أحداث 16 ماي أو عندما يتحول الإعلام إلى أداة لتسويق الخوف

 

الباحث يحيى اليحياوي للنهار: الخوف كان وراء اصطفاف مجموعة من الإعلاميين وراء الأجهزة الرسمية

 

 أكد أن الخطاب الإعلامي كان صورة طبق الأصل أو يكاد لخطاب السلطة، وأن أغلب المنابر الصحفية فرت بجلدها وبعض الصحافيين تشفوا في مصطفى العلوي وحصل اصطفاف للإعلامي وراء الأمني والسياسي، وتوقف كثيرا عند المشروع الديموقراطي الحداثي وعند المفارقات التي لم يحسم فيها المجتمع سواء اللغوية أو الإثنية أو المؤسسة السيادية وخلص إلى أننا لا ننتج إلا الخطابات الشفوية بدليل غياب مشروع ديموقراطي حداثي على الرغم من حضور الرغبة في ذلك.

 

النهار: بعد أحداث 16 ماي، ما هي قراءتك لتعاطي الإعلام المغربي مع الحدث وكيف تنظر إلى مستقبل المشهد الإعلامي؟

 

يحيى اليحياوي: هذا السؤال يطرح إشكالا كبيرا: هل نتوفر في المغرب على مشهد إعلامي أم على فضاء إعلامي؟ أنا أتصور أنه لا يمكن أن نوظف مصطلح فضاء إعلامي لأننا لا نتوفر على فضاء إعلامي بالمفهوم المنظومي للكلمة أي كما هو متعارف عليه في الدول المتقدمة. ليس لأنه فضاء ساكن وليس فقط لأنه يسير بوتيرة غير مرتبطة بالتحولات المجتمعاتية الحاصلة اليوم، ولكن لأنه جزء من منظومة اخرى هي أقرب إلى السياسي والسيادي منها إلى الإعلامي. الصحافة بالمغرب هي في غالب الأحيان صحافة أحزاب والإعلام السمعي والبصري هو إعلام السلطة بامتياز، بالتالي فمن الصعب توظيف مصطلح فضاء إعلامي في هذا المقام.

 

وما دام أننا لا نتوفر على مشهد إعلامي قائم بالمعنى المنظومي للكلمة وعندنا في المقابل شبه فضاء هو جزء من المنظومة السياسية، فأظن أنه إذا انطلقنا فقط من هذه الجزئية سيظهر لنا كيف  كان تعامل الإعلام مع أحداث 16 ماي. هناك على الأقل مشكلتان إثنتان تعترضنا لاستجلاء ذلك:

+ أولا هذه الأحداث وقعت وما زالت تبعاتها قائمة حيث لا تزال هناك تحقيقات ومتابعات ومحاكمات لحد الساعة. بالتالي فإن أرضيته غير مستقرة و لا يمكن تقييم حصيلة التغطية والحكم على طبيعتها.

+ ثانيا، الإشكال المطروح من الناحية المنهجية هو أن تعامل الإعلام مع أحداث 16 ماي جاء غالبا كرد فعل منه كفعل لأننا لم نلاحظ محاولات لفهم الخلفيات والدوافع التي أدت إلى هذه الأحداث.

ولاحظنا وللأسف أن الإعلام المغربي ابتعد نسبيا عما كنا نراهن عليه منذ ثلاث أو أربع سنوات خلت. فقد راهنا على أن إعلامنا في طريقه إلى أن يكون سلطة رابعة حقيقية، لكن للأسف لاحظنا أن الإعلام اصطف بدرجة غريبة وراء المؤسسة التنفيذية.

 

النهار: في نظرك ما مرد ذلك؟

 

يحيى اليحياوي: كما قلت آنفا الإعلام في المغرب هو جزء من منظومة لذلك فإن خطابه لا يمكن إلا أن يكون خطاب المنظومة إياها.

الخطاب الإعلامي كان صورة طبق الأصل لخطاب المؤسسة التنفيذية في أدق التفاصيل حيث لم نلمس خروجا عن الخطاب الرسمي بل فقط إعادة إنتاج الخطاب الرسمي.

 

النهار: أظن أن تحليلك يمكن أن ينطبق على الصحافة المكتوبة وبعض الصحف الدائرة في فلك الحكومة، لكن الصحافة المستقلة مارست المهنية في التحقيق في خلفيات الأحداث وأسبابها ودواعيها وذهبت أبعد في معاكسة الخطاب الرسمي عندما تم التلويح بحل حزب العدالة والتنمية؟

 

يحيى اليحياوي: لا أتحدث عن الاستثناءات من الصحافة التي قامت بأدوارها. صحيح أن هناك منابر إعلامية تميزت في تعاملها مع الأحداث لكن عموما هناك اصطفاف عام لوسائل الإعلام وراء المؤسسة التنفيذية.

