"تحديات الأمن الغذائي العربي"

 

كتاب جماعي المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت 2009, 156 ص.

 

هذا الكتاب يجمع بين دفتيه أوراق ندوة " تحديات الأمن الغذائي العربي", التي احتضنها منتدى عبد الحميد شومان بنهاية العام 2008, وساهم فيها عدد كبير من الباحثين والمختصين في قضايا الزراعة والاقتصاد والأمن الغذائي وغيرها.

 

بتقديمه للكتاب, يقول الدكتور صبحي القاسم: " إن مفهوم الأمن الغذائي قد تطور ليشمل كفاية جميع أفراد المجتمع من السلع الضرورية، بعد أن كان يقتصر على الاكتفاء الذاتي. وأصبح مفهوم الأمن الغذائي ينطوي على أربعة أركان هي، أولا:  إتاحة المعروض من المواد الغذائية، سواء من الإنتاج المحلي أو من السوق العالمية، ثانيا:  استقرار المعروض من المواد الغذائية على مدار السنة ومن موسم لآخر،  ثالثا:  إتاحة المواد الغذائية للمواطنين كافة وتناسبها مع دخولهم،  رابعا:  سلامة الغذاء وفق المواصفات المعتمدة ".

 

ويعني ذلك, في نظره : "أن يحصل كل مواطن على احتياجاته الغذائية الضرورية على مدار السنة دون حرمان، سواء من الإنتاج المحلي أو المستورد. وقد استبدل بمفهوم الاكتفاء الذاتي مفهوم الاعتماد على الذات، وهذا يعني قيام الدولة بتوفير الغذاء من إنتاجها المحلي، فضلا عن توفير النقد الأجنبي من إمكانياتها الذاتية, لاستكمال احتياجاتها من سوق الغذاء العالمي" .

 

ويلاحظ الكتاب أن ثمة تطورات كبرى, محلية وإقليمية ودولية, كان لها تأثير بالغ على مستوى الأمن الغذائي العربي, لعل أهمها:

 

 أولا:  ارتباط تقلبات أسعار المواد الغذائية مع تقلبات أسعار البترول بالسلب كما بالإيجاب. إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية, وأهمها الحبوب والحليب والزيوت والسكر اعتبارا من العام 2006، وحتى نهاية العام 2008، كما ارتفعت أسعار القمح في السوق الدولية ارتفاعا مهولا كذلك.  وعليه, فقد وصلت أسعار القمح مثلا إلى 500 دولار في منتصف العام 2008, ثم نزلت إلى حوالي 200 دولار للطن الواحد, في الثلث الأخير من العام نفسه، وارتبط هذا الارتفاع ببرميل النفط, ليصل إلى 147 دولارا في الربع الثالث من العام 2008, ولينخفض إلى أقل من خمسين دولارا مع نهاية العام 2008.

 

ثانيا: عرفت أسعار الأسمدة تقلبات كبرى أيضا, ارتباطا وأسعار النفط, في الارتفاع كما في الانخفاض, وذلك في العام 2008.   

 

ثالثا: توجهت العديد من الدول المصدرة للحبوب, لا سيما القمح والذرة الصفراء والشعير، مثل أميركا وكندا والبرازيل، لتوليد مادة الإيثانول عندما ارتفعت أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الحبوب, التي تشكل أهم واردات معظم البلدان العربية من الحبوب.

 

رابعا:  تزايد نسبة التصحر, جراء تملح التربة في عدد كبير من البلدان العربية, ومنها العربية السعودية ودول شمال أفريقيا, وتناقص كميات المياه السطحية في عدد كبير من البلدان العربية، وانخفاض مناسيب المياه الجوفية, وهكذا.  

