"ما بعد العدوان على غزة"

 

 

انتهت "الغزوة الكبرى", التي شنتها إسرائيل على غزة, مخلفة وراءها وفي أعقابها, شهداء ويتامى ومشردين بالجملة, ومعاقين ومعطوبين ومحروقي الجسد بالفوسفور الأبيض واليورانيوم المنضب, وتاركة من خلفها عقدا نفسية لا تندمل, وحالات اجتماعية مستعصية, وأوضاعا على الأرض يخال للمرء وهو ينظر إليها, كما لو أن طوفانا جارفا ما قد نزل بها والناس نيام, أو في غفلة من أمرهم, ولم يبق بأيديهم لا ما يقدمون ولا ما يؤخرون.

 

وبمجرد ما انتهت الغزوة, وتنفس الناس, هناك بغزة المحاصرة أصلا, تنفسوا الصعداء, بدأت الترتيبات, وبعض من أجساد بني آدم لا تزال تحت الأنقاض, أو يتلمس طريقا للعودة إلى الحياة بعد ثلاثة أسابيع من جهنم, بمجرد انتهائها, أو بالموازاة معها, بدأت "الترتيبات" (السياسية أو الأمنية, كل حسب تسميته) لجني ثمار ما تحقق على الأرض, دمارا شاملا كان, أم مكاسب للمقاومة لا مجال للمرء لنكرانها, أو غض البصر عنها:

 

+ فإسرائيل, والغزوة على وشك أن تضع أوزارها, عمدت إلى استصدار اتفاقية ثنائية مع إدارة أمريكية على وشك الرحيل في حينه, تعطي الأمريكان حق مراقبة مسالك "تهريب" السلاح لغزة بحرا وبرا, وتفسح لها في المجال للتموقع من جديد بكل محيط القطاع, لمراقبة ما يدخل إليه وما يخرج.

 

وهو ما عمدته إسرائيل مع أوروبا, وإن ببهرجة إعلامية أقل, حتى إذا ما طالعنا الأخبار, أسبوعا بعد "وقف إطلاق النار", طلعت علينا وسائل الإعلام بفرقاطة فرنسية تجوب المتوسط, وقبالة شواطئ غزة, لمراقبة ما باتت تسميه الأدبيات "تهريبا للسلاح عبر البحر", ناهيك عما يتم, تقول الأدبيات إياها, عبر الأنفاق لفائدة المقاومة ومن دول الجوار القريب أو البعيد, أي من مصر ومن إيران.

 

+ وحركة حماس, الرافعة للواء المقاومة, والصامدة بوجه إسرائيل لأكثر من ثلاثة أسابيع, لم تعلن الهدنة من جانب واحد كما فعلت إسرائيل, بل أمهلت هذه الأخيرة أسبوعا واحدا للانسحاب من القطاع, بتواز وفتح المعابر ورفع الحصار, فلم يكن لها من معين لموسطة ذلك إلا الجارة مصر, على الرغم مما أبانه سلوك حكامها أثناء العدوان, من تحفظ وتلكؤ وتباطؤ في الفعل, شارف على المؤامرة والتآمر, على لساننا البعيد, وعلى أكثر من لسان يعرف الأسرار والخبايا, ويدرك الحسابات المضمرة, البانية لذات الموقف.

 

+ أما سلطة" رام الله, هناك بالضفة الغربية, فلم تلزم الصمت المطبق, والعدوان على غزة في أوجه وبالقوة المبالغ في خشونتها, لم تلزم الصمت فحسب, بل بادرت بمجرد انتهاء الغزوة, إلى المزايدة الفجة, والتراشق بالألفاظ من على الفضائيات, وإعمال كل عبارات التنكيل والاتهام بحق حماس, لدرجة اتهامها من لدن أحد "مستشاري الرئيس", بقتل عناصر من فتح بدم بارد, ودونما مسوغ يذكر.

 

يبدو الأمر إذن, بالحالات الثلاث, ولكأن كل طرف يبحث عن جهة حماية, تقيه من العنف القادم, أو تحصنه ضد ما يعتقده حقا أو صوابا, أو مطلبا تاريخيا دونها ودون إدراكه الشهادة والإفناء.

 

إن الذي يوحي لنا به سلوك فاعلي المنطقة المباشرين, أو الفاعلين فيها عن بعد, إنما حقيقة أن ثمة فراغا حقيقيا أو افتراضيا, لا مجال لتجاوزه في القادم من أيام, إلا إذا تم تدمير طرف من طرفي المعادلة:

 

°°- فإسرائيل, كما أمريكا كما أوروبا, لا تعترف بحركة حماس, فما بالك بالمقاومة التي تقودها, وتعتبر أن سلطة محمود عباس غير ذات قيمة مادية أو رمزية كبرى, بدليل "عدم فاعليتها" في بسط سلطتها على ما منحته إياها اتفاقات أوسلو, بل باتت بنظرهم, ضمن مجال المتجاوز, مادام أن سلطتها الخشنة, كما الناعمة, غير ناجعة في الحد من تداعيات "انقلاب حماس", واستئثار هذه الأخيرة بالسلطة, في غزة دون شريك, أو منغص.