وإذا كانت هناك كما تقول صحف تميزت ولم تصطف خلف الخطاب الرسمي فإن هناك حالتان تؤكدان العكس.

الأولى تتعلق بمدير جريدة "الأسبوع" حيث لاحظنا أن أغلبية المنابر الصحفية فرت بجلدها ولا حظنا غياب تضامن مطلق مع هذا الصحفي. ولاحظنا كذلك أن أغلبية المنابر لم تعلن تعاطفا حقيقيا والذي من المفروض أن يكون مع صحافي اعتقل أثناء ممارسة عمله الصحفي وبفعل عمل صحفي وتوبع بقانون الإرهاب.

بالنسبة لحالة علي المرابط أعتبر أن التضامن المكثف والمطلق معه كان لأن القضية كانت قبل تفعيل قانون الإرهاب.

ثانيا، نجد أن كل المنابر إلا من استثناءات نادرة جدا أخذت على عاتقها مهمة تسويق الخوف وبدأنا نلاحظ أن المواطن بعد قراءته لصحيفته أو عند مشاهدته للتلفزيون أن هناك تهويل لما وقع بل واتجاه نحو تهويل الحادث لدرجة أننا بدأنا نشعر أن الكل اصبح مع الكل ضد الكل ولم نعد نعرف أين يبدأ الإعلام وأين ينتهي وأين يبدأ الأمن وأين ينتهي.

ولاحظنا أن بعض الإعلاميين تقمصوا وظيفة الأمنيين فبدأوا يتعاملون مع الأحداث بعقلية رجل الأمن وليس الصحافي. وأؤكد أن هذا الخلط في الوظائف والمهام ليس في صالح الإعلام. فعلى الأمني أن يقوم بوظيفته والإعلامي أن يمارس مهنته. وهذا الخلط في الوظائف والمهام يعطي الانطباع أن هناك اصطفاف مرة أخرى للإعلامي وراء الأمني والسياسي والرسمي وهكذا.

قد يقول قاءل إن هذه مسألة طبيعية، فقد عاشت أمريكا بعد أحداث 11 شتنبر أو في حرب أفغانستان أو حرب الخليج وقوف الإعلام خلف البنتاغون والسلطة التنفيذية الأمريكية.

لكن كانت هناك أقلام جادة نددت بما يقع وفندت أطروحات الإدارة الأمريكية ، فهل في بلادنا أكد أحد أن ما وقع كان منتظرا أو أن جهة ما كانت وراء ذلك أو أن ذلك خطط له...فالصحفي لا يمكنه تجاوز حدود ما هو معلن عنه رسميا.

 

النهار: لكنك تعلم أن الصحافة اليوم هي محكومة بقانون الصحافة وبقانون الإرهاب وبقانون ما يؤؤل النص...

 

يحيى اليحياوي: أكيد لأن الضوء القليل الذي تركه قانون الصحافة جاء قانون الإرهاب ليغلق النافذة وليجعل الوضع سوداويا.

وأنا أظن أنه لو لم يكن هناك قانون صحافة وقانون إرهاب لتم خلق قوانين على مقاس المرحلة لأن الخطير في القانونين هو تأويل النصوص...والخطير في أي قانون حتى لو كانت فيه 99 بالمائة من الفصول تضمن الحقوق هو وجود الواحد بالمائة السالب للحقوق.

لذلك فالخوف كان وراء اصطفاف مجموعة من الإعلاميين وراء الأجهزة الرسمية لأن الصحفي إذا أفلت من قانون الصحافة فسيجد أمامه قانون الإرهاب وإذا أفلت منهما معا، فسيجد أمامه سلطة الأمني القادرة على تأويل ما تريد تأويله من النص.

