في الأمية التكنولوجية

يحيى اليحياوي

 

 

1- ليس بديهيا بالمرة فصل مسألة الأمية عن المسألة التكنولوجية أو اعتبارهما مسألتين متقابلتين، متنافرتين. فالأمية تتغذى من التكنولوجيا عن هي لم تسايرها وتتملكها، والتكنولوجيا تتقوى وتتجبر إن هي اعتملت في محيط تسود فيه الأمية وتتسيد.

 

قد تتعايش الأمية (بكل أشكالها) مع التكنولوجيا (بكل روافدها)، لكنها غالبا ما تستطيع المسايرة والمواكبة.

والسر في ذلك لا يكمن فقط في جانب التوازي الذي يميز وتيرتهما ويطبع اتجاه سريانهما، ولكن أيضا في جانب القدرة على التحكم فيهما وضبط آليات اشتغالهما في الزمن والمكان.

 

بالتالي فقد يبدو الحديث في علاقة الأمية بالتكنولوجيا شبيها بالحديث في الشيء وفي نقيضه في الآن نفسه لا على اعتبار اختلال أطراف المعادلة فحسب، بل وكذلك بحكم طبيعة الأطراف إياها واستحالة استمرارية العلاقة.

 

لن نروم التحدث هنا في ذات العلاقة على خلفية من مبدأ للسببية وارد وكائن، بقدر ما نتغيأ تلمس جوانب من ظاهرة الأمية "الجديدة" (الأمية التكنولوجية) التي تعتبر التكنولوجيا إذا لم نقل صانعها فهي على الأقل مكرسها ومجذرها.

 

2- والأمية التكنولوجية التي نقصدها في هذا المقام لا تنحصر في مقدرة الأفراد والجماعات على فك رموز القراءة والكتابة (الأمية الأبجدية أقصد)، ولا في تشغيل وإعادة تشغيل بعض المستجدات التكنولوجية قد لا تتطلب مهارات خاصة لذلك (الأمية المعرفية) ولكن بالأساس تلك الأمية التي تحول دون إدراك أسرار التكنولوجيا وإدراك الخلفية الثقافية والرمزية التي استنبتتها وكذا دون تملكها وموطنتها وتبيئتها.

 

 وعلى هذا الأساس، فالأمية المقصودة هنا إنما تطال (وإن بدرجات متفاوتة) العارف البسيط بأمور القراءة والكتابة، كما المتمكن من بعض التقنيات، كما الذي له التكوين لكنه لا يملك القدرة (أو القابلية) على المتابعة والمسايرة.

 

ولهذا السبب ترى الفرد العادي، كما التقني المتوسط كما المهندس (ذي التكوين العام)، تراهم متساوون أمام العديد من المستجدات التكنولوجية، يستعملونها أكثر مما يفهمونها، يستوظفونها أكثر ما يدركون كنهها أو يملكوا المقدرة على فك ألغازها.

بالتالي، فالأمية التكنولوجية لا تنحصر، في المحصلة النهائية، إلا على الذين يملكون مهارات وخبرات علمية وتقنية محددة، لكنهم غالبا ما لا يجددوها أو يلقحوها أو يعملوا مبدأ إعادة التكوين لإغنائها وتزويدها بما استجد من معارف وابتكارات.

 

والعبرة في ذلك إنما هي من مبدأ أن ما يتعلمه الفرد بداية مشواره أو طيلة فترة نشاطه أو عمله، غالبا ما يتجاوز، بحكم الأمر الواقع، في نهاية المشوار أو يمسسه التقادم السريع تحت محك التطور العلمي والتكنولوجي.

 

ومعنى هذا أن المعارف الضرورية لنشاط الإنسان تتزايد بقوة والمهارة تتطلب الاستمرار في التعلم والتكوين والمثابرة في مواكبة تيارات البحث العلمي وآفاق الإبداع التكنولوجي.

 

وإذا كانت المهمة إياها هي بالأساس من مسؤولية النخب العلمية والتكنولوجية أي تلك التي تعمل في حقول العلم والمعرفة بحثا وتطبيقا، فإن الأمية التكنولوجية هي بالتأكيد من "نصيبها" إن هي تجووزت أو اقتصر نشاطها على مهاراتها الأولى دونما تجديد أو توسيع.

 

من هنا فمن غير المجازفة القول بأن الأمية إياها قد لا تقتصر على "نخب" الجنوب، حيث سبل البحث العلمي والإبداع التكنولوجي شبه منعدمة وإمكانات المسايرة متعذرة، بل قد يتعداها إلى بعض من نحب الشمال (حتى وإن توفرت لها ذات السبل والإمكانات) إن هي لم تحتكم على منظومة من الحيطة التكنولوجية وأنظمة رصد وتتبع معتبرين.

 

بالتالي، فالفارق بين الأمية التكنولوجية لدى نخب الشمال وتلك التي نلاحظها متفشية بين "نخب" الجنوب هي من فارق المستوى والدرجة والحدة وليست إلا نسبيا فارقا في الطبيعة، إذ الأمية إياها لا تتأثر جذريا بالفضاء الذي تعتمل فيه أو بالزمن الذي يحكمها.

 

إلا أن ما يجعل من هذه الأمية (الفردية) مكمن خطر على الأمن الجماعي هي عندما يبتلى بها صاحب القرار أو صانعه بالعالم الثالث، فتراه بالتالي يرهن حاضر بلاده ومستقبلها بقرارات تؤخذ في معظمها دونما دراسات مستفيضة (الأمية المعلوماتية) أو دون الاحتكام إلى أصحاب الخبرة لاستيضاح التبعات.