 

°°- وحماس لم تنجر, على الرغم من قبولها بسلطة رام الله, لم تنجر للاعتراف بدولة إسرائيل, ولا بحقها في الوجود, ولا عمدت إلى مهادنتها, بل اعتبرتها "عدوا تاريخيا", قد يتم القبول بمجاورته مؤقتا, لكن لا يجوز بالمرة الاعتراف له بالوجود المادي أو المعنوي الدائم, بأرض هي بالأصل وقف للمسلمين, لا يمكن بأي حال من الأحوال مقايضتها, اللهم إلا إذا تأتى ذلك على الأجساد والجماجم.

 

°°- و"سلطة" رام الله, بين كل هذا وذاك, تجامل وتكابر, وتدعي الواقعية والاحتكام إلى مجريات موازين القوة على الأرض, حتى باتت كمن يبحث عن "حل وسط", لا يغضب إسرائيل وأمريكا, حيث مستويات القرار الحسم, ولا "يثير" حركة بالقطاع أدت غاليا, مقابل مواقفها, من دماء مقاوميها ومجاهديها, ناهيك عمن ائتمنت الحركة على أمنهم وسلامتهم وبعض من رغد العيش لهم, وإن في ظل الحصار.

 

إن الذي تشي به تبعات ما بعد العدوان على غزة, إنما احتكام الأطراف, كل الأطراف, القريب منها كما البعيد, إلى ترتيبات تضمن لإسرائيل وأمريكا وجزء من أوروبا, تكريس حقائق على الأرض, تمكن "سلطة" رام الله من الاستمرار في مسالك, تأكد أنها تراود مكانها, وتفتح أمام حماس سبل الاعتراف لها وبها, إذا لم يكن كقوة مقاومة حقيقية, فعلى الأقل كواقع سلطة قائم من بين ظهراني تراب غزة.

 

وعلى هذا الأساس, فإن المحك الأكبر في كل ذلك, إنما الجهة التي سيكون من "نصيبها" الحصول على أموال "إعادة إعمار القطاع", وهي أموال ضخمة, موعود بها من لدن أكثر من حكومة ودولة, ومراهن عليها من لدن هذه الجهة كما من لدن تلك.

 

 ويبدو لنا, بهذه النقطة, أنه من غير المرغوب فيه أن تتكفل حركة حماس بذلك, ليس فقط لأنه غير مطمئن لجانبها, أو لأنها مصنفة ضمن خانة "الحركات الإرهابية", ولكن أيضا لأن منحها أموال إعادة الإعمار هو من قبيل الاعتراف بها رسميا كجهة قائمة, لا يمكن التحايل على وجودها في القادم من ترتيبات.

 

وهو, فضلا عن ذلك, سلوك قد يكون مؤداه بالمحصلة, الإجهاز على "سلطة" رام الله, التي تبدو لبلدان الجوار, كما لأمريكا وللغرب عموما, تبدو لهم الجهة الطيعة, التي تتساوق ومطالب الدول إياها, ناهيك عن كونها طرف أوسلو الذي رضي السلام, وارتكن إليه ك"خيار استراتيجي", لا بديل عنه بالوقت الحاضر كما بالقادم من أوقات.

 

ولهذه الاعتبارات, ولغيرها ربما, فإن كل الترتيبات الجارية اليوم حول من ستؤول إليه أموال إعادة إعمار غزة, إنما قد يكون من شأنه إفراغ القضية من بعدها السياسي, واختزالها بصبغة أمنية واقتصادية, لتصبح القضية برمتها وبالمحطة النهائية, مجرد مسألة تقنية وإجرائية, المفروض تدبيرها لا التساؤل في خلفياتها.

 

قد يكون بإمكان إسرائيل أن تدرك بالمعونات وأموال "التبرعات" الآتية لغزة, ما لم تستطع إدراكه بقوة النار والحديد. وقد يكون بمقدرة أمريكا وأوروبا والغرب عموما, أن يراقبوا ما يدخل غزة من سلاح. لكن الذي لا يدركونه جميعا, أو لا يريدون إدراكه, إنما حقيقة أن المسألة ليست مسألة أموال تأتي من هنا أو هناك, لتطييب خواطر أناس دمرت حياتهم, واغتصبت كرامتهم, واستبيحت أعراضهم, وضرب أهلهم وذووهم بقنابل الفوسفور الأبيض.

 

إن المسألة أكثر بكثير من أن تختزل في المال أو في الإعمار, إنها كامنة في حق شعب يريد أن يعيش فوق أرضه, وبين أحضان مقدساته, ويريد فوق كل ذلك وقبله, أن يعترف له بالحق في مقاومة جلاده, إذا لم يكن بالسلاح "المهرب", فبالعصي والأسنان والأظافر, أو بما ملكت الأيمان.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 يناير 2009