"عولمة العولمة"

المهدي المنجرة, منشورات الزمن, الرباط, الطبعة الثانية, 2011, 112 ص.

 

 

بتقديم هذا الكتاب القيم, يقول يحيى اليحياوي: إن "ظاهرة العولمة, من وجهة نظر المهدي المنجرة, إنما هي, بصرف النظر عن كل المقاربات والتأويلات, مرحلة من مراحل الاستعمار الجديد الذي تعمل القوى الكبرى (وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية كقوة أولى), على التأسيس والترويج لها, ليس فقط على مستوى الممارسة والتطبيق, بل أيضا على مستوى الثقافة والفكر".

 

ويتابع صاحب التقديم القول: "إن العولمة القائمة, في نظر المنجرة, هي فرض لنمط معين من القيم من لدن دول الشمال على دول الجنوب, بتزكية ومباركة أنظمة وحكومات هذه الأخيرة, وكذا بواسطة أقلام مرتزقة, رهنت فكرها وتحليلها لفائدة حكام متواطئين, في مرحلة ما بعد الاستعمار, مع مستعمريهم القدامى".

 

ويخلص مقدم الكتاب إلى القول بأن "عولمة العولمة المقصودة في هذا المقام, لا تعني فقط إعادة الاعتبار للحمولة السيميائية التي من الواجب أن يعبر عنها المصطلح, ولكن أيضا ضرورة بناء مضامينه من جديد, قصد تضمينه القيم الثقافية والحضارية التي من المفروض أن تحكم أنساق القيم ومنظومة القانون الدولي, عوض انبنائها على لبرلة سياسة القوة وخوصصة العلاقات بين الدول والشعوب والثقافات".

 

يتكون هذا الكتاب من مجموعة من المقالات والدراسات والمحاضرات, سبق للمؤلف أن ثوى خلفها, فجمعها بهذه السلسلة تعميما للفائدة, ومن باب توثيق الموقف أيضا:

 

+ بنص "تحرير العولمة", يقول المؤلف: " لقد كنت مترددا في المشاركة في النقاشات حول العولمة, وما يزال تحفظي قائما إلى الآن. وكانت آخر الدعوات الموجهة إلي في هذا الإطار, وهي الدعوة التي رفضتها, قد وصلتني من المنتدى الاقتصادي الدولي, بخصوص الاجتماع السنوي بدافوس سنة 1998. وكانت الدعوة مرفقة بالتعليق التالي: ما دمتم تحسبون على أولئك الذين يتحدثون باسم العالم الثالث, فاحضروا معنا ليشاطركم الآخرون وجهة نظركم. لكن كيف يمكنكم القيام بتبادل لوجهات النظر مع أناس ذوو آراء قطعية ونهائية, أناس عقدوا العزم على استخدام كل الوسائل الممكنة لجعل أولئك الذين يفكرون بطريقة مغايرة, يبدلون رأيهم؟".

 

ويرى المنجرة أنه قد تم "تشجيع العولمة بشكل كبير, بفعل التأثيرات المشتركة لكل من "ما بعد الاستعمار", ورعاية القوة العظمى, ووصاية المؤسسات المالية العالمية, التي تعمل تحت إمرة هذه الأخيرة, إضافة إلى السلوك المرتشي والجبان لأولئك الذين يتحكمون في مصائر الجنوب".

 

ويلاحظ الكاتب أن العولمة تتشبع "وتتغذى من العجرفة الثقافية التي تمتح أصلها من الجهل واللامبلاة, تجاه أنساق قيم أخرى, وتجاه حقها في الوجود. هذا يؤدي بشكل تدريجي وفعلي, إلى نزعة ثقافية تسلطية عالمية: إفعل مثلي إن كنت تتشبث بحقك في الوجود".

 

إن المسألة الأهم بالنسبة للمنجرة, هي "معرفة ما إذا كان منظرو العولمة مهيئين, إن على المستوى المفاهيمي أو على المستوى العملي, لقبول أن تتواجد أضرب أخرى من الناس لهم تواريخ أخرى, خاصة إذا كان تاريخ أصحاب العولمة يعد بالقرون لا بآلاف السنين".