 

النهار: هل هذا الاصطفاف لا يجد مبرراته في الاتهام المباشر الذي رفعه الوزير الأول وعدد من المسؤولين مباشرة بعد الأحداث ضد الصحافة المستقلة واعتبارها السبب المباشر فيما وقع وكان الهدف طبعا تخويف وترهيب الصحفيين ومن خلالهم التأسيس لمشروع جديد لتخويف وترهيب المجتمع؟

 

يحيى اليحياوي: لا أوافقك الرأي ولا أظن أن هناك مشروع متكامل لتخويف المجتمع، هناك ممارسات وسلوكات منظمة على خلفية قضم أظافر بعض الصحفيين لا سيما منذ نشوء ما يسمى بالصحافة المستقلة واعتبار هؤلاء يتجاوزون المحظورات والخطوط الحمراء ولا يبالون بمجموعة من التوازنات داخل المجتمع ولا يحسبون ألف حساب للوضعية الجيوستراتيجية للمغرب ولا وضع المغرب في سياق أحداث عالمية تتجاوزه واعتبروا إلى حد ما صحفيين مشاغبين بدليل أن الجزء منهم إما توبع أو استقطب أو ارتكن للانضبط...

ولكن أظن أن السلطة في نهاية المطاف قامت بواجبها وكنت أتمنى أن يقوم كل واحد بواجبه وعمله الأساسي وهذا ما نأسف له حقا، حيث أن رجال الإعلام لم يدافعوا على مكتسباتهم الأساسية بدءا من حرية التعبير والرأي. فالسلطة دائما شكلت عدوا ضمنيا للقلم وللكلمة بصرف النظر عن درجة دمقرطة هذه الدولة او تلك.

الملاحظ أن الإعلامي بالمغرب يتراجع كلما وقعت حوادث كبرى، فهو يوضع في المحك فيبدأ يمارس النقد الذاتي والرقابة الذاتية ويضع نفسه موقع المدافع. وكنت أتمنى أن ما وقع لمصطفى العلوي وللصحفيين الجهويين يشكل منطلقا لتكريس إعلام جديد، لكن ما وقع هو أن الصحفيين اعتقلوا وحوكموا ولم تحرك الصحافة ساكنا بل استمر الوضع على ما هو عليه.

 

النهار: في نظرك هل الإعلام المغربي غير ناضج أو غير قادر على المواجهة أم أن السلطة نجحت في تخويف الإعلامي؟

 

يحيى اليحياوي: ما هو الإعلام الذي تعني؟

 

النهار: طبعا أعني الصحافة المكتوبة

 

يحيى اليحياوي: وما هي هذه الصحافة المكتوبة؟ أولا نحن لا نتحدث عن الإعلام السمعي-البصري فهو إعلام المخزن والصحافة المكتوبة جزؤها الحزبي مرتهن فهو مصطف وراء السلطة. يبقى ما يسمى بالصحافة المستقلة وأنا أتحفظ على مصطلح الاستقلالية.

 

النهار: أنا معك وأفضل مصطلح صحافة غير حزبية...

 

يحيى اليحياوي: أنا كذلك، بل أذهب أبعد وأسميها المنابر التي يعتبرونها مشاغبة تجاوزا. فهذه المنابر رغم ما يمكن أن يقال شكلت نقلة نوعية فيما يسمى بالمشهد الإعلامي المغربي ولا يجب قراءتها فقط على خلفية سياق بعض الصحفيين بداخلها.

فإذا وضعتها في السياق العام، سيظهر لك أنها ليست ظاهرة بل فقط لأنها لم تأت كحاجة مجتمعاتية. فمثلا صحافة الرصيف التي ازدهرت لم نعرف السياق العام الذي أتت فيه... فليست هناك دراسات تبين لماذا صدرت هذه الصحافة في تلك الفترة بالذات ولماذا ازدهرت. وعلى نفس القياس لم نفهم لماذا هذه المنابر  الإعلامية الأسبوعية الجادة أو شبه الجادة... هل أتت في سياق عام انتعشت فيه من ضعف الإعلام الحزبي أم كحاجة مجتمعية؟

فهي إذا شكلت حاجة موضوعية فهذا مهم، أما إذا جاءت على حساب منابر أخرى فأنا لا أتنبأ لها بمستقبل.

أعود وأؤكد أنه بكل الأحوال لا يمكن لهذه المنابر أن تتعامل مع المخزن والسلطة كشريك لأن الفضاءين متنابذين وليس الصحافة فقط بل القلم في حد ذاته يتنافى مطلقا مع السلطة وهنا أعني الأقلام الجادة وليس المرتزقة.

لذلك فكلما وقعت أحداث كبرى إلا وكان هناك نكوص في هذه المنابر. وأنا أستغرب كيف أنه في وضعية الاستثناء الإعلامي الذي نعيشه منذ أحداث 16 ماي استمرت هذه الصحف وهذه الوضعية الاستثنائية التي أتكهن أننا سنستمر في ظلها ما بين 5 إلى 10 سنوات.

