تجربة التناوب السياسي بالمغرب بعيون ثلاثة مثقفين: علي كريمي،
إدريس بلمليح ويحيى اليحياوي
قبل سنتين، دشن المغرب تجربة
سياسية غير مسبوقة (على الأقل في العالم العربي) تمثلت في تمكين المعارضة السابقة،
في إطار توافق تم التمهيد له منذ بداية التسعينات، من تولي إدارة الشأن العام، وقد
عجلت مجموعة المعطيات والظروف الداخلية منها والخارجية، بوضع عجلة التناوب على
السكة لتبدأ الدوران دون انتظار، إذ أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم لم
يعد يسمح باستمرار أنماط التسيير السابقة والتي أجمع الكل على أنها أدخلت المغرب
غرفة الإنعاش، وأصبح مهددا بالسكتة القلبية بين الفينة والأخرى، بسبب ضخامة
المشاكل وثقل الملفات الموروثة، وفي ظل مناخ عالمي متحول لم يعد يرحم من يؤجل أمر
عمله إلى الغد.
اليوم وبعد سنتين من عمر
"حكومة التناوب" يطرح السؤال حول حصيلتها، والنتائج التي استطاعت الوصول
إليها. هل مكنت المغرب على الأقل من تجاوز المرحلة الحرجة والخروج من النفق؟ هل استطاعت
أن توقف النزيف في انتظار العمليات الجراحية الكبرى، التي يبدو أن البلد ما يزال
في حاجة إليها؟
أسئلة ضمن أخرى حملناها
إلى المثقفين د. علي كريمي أستاذ بكلية الحقوق بالرباط، د. إدريس بلمليح
أستاذ بكلية الآداب بالرباط وذ. يحيى اليحياوي باحث في الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات.
ونقدم ضمن هذه الورقة قراءة لتقييمهم لسنتين من عمر حكومة التناوب.
يسجل الأستاذ علي كريمي
أن التجربة التي دخلها المغرب قبل سنتين، يصعب نعتها ب" التناوب
الديموقراطي" لأن هذا الأخير له مقاييسه وظروفه. فهو يأتي في ظل " تعاقد
على السلطة وتفرزه صناديق اقتراع شفافة ونزيهة" وهو ما لم يتوفر لانتخابات
1997 التي أفرزت الحكومة الحالية، رغم ما قدمته أحزاب الكتلة من إشارات قوية من
أجل إقرار التحول الديموقراطي.
ويشاطر ذ. يحيى اليحياوي
هذا الرأي ويذهب بعيدا حين يرفض أن تنعت التجربة ب" التاريخية" إذ
لا بد من الانتظار قليلا حتى نتمكن من تقييم كلي للتجربة، كما أن وصول الأستاذ عبد
الرحمان اليوسفي إلى رئاسة الحكومة لا يمكن أن يشكل حدثا تاريخيا، لأن ذلك يبقى
مرهونا بمدى قدرة الحكومة وتجربة التناوب على "إحداث قطيعة مع مجموعة من
الممارسات كانت سائدة"، وهو عكس ما يعيشه المغرب حاليا والذي هو الاستمرارية،
معدلة من خلال تغيير المواقع بين الأحزاب السياسية. غير أنه مع ذلك يبقى الجديد في
هذه التجربة حسب الأستاذ إدريس بلمليح هو أن بعض أعضائها معروفون تاريخيا
بالجرأة في اتخاذ المواقف السياسية، وهو ما جعل الرأي العام يتطلع بشكل كبير إلى
ما ستقدم عليه حكومة التناوب من إصلاحات.
لكن السنتين الماضيتين من
عمر الحكومة تميزتا بأداء متذبذب في غياب مشروع مجتمعي كفيل بأن يعبأ الرأي العام
لتحريك عملية الإصلاح. فالحماس الذي ميز خطاب المعارضة السابقة قبل أن تتبوأ مراكز
القرار، كان حماسا كبيرا ومضاعفا لم يأخذ بعين الاعتبار كون " الواقع المغربي
معقد ومتشابك ويطرح مشاكل بنيوية وهيكلية خطيرة" حسب رأي ذ. بلمليح.
وإذا أضفنا هذا إلى طبيعة
التشكيلة الحكومية والتي لم تكن منسجمة انسجاما كاملا إما بسبب عدد الوزراء
المشكلين لها والذين جاءوا من مشارب
سياسية مختلفة لا يجمعهم برنامج محدد كما يؤكد ذ. كريمي، فإن النتائج
المتوقعة لن تكون كبيرة بل نتائج هزيلة. فالبطالة ما تزال تفترس نسبة مهمة من
السكان النشيطين وخصوصا الشباب، وشبح الفقر يزحف بشكل مستمر على ما تبقى من الطبقة
المتوسطة، والحوار الاجتماعي بين الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين فاشل، وتخليق
الحياة العامة من خلال محاربة الرشوة والفساد في دواليب الإدارة لم يتم بالجرأة المتوخاة.