 

إنني أقول, يتابع المؤلف, بأن العولمة "كما هي محددة وكما هي مفروضة حاليا, تكون أحد الأسباب الأساسية في صعود العنف, وتناسل النزاعات التي نلاحظها على المستوى الكوني. العولمة هي أيضا ذلك الحقل المناسب لمواجهات كونية أخرى, أكثر حدة وتهديدا لاستمرار الإنسانية على قيد الحياة, اللهم إلا إذا تم اتخاذ إجراءات تقويمة عاجلة, لتصحيح هذه الاختلالات المتتالية التي لم يعد في مقدور النظام الدولي تحملها".

 

+ في نص "مستقبل المنظومة الدولية في الألفية الثالثة", يلاحظ الكاتب أن ثمة تناقضا صارخا في المجتمع الدولي, ناتج أساسا عن تضارب قوي بين شرائع القانون الدولي, وشرعنات المتحكمين في مصير الجماعة الدولية.

 

 ويتابع القول: "إن ما تشهده البشرية من تحولات على مستوى سلوكات المجتمع الدولي لجديدة على الإنسانية. فبعد نهاية الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي, انفرد بالعالم العملاق الأحادي المتمثل في الولايات المتحدة, التي تعتبر نفسها القوة العظمى السابحة في الوحدانية, ولعدم وجود قوة مقابلة أو مجابهة للمركب الأمريكي, وما يمتلكه من إمكانيات تدميرية عسكرية, تكنولوجية, صناعية ومالية. فالولايات المتحدة الأمريكية تصرف الملايير لصيانهة هيمنتها, وضمان استمرار تحكمها في المنظومة الدولية. هاته الساعية إلى احتكار العالم, لا تشكل من مجموع سكانه إلا 5 بالمائة".

 

إن الحضارات القديمة, يقول المنجرة, لم تكن متعملقة ولا لها الإمكانات التي لدى الولايات المتحدة الأمريكية, التي "تبني آليات جديدة لمحاربة البشرية وفرض هيمنتها, وهي آليات تبتعد عن تلك المتعارف عليها في الحروب الكلاسيكية" .

 

+ بنص " أي صورة للعرب في المستقبل؟", يلاحظ الكاتب بأنه لا يستطيع أن يجد "توصيفا دقيقا للعقل العربي. لأنه ليس ماضويا ولا مستقبليا. هو خليط بين العقول, لذا لا تجد ما يمكن أن نسميه دراسات المستقبل". ومع أنه كان ثمة بعض إرهاصات البحث في المستقبل هنا وهناك, يؤكد الكاتب, فإن "النخبة الحاكمة لا تنظر بثقة إلى الخبرات والكفاءات المحلية. وأكاد أجزم أن لا أحد من الحكام وفر وقتا للاطلاع على الدراسات المستقبلية العربية... فالعرب لا يهتمون إلا بالدراسات التي تأتي من أنجلترا وفرنسا وأمريكا".

 

ويعتقد المؤلف بأنه لا يمكن للحالة العربية أن تصل إلى أسوأ مما هي عليه. " فالجامعة العربية محنطة, والتنسيق العربي مجمد, وصيغ مجالس التعاون لم تحقق نتائج واضحة, والنزاعات الحدودية تستغرق النخب الحاكمة. كما أن نماذج التنمية السائدة تسير على النمط الغربي, وهي أقرب إلى التبعية, ولا بد أن يأتي الفرج من خلال جيل جديد, يتمثل في أن نسبة كبيرة من أبناء الوطن العربي تحت 24 سنة, وهذا يدعو إلى التفاؤل, لكن هناك عوامل موضوعية تؤكد وجود الأمل".

 

فنحن نمتلك, يقول الكاتب, "عددا وافرا من الكفاءات والخبرات العلمية التي تحتاج إلى الثقة. وهذا مطلوب من الرأي العام ومن الحكومات ووسائل الإعلام والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. علينا أن نعيد الاعتبار للعقل من دون استسلام لمعطياته. ويحتاج العقل العربي إلى نوع من المأسسة, أي المؤسسات التي تنظم المعلومات والمعارف وتوثقها, وتكون على اتصال مع مراكز الأبحاث في العالم, ليس لكي تقلد ما توصلت إليه, وإنما لتناقشها وتستفيد منها".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 17 نونبر 2011