هناك قضية أخرى أود أن أثيرها وهي قضية التشفي الإعلامي حيث أن بعض الصحفيين يتشفوا في بعضهم وهي مسألة غير صحية وتثير الشفقة لأن الكثير من الصحفيين استلطفوا ما وقع لبعض من زملائهم مثل بعض السياسيين الذين يطالبون بحل حزب العدالة والتنمية لحسابات سياسية ضيقة.

هذه الفسيفساء من الأحداث وتداخل الموضوعي مع الذاتي مع السياسي مع الأمني مع الإعلامي الجاد مع غير الجاد تبين في حقيقة الأمر اننا نعيش المرحلة الانتقالية الحقيقية التي ستبين في نهاية مطافها صورة المغرب.

 

النهار: وهل أنت متفائل وما هو مغرب الغد؟

 

يحيى اليحياوي:  لا أستطيع التكهن أو استشراف مستقبل بلاد لأنني لست مركز بحث ولا مرصدا. لكني أقول إن المغرب الذي أتمناه أن يكون بعد هذه المرحلة الانتقالية هو المغرب القادر على الخروج من مجموعة من المفارقات والحاسم في العديد من الإشكالات مثل الإشكالية الثقافية وهوية المغرب غير المحسومة وهوية الدولة وما سوى ذلك.

فالمغرب الذي يجر وراءه قرونا من التاريخ لم يحل الإشكالية اللغوية مثلا بعد.

إشكالية الهوية ما زالت مطروحة أيضا وهو أمر خطير لأنه لا يمكن بناء مستقبل وأنت لم تحسم مسألة الهوية. فيجب أن تعرف من أنت لتعرف إلى أين أنت ذاهب، لأن مسألة الهوية يدخل فيها الثقافي واللغوي والإثني وغيرها.

كذلك على المستوى المؤسساتي لم نحسم في العديد من الأمور مثل مكانة الملكية في المغرب هل هي حكم أم فاعل أم جزء من الحقل السياسي أم مراقب من فوق حيث أن هناك من يقول إن الملك يجب أن يسود ويحكم وهناك من يردد أنه يجب أن يسود ولا يحكم.

وكمجتمع لا يمكن أن نستمر في اجترار هذه المفارقات والإشكالات. وهذا يسري كذلك على إمارة المؤمنين وهل الملك المفروض أن نسائله لأنه فاعل اقتصادي واجتماعي وسياسي وهل عندما نقوم بتقييم حصيلة العمل الحكومي فهل سنقول أن الحصيلة هي حصيلة الملك أم حصيلة الحكومة...الخ.

إذن هناك مفارقات عديدة. فهناك مفارقة الهوية ومفارقة المؤسسة السيادية للنظام ومفارقة النظام الاجتماعي والاقتصادي. هل نحن دولة ليبرالية وهل اللبيبرالية هاته ليبرالية كلاسيكية أم بطابع مغربي كما يزعم. فيجب حسم هذا الإشكال لأن الحداثة التي يتم الحديث عنها هي رافد من روافدها فنحن لا نعرف هل اقتصادنا ليبرالي لأن هناك الخوصصة وهناك مؤسسات عمومية تفلس وتخوصص وتشتريها الدولة فيما بعد وهناك مؤسسات مثل القناة التلفزية الثانية التي كانت خاصة ثم أصبحت عامة وستخوصص فيما بعد. المشهد غريب جدا ويفترض الحسم فيه بسرعة قبل الحديث عن العولمة والقرن الحادي والعشرين ومجتمع الإعلام والمعرفة...وطالما لم نحسم كل هذه الأمور فسنظل نجتر دائما هذه المفارقات... وللأسف هناك من يقتات من هذه المفارقات وهذا اللبس ويسمى في الأدبيات الصحفية القوى المناهضة للتغيير.

 

النهار: هذه الإشكالات والمفارقات من سيحسم فيها، هل النخب ومن هي النخب؟

 

يحيى اليحياوي: أظن أن الجميع معني بهذه الأمور والحسم يجب أن يتم التفكير فيه جماعيا مثل وضع أو تعديل نص الدستور. فمثلا قضية مدونة الأحوال الشخصية هناك لجنة تشتغل لوضع مشروع سيرفع إلى الملك الذي سيحسم فيه وحسم الملك يعني الانتهاء من نقاش موضوع لمدة عقد من الزمن أو أكثر.

وهناك ملفات من المفروض ان النخبة تساعد على حسمها. وأظن أننا اليوم حسمنا في مسألة الأمازيغية ولو بطريقة عوجاء ولكن أنهينا مشكلا وفتحنا الباب أمام التفكير في التطوير.