فحتى الإشارات الكبرى التي
تحدث عنها السيد عبد الرحمان اليوسفي، يقول ذ. اليحياوي، والتي ركزت على
ضرورة إيقاف تبذير المال العام لم تتم، إذ
ما يزال المال العام يبذر بشكل أو بآخر. والحكومة اكتفت حتى الآن بتقييم عملها من
خلال عدد النصوص التشريعية والقانونية التي اقترحتها على البرلمان، وهو ما يعتبر
خطأ لأن المغرب يعرف تضخما في النصوص مقابل غياب التطبيق والتنفيذ مما يجعل
المواطن المغربي لا يحس إلى حد الآن بتغيير حقيقي.
وإذا كانت الحكومة الحالية
قد عجزت، حتى الآن، عن تفعيل عدد من القطاعات وإدخال دينامية عليها يجعل التغيير
الذي هو هدف جميع المغاربة يبزغ أخيرا،
فإن السنتين الماضيتين من عمر الحكومة تميزتا بحركية كبيرة على مستوى تصفية ملفات
حقوق الإنسان العالقة وتدعيم الحريات العامة. وفي هذا المجال استطاعت الحكومة أن
تخطو خطوات مهمة وخصوصا على مستوى تطبيق النصوص القانونية المؤطرة لهذا المجال
بحزم أكبر. غير أن هناك إجماعا على
اعتبار مكتسبات المرحلة الحالية في ميدان حقوق الإنسان والحريات وليدة نضال طويل
للمجتمع المغربي بمختلف مكوناته، نضال انطلق منذ سنوات وتزامن مع تحولات دولية
أفضت إلى ضغوط على البلدان التي تسجل عليها خروقات في ميدان حقوق الإنسان منذ منع المساعدات الاقتصادية عنها حسب رأي ذ.
كريمي.
كما أن الظروف الداخلية
للبلاد لم تكن لتسمح باستمرار نفس السياسات في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان،
إذ أصبح من الصعب، كما يقول الأستاذ اليحياوي، تقبل خنق للحريات في مجتمع
موبوء بالبطالة والفقر.
ومع ذلك وبالرغم من المكتسبات
التي حققها المغرب في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، فالبلاد ما تزال في حاجة
إلى إصلاحات أخرى وخاصة مراجعة القوانين المؤطرة لحقوق التعبير والتظاهر والإضراب
والتي ما تزال مكبلة بعراقيل إدارية تخرج عن النصوص القانونية وهي في الغالب
إبداعات للسلطة ورجالها، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن قانون الصحافة الذي أدخلت
عليه تعديلات، جاءت في سياق ظروف خاصة عرفها المغرب وحولته من قانون ليبرالي تقدمي
إلى قوانين شبيهة بتلك الموجودة في بلدان غير ديموقراطية.
لقد وجدت الحكومة في من
تسميهم، حتى الآن، بجيوب مقاومة التغيير، مشجبا تعلق عليه العجز في اتخاذ القرارات
الكبرى والقادرة على ترجمة مفهومي الإصلاح والتغيير على أرض الواقع. غير أنه مع التغيرات
الكبرى التي يعرفها المغرب منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، والتي فتحت
المجال للأفكار ورموز جديدة وأزاحت بعض الرموز الرافضة للتغيير، فإن الحكومة مدعوة
إلى الإسراع والرفع من وتيرة الإصلاح لاستدراك بعض الزمن الضائع، حتى يتمكن المغرب
من إبعاد كابوس الإحباط واليأس اللذين باتا يجثمان على صدر أوسع فئة من الشعب
المغربي وهي الشباب.
لا بد إذن من حلول سريعة
ولو كانت جزئية، ذلك أننا لا يمكن أن نستهين بالحلول الجزئية، يقول الأستاذ بلمليح،
لأنها إذا تراكمت ستصبح حلولا كلية. فإذا استطعنا أن نستوعب جزءا من الشباب
العاطل، فإن هذا الجزء سيحمل الأمل في المستقبل وسيشارك في البناء الاقتصادي
والفكري للبلاد، وبالتالي سيتضاعف هذا الأمل لدى الآخرين وتزول معه عوامل الإحباط
ليبدو المستقبل أكثر إشراقا.
أعد الشهادات:
مصطفى أمدجر
جريدة " الأنباء"، أسبوعية، العدد 0 الاثنين 13 مارس 2000