
اليساري,
العلماني منها
كما ذي التوجه
الإسلامي,
المتطرف منها
كما المعتدل...لم
يتخلف منهم
أحد...جمعتهم
جميعا بكنيسة
سان بيير
بالرباط لإحياء
ذكرى ضربتي
مانهاتن...فأثثوا
الحفل مدثرين
باللباس
الأبيض,
خاشعين,
داعين, لينصرفوا
مطمئنين لما
قاموا به,
بعدما انتهت
أطوار القداس
المهيب, وتجلت
علامات الرضا
والارتياح من
على وجه السفيرة.
كيف
يفسر المرء
تجرؤ السفيرة
على جمع أركان
الدولة (وكلهم
مسلمون سنة)
بكنيسة
للمسيحيين,
ليدفعوا دفعا
بجهة التماهي
مع طقوس روحية
خاصة بأصحاب
الديانة,
ويسمعوا
القراءات
والتراتيل
وما سواها...
كيف يفسر ذلك
إلا بكونه صدر
عن جهة تعلم
علم اليقين
أنها الحاكم المدني
للبلاد
بامتياز؟ ما
ترى كانت
ستكون عاقبة
من سنحت له
نفسه بالتخلف وزيرا
كان أم سياسيا
أم نقابيا أم
مستشارا؟ ما
ترى كانت
ستكون ردة فعل
المتخلفين إن
عمدت السفيرة
إلى تعنيفهم,
أو تأنيبهم أو
تسجيل فعلتهم
في ميزان سيئاتهم
بالدنيا؟
+
وفي أعقاب ذات
الأحداث
(أحداث الحادي
عشر من شتنبر)
ضغطت السفيرة
بقوة, لإجبار
وزارة
التربية
الوطنية على
تغيير برامجها
التعليمية
بجهة إزاحة
"ما من شأنه
إثارة نعرات
الحقد
والكراهية"
بإزاء غير
المسلمين
وبإزاء
الأمريكيين
تحديدا, وذهبت
(على الرغم من
قصر مدة شغلها
للمنصب) في
ذات الضغوط لدرجة
مطالبتها
الوزارة
إياها بالترخيص
لمصالح
السفارة
بتقديم حصص
دعائية بالمؤسسات
التعليمية,
تقدم للناشئة
من خلالها
دروسا في "سمو
الديموقراطية
الأمريكية",
وتبين لهم
"أفضال
الأمريكان
على المغرب,
وعلى العرب
والمسلمين
وعلى العالم
أجمع؟".
لم
تكتف السفيرة
بذلك, بل
مارست ضغوطا
موازية أخرى
بجهة دفع وزارة
الأوقاف
والشؤون
الإسلامية
إلى لجم خطباء
الجمعة,
وثنيهم عن
مناهضة
السياسات
الأمريكية
والإسرائيلية
بفلسطين
والعراق
وأفغانستان, فتتحول
ذات الخطب,
بالمحصلة, إلى
مواعظ في
الدين, ونواهي
ونصائح مكتوبة
من بين أروقة
الوزارة, دون
الخطباء ودون
اعتمادها
الطرد
والتشريد...
وقد تم طرد
العشرات ممن
لم يرضخوا في
عهد الوزير
السابق.
لا,
بل ذهب الأمر
بالسفيرة (وهي
بمكتب محافظ
العاصمة)
لدرجة منع
مسيرة تضامن
سلمي مع الشعب
الفلسطيني,
بعدما تم
الترخيص لها
من لدن وزير
أول محسوب
تاريخيا على
الخطين
القومي والوطني,
وذي تاريخ
نضالي محترم.
+
وخليفتها في
المنصب
(السفير توماس
رايلي) باشر
منذ شهوره
الأولى,
التدخل في
شؤون المغرب
الداخلية
جهرا وعلانية,
عندما عبر عن
موقفه من
محاكمة نادية
ياسين, فقال
بهذا الشأن
صراحة: "إذا
دعمت أمريكا
المغرب
كنموذج, فإن
أعضاء
الكونغرس سيتعذر
عليهم قبول
محاكمة تمس
حرية تعبير نادية
ياسين"...وهي
التي تنبأت
باقتراب
نهاية الملكية
بالمغرب,
وأفضليتها
للنظام
الجمهوري.
لم يخرج
السفير, بهذا
الموقف, عن
الحد الأدنى
من اللياقة
الدبلوماسية
المتعارف
عليها, بل طعن
في نزاهة
مؤسسة قضائية
احتارت من
تاريخ
التصريح إياه,
في سبل طي ملف
معروض أمام
المحكمة, من
الإهانة حقا
للجسم
القضائي ركنه
للجانب دون
مسوغ قانوني
يذكر.
+
والسفير إياه
تجرأ, فمهد
الطريق لمعهد
أمريكي
معروفة
توجهاته
(المعهد
الوطني
الديموقراطي
للشؤون الدولية)
لتأطير ورشة
"كيف يمكن
للأحزاب
السياسية
المغربية
الإسهام في
تطوير
المسلسل
الديموقراطي؟",
اجتمعت حولها
ثلة من الأحزاب
(والدكاكين
السياسية
الباهتة) بغرض
تعلم آليات
وسبل "تطوير
المسلسل
الديموقراطي"...ثم
ورشة "بلورة
الأرضية
الانتخابية:
تحديد الخطاب",
التي نظمتها الوكالة
الأمريكية
للتنمية
الدولية,
للتحسيس
بأهمية
"تحديد
الخطاب" في
الحملات الانتخابية,
ناهيك عن
مواقفه من العلاقات
بين المغرب
والجزائر, ومن
ملف الصحراء
وهكذا.
+
والسفير
"الجديد" لم
يكتف بذلك, بل
ذهبت به الجرأة
لدرجة تجاوزه
على المساطر
واللوائح والقوانين
السائدة في
تعامله مع
الجمعيات غير
الحكومية,
فآثر الاتصال
بها مباشرة
والنظر في سبل
وآليات تمويل
"مشاريعها",
دونما
استئذان مسبق
من السلطات,
أو طلب لائحة
المصنف ضمنها
بخانة
المنفعة
العامة.
بامتداد
لذلك, أشر
السفير إياه
على جمعية
حقوقية, كانت
تعتزم القيام
بمسيرة لبلدة
تيفاريتي
بجنوب المغرب,
فأثناها عن
ذلك تحت ذريعة
عدم استتباب
الأمن هناك,
ومخاطر البادرة
على
المشاركين,
وتداعيات ذلك
على ملف
الصحراء
مستعصي
الحل...فانصاعت
الجمعية قسرا
(و طواعية
فيما زعم
البعض).
+
والسفير إياه
(ومن خلفه
سفارة حكومة
الاحتلال
بالعراق) نجح
في إغلاق
أبواب مسرح
محمد الخامس
الوطني في وجه
جمعيات
وشخصيات, حصلت
على ترخيص
لإحياء
أربعينية
اغتيال
الرئيس/الشهيد
صدام
حسين...فانصاعت
السلطات
لأوامره
دونما تردد
أوتلكؤ.
هل
ثمة بعد الذي
أوردناه, فارق
يذكر بين ما
كان يقوم به
المقيم العام
الفرنسي أيام
الحماية, وما
يقوم به
السفير
الأمريكي
بداية هذا
القرن؟
بالقطع
لا...
هل
يدرك
الأمريكان
بعد كل هذا
لماذا تشتد
كراهيتنا لهم,
تماما كما كنا
نكره المقيم
العام
الفرنسي؟
يحيى
اليحياوي
الرباط,
19 فبراير 2007