الوضع في المغرب يعطيك الانطباع أن لا شيء يتحرك فهناك جمود في جميع المؤسسات. فالأحزاب ساكنة والمجتمع المدني جامد والنخب المثقفة راكدة والإعلام إلى حد ما جامد.

ويمكن القول وأنا لست سوداويا إن مغرب 2003 لا يتحرك فهناك إيهام بأننا نتحرك ولكن العكس هو الحاصل. هناك فقط حركة افتراضية. الكل يعطي الانطباع أنه يتحرك من السياحة إلى التعليم إلى الثقافة...لكن عندما تدقق تجد أن لا شيء يتحرك...وهذا يعني أن المغرب لا يتقدم.

 

النهار: تحدثت عن النخبة ومشكل المغرب هو عدم تجديد هذه النخب لأن الأحزاب فقدت دورها ولم تعد تنتج خطابا؟

 

يحيى اليحياوي: حقيقة، الأحزاب كانت تنتج نخبا في الستينات والسبعينات ولكنها للأسف لم تخلق أدوات تجديد هذه النخب وإعادة إنتاج نخب تساير العصر بدليل أن نخب الستينات والسبعينات هي التي تحكم اليوم وتحتل مواقع المسؤولية في الوزارات والإدارات والسفارات وغيرها.

والخطأ الذي ارتكبته هذه النخب هو عدم استمرارها في الالتزام بدورها التاريخي. أنا أتعجب كيف أن أستاذا جامعيا عندما يشغل منصب وزير أو مدير لا يستمر في مهنته الجامعية في التدريس والبحث والإشراف على تكوين النخب بل يطلق الجامعة نهائيا وكأن المهمة الرسمية تلغي وظيفة البحث والتدريس وهذا بخلاف الدول المتقدمة التي لا تجد فيها هذه المفارقة.

إننا اليوم نعيش أزمة نخب وهذا من شأنه أن يرهن مستقبل كافة القطاعات ضمنها الإنتاج الفكري الذي يعتبر المحرك الأساسي لمستقبل البلاد.

 

النهار: تحدثت قبل قليل عن الحداثة وهذا المصطلح يحيلنا على المشروع الديموقراطي الحداثي الذي بدأ يتردد على مسامعنا هذه الأيام، فهل المغرب يتوفر على مشروع ديموقراطي ومشروع ديموقراطي حداثي وبالتالي ما هي الحداثة في نظرك؟

 

يحيى اليحياوي:  في المغرب وللأسف هناك مفارقة غريبة. فنحن ننتج من الخطابات الشفوية أكثر مما ننتج على مستوى ما نمارس.

فعلى مستوى الخطاب يمكن القول إن هناك رغبة في إرساء أسس أولى للديموقراطية. سنسلم جدلا أن هناك رغبة فكيف نحقق ذلك. هذا هو المشكل الأكثر تعقيدا لأن تحقيق الديموقراطية لا يتطلب فقط الرغبة بل لا بد من توفر الآليات.

ونعود إلى المشروع الديموقراطي فماذا يعني هذا المشروع؟  هو توفر تصور عام وأدوات لتصريف هذا التصور. اليوم نحن لا نتوفر على هذه الأدوات ليس لأننا لا نتوفر على أحزاب التي هي الأداة الأساسية لتصريف الديموقراطية ولكن لأننا لازلنا نعيش مركزة السلط في مستوى واحد.

الديموقراطية تفترض وجود سلط مضادة ونحن اليوم لا نتوفر على معارضة لأنه إذا وجه رئيس الدولة خطابا فكل الأحزاب ومكونات المجتمع المدني تنظر بعين واحدة للخطاب.

أما المشروع المجتمعي الحداثي فالحداثة كما يعرفها جاك أتالي هي مصطلح انتهى إلى ما لا نهاية.

سنأخذ الإعلام مثلا وهو رافد من روافد الحداثة، لا يعقل أن تتبجح بخطاب الحداثة وأنت ليست لديك النية ولا القدرة على خلق وتقوية أدواته.

وهذا لا يعني أننا ضد المشروع الديموقراطي الحداثي ولكن ضد الخطابات الدوغمائية.

إن الأساس هو أن يحصل اتفاق مجتمعي ولنسمه ما نشاء ليس بالضرورة الحداثة، وأن المهم هو أن ننطلق ونتجاوز اجترار المفاهيم التي غالبا ما تروج للاستهلاك الخالص...

 

جريدة النهار، أسبوعية، الرباط 15 غشت 2003 (أجرى الاستجواب عبد الحكيم بديع)