 

 ويلاحظ الكتاب أنه على الرغم من التحديات المشتركة بين الدول العربية, فإن قدرات إنتاجها تختلف وتتفاوت, سواء في إنتاج المواد الغذائية الأساسية المتاحة للاستهلاك من مواردها الوطنية، أو في استيراد هذه المواد. يقول الكتاب بهذا الخصوص: إنه "على الرغم من زيادة إنتاج عدد من المواد الأساسية، وأهمها القمح، إلا أن صافي فاتورة استيراد المواد الغذائية قد بلغ 18 مليار دولار في العام 2006, مقابل 12,6 مليار دولار في العام 1997. ومن المرجح أن تزداد قيمة الفاتورة, إذ تشير الأرقام الأولية للعام 2007, إلى أنها قد بلغت 19,7 مليار دولار, وقد تزيد على 20 مليار دولار في العام 2008".

 

من جهة أخرى, يرصد الكتاب الملامح الكبرى للأمن الغذائي العربي في التالي:

 

+ تتوفر البلدان العربية على كميات من الأسماك تتجاوز المتاح للاستهلاك لجميع البلدان العربية, إذ بلغت قيمة الفائض المصدر حوالي مليار دولار للعام 2007. كما أن الدول العربية تغطي مجمل احتياجاتها من المواد الغذائية, كالبطاطس والخضراوات والفواكه, وبنسب قد تصل ببعض البلدان إلى مائة بالمائة.

 

+ تنتج الدول العربية نسبا كبيرة من احتياجاتها من اللحوم البيضاء ومن البيض, على الرغم من كونها تعتمد على استيراد 60 بالمائة من الذرة الصفراء, وما تحتاجه من فول الصوجا لتصنيع أعلاف الدواجن. كما تغطي البلدان العربية حاجياتها من الحليب ومن مشتقاته بما نسبته 70 بالمائة.

 

+ لا تغطي الدول العربية إلا نسبة متواضعة من احتياجاتها (حوالي 30 إلى 35 بالمائة) من القمح, حيث يبدو العجز كبيرا بهذه المادة, لا سيما بالدول التي تشكو الجفاف والتصحر. أما الزيوت والسكر واللحوم, فثلثي حاجيات الدول العربية تأتي من الاستيراد.

 

ويلاحظ الكتاب أن أربع دول عربية تحتل ما نسبته 70 بالمائة من صافي واردات المواد الغذائية للوطن العربي، وهي السعودية، والجزائر، والإمارات، ومصر. كما بلغت حصة خمس دول أخرى (ليبيا، والكويت، ولبنان، واليمن، والأردن) ما نسبته 20 بالمائة من مجمل صافي الواردات. أما قيمة صافي الواردات للدول العشر الباقية, فقد بلغت 10 بالمائة فقط.

 

ويخلص الكتاب إلى الاستنتاج التالي: "إن الصورة العامة للازمة, توضح أن هناك نحو 37 دولة في العالم تواجه أزمة غذائية حادة، منها 21 دولة في إفريقيا وحدها، حيث ترهق الفاتورة الغذائية ميزانيات أفراد هذه الدول، وتصل إلى نحو 60 بالمائة من الدخل... ومن تأثيرات هذه الأزمة, أن مخزون العالم من المواد الغذائية الأساسية انخفضت كفايته من 125 يوما في العام 2002, إلى 60 يوما في العام 2008... أي أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية أثر على كفاية المخزون العالمي".

 

ويخلص الكتاب في النهاية، على التوصيات التالية:

 

ـ أولا: ضرورة الضغط على أصحاب القرار لإيلاء القطاع الزراعي أولوية قصوى, على اعتبار أن الأمن الغذائي هو جزء من الأمن القومي.

 

- ثانيا: العمل على الاهتمام وتعزيز الركائز الخمس التي تقوم عليها الزراعة وهي: التعليم العالي، والبحث العلمي، والإرشاد الزراعي، وتوفير الدعم المالي للتسويق، والدعم المالي للمزارعين والقطاع الزراعي.

 

ـ ثالثا: التركيز على نقل التكنولوجيا الزراعية من الدول المتطورة، وقيام الصناديق العربية بالاستثمار الجاد والكبير في قطاع الزراعة، والعمل على ابتكار كل الوسائل والسياسات لترشيد الاستهلاك المائي... الخ.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 30 يونيو 2011