 

لا تنقص الأمثلة في ذلك أو تتعذر بدول العالم الثالث وبالعديد من الدول غيرها: فالجاهل بالأنظمة الرقمية (الأمية الرقمية) في عالم الاتصالات أو المعلوماتية مثلا، لا يستطيع استيعاب جدوى هذه الأنظمة أو فائدتها أو ضرورة اعتمادها على حساب الأنظمة التشابهية القائمة.

من هنا فلو كان لصاحب القرار هذا (أعني الجاهل بالمستجدات المتاحة) أن يضع دفتر تحملات بغرض اقتناء ذات الأنظمة فلن يتسنى له ذلك إلا بناء على ما تروجه الشركات المنتجة وتسربه من معلومات عن فعالية أنظمتها، أو على أساس معايير أخرى (مالية أو زبونية) قد يكون دفتر التحملات في خضمها إجراء شكليا خالصا.

 

وإذا لم يتم استبعاد بنود التكوين والمساعدة الفنية من الدفتر إياه عند اقتناء ذات الأنظمة وتشغيلها، فإن ذات البنود غالبا ما تقتصر على الصيانة والمراقبة ونادرا ما تمس الجوانب التقنية الدقيقة أو نظم البرمجة.

 

إذا لم يكن الإشكال المطروح أعلاه إشكال أمية تكنولوجية بامتياز، فما تفسير لجوء العديد من نخب العالم الثالث لاقتناء خدمات اتصالاتية ومعلوماتية لم يتسن لها، حتى بدول المنشأ، تجريبها أو تشغيلها أو التأكد من مدى الحاجة المجتمعاتية لتبريرها؟

 

وإذا لم يخرج الأمر عن كونه أمر أمية تكنولوجية، فبم نفسر تهافت نخب التقنوقراط للحصول على رخص تشغيل الجيل الثالث من الهواتف النقالة (الموفرة للإنترنيت بصبيب عالي ضمن خدمات أخرى) في الوقت الذي لا ينفي الهاتف النقال عن مالكه حالة الأمية التي تميزه؟

 

3- لا يقتصر الأمر بهذا الصدد على التكنولوجيا المعقدة (ذات الحمولة المعرفية العالية أعني) بل يتعداها إلى التكنولوجيا الأخرى المقتناة لأغراض فلاحية أو صناعية أو خدماتية تقليدية أو لغيرها.

 

والمقصود هنا إنما القول بأن الانبهار التكنولوجي (الذي يميز ذهنية النخب التقنوقراطية) غالبا ما يغطي على أميتها التكنولوجية وعلى هوسها للاقتناء...اقتناء كل مستجد متوفر دونما أدنى تساؤل عن الفائدة المرجوة من استعماله أو حجم الطلب والحاجة المعبر عنها إزاءه.

 

لسائل يقول: إذا كان ما سبق من أمثلة هو واقع الحال القائم، فكيف لبلد ما أن يواكب التراكمات التكنولوجية إذا لم يعمل على اقتناء ما استجد منها ربحا للوقت ودرءا لتبدير الجهد والمال؟ أو ليس من الأفيد (حتى وإن كان من السابق لأوانه) الحصول على رخص لتوفير خدمات الجيل الثالث للهاتف النقال ما دام التوجه السائد هو حتما بجهة اعتمادها في المستقبل؟

 

وهو تساؤل لا يخلو من صواب، إذ لا محيد (في الأمد القصير والمتوسط) عن اقتناء ما يستجد من تكنولوجيا وبرامج، لكنه (أعني التساؤل) لا يتعدى طرح الإشكال على مستوى المبدأ، لكن الممارسة الملاحظة تستدعي التساؤل عن وفي شروط "الاقتناء" أي اقتناء التكنولوجيا كتقنيات واقتناؤها أيضا كمعارف.

 

ومعنى هذا أنه لو حالت الأمية دون اختيار النخبة بالعالم الثالث للأنسب من التكنولوجيا والأنجع، فهذا لا يشفع لها عدم استقطابها لقدرات وكفاءات شابة يتوفر لديها التكوين العالي، المتخصص وتحتكم على مهارات كافية لوضع مقاييس للمقارنة والاختيار.

 

ومعناه أيضا أنه لو تعذر على النخب التقنوقراطية (القائمة على الشأن العام على خلفية من الزبونية والولاء أساسا) أن تتابع بالدقة المطلوبة ما توفره التكنولوجيا وما يفرضه مستوى مستوى النمو، فإن تكوين الكفاءات ومنحها الإمكانات كفيلة للحيلولة دون ذلك.

 

4- ليس ثمة من مجال للمزايدة فيما نتصور بأن الإشكال المطروح إنما هو في جزء كبير منه إشكال ثقافي بامتياز.

والمقصود بهذا إنما القول إنه لو كان من الهين نسبيا "محاربة" الأمية الأبجدية أو المعلوماتية (من المعلومات) فإنه لن يكون بالمستطاع محاربة الأمية التكنولوجية بقرار أو وفق جدول زمني محدد.

 

الأمية التكنولوجية أمية مزمنة ستتوارثها الأجيال حتما (بالشمال كما بالجنوب) طالما تم التسليم باستمرارية البحث العلمي والإبداع التكنولوجي وتعرضهما لشتى ضروب الأمية التكنولوجية تحارب انطلاقا من المدرسة...من قدرة هذه الأخيرة على تعليم الأطفال كيفية تحويل المعلومات إلى معارف والمعارف إلى تكنولوجيا والتكنولوجيا إلى ثقافة...

 

بالتالي، فستبقى الأمية التكنولوجية حافزا على البحث العلمي والتطور التكنولوجي طالما تم الوعي بها كظاهرة متحركة وليس كمعطى قارا.

 

جريدة العلم، 27 أكتوبر 2002