"العرب والعلمانية"
أحمد
برقاوي, دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر, دمشق, 2007, 112 ص.
1- العلمانية هي إنجاز نهضوي تاريخي, يبدأ المؤلف كتابه, لا بل هي أحد عناصر التطور الديموقراطي, وهي تعني فصل
الدين عن الدولة والسياسة وفصلها عن العلم, لأن لكل مستوى من هذه المستويات مجاله
وفضاؤه الخاص. العلمانية ليست معادية للدين، بل هي مدافع عن حرية الاعتقاد الديني وعدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية.
إنها تقوم على الانطلاق من مفهوم المواطنة والمساواة بين كافة المواطنين, أيا
تكن أديانهم أو عقائدهم أو معتقداتهم أو ألوانهم, أو المرجعيات التي يبنون عليها
تمثلاتهم لذواتهم وللجماعة من حولهم.
إن عبارة "الدين لله والوطن للجميع", إنما يجب
استنباتها من جديد, يعتقد المؤلف, لأنها ليست شعارا تاريخيا ارتكزت عليه حركات
التحرير العربية ضد الاستعمار, بل هي مطلب سياسي بات له اليوم حتمية لا مجال
للمزايدة بشأنها كبير.
ولما كان النظام العربي اليوم قد أضحى, بنظر المؤلف,
مبنيا على أسس سياسية هجينة هي عبارة عن مواءمة غير طبيعية بين العلمانية والنزعة
الدينية (زادت من تعميق هجانتها طروحات الحركات الإسلامية برأي المؤلف), فإن المرء
يحتار برأيه, في تشخيص طبيعة هذا النظام والخلفيات الإيديولوجية الحقيقية التي
يرتكز عليها.
ما العلمانية؟ يتساءل الكاتب. بهذه النقطة, يلاحظ المؤلف
أن مسألة العلمانية بأوروبا (حيث مهدها ومنطلقها الأساس) خضعت لأمرين اثنين: الأول
ويتمثل في تنحية الجانب القدسي من وجهة الرأي النظرية وإعلاء الجانب الدنيوي في
العملية. أما الثاني فيرجعه إلى مضمون المفهوم ذاته, باعتباره وحدة تحليلية تحيل
على العالم وليس على العلم بالمعنى المجرد للكلمة.
ويحسم الأمر بالقول بأن مسألة العلمانية إنما تكمن في فصل
الدين عن الدنيا وفي فصل الدين عن الدولة, مع العلم يلاحظ الكاتب, بأن الدولة العلمانية ليست بأي
حال من الأحوال معادية للدين ولا هي بالدولة الإلحادية. ثم, يتابع المؤلف, إن
المواطنة لا يمكن أن "تقوم إلا في دولة علمانية".
إن العلاقة بين العلمانية والمواطنة إنما هي علاقة
تقاربية وتغايرية, يقول المؤلف, على اعتبار أنه من الوارد أن تكون الدولة غير علمانية
وتكون بالآن ذاته استبدادية, كما الحال بالنظم النازية والفاشية التي سادت
بثلاثينات وأربعينات القرن الماضي بألمانيا وبإيطاليا.
إلا أن الديموقراطية غالبا ما تقود, بنظر الكاتب, إلى
العلمانية مع حقيقة أن العلمانية قد لا تقود بالضرورة للديموقراطية.
2- من جهة أخرى, وفي تساؤله عن العلاقة بين الديموقراطية والهوية, يرى الكاتب
بأن "الهوية شعور بالانتماء. فهناك هوية دينية وهوية مكانية", تماما
يتابع الكاتب, كما أن الدين منظومة في التصورات الماورائية حول العالم, في حين أن
اللاهوت هو "نمط من المعرفة المتراكمة تاريخيا والمنتجة من قبل جمهور من
الناس, اختصوا بعملية الدعوة والتلقين والشرح والتفسير والاجتهاد".
وعلى هذا الأساس, يرى المؤلف أن ثمة ثلاثة مفاهيم مركزية
يتمحور حولها أي إصلاح ديني يتغيأ البناء للعلمانية: النص ثم التاريخ ثم العقل, و"أي
غياب في العلاقة بين هذه المفاهيم, في أي خطاب ديني مهما كان جديدا, يخرجه من
دائرة الإصلاح الديني".
ويستشهد الكاتب في ذلك, بأكثر من مفكر "تنويري
ونهضوي" (من أمثال الشيخ محمد عبده وعلي عبد الرازق وخالد محمد خالد وغيرهم)
ليبين, بالتربة العربية/الإسلامية بأن الخلافة في هذه التربة ذات طبيعة مدنية
وتاريخية, ويجب أن تستند بالتالي على "أحكام العقل وتجارب الأمم", على
اعتبار أن الحكم إنما هو "ثمرة صراع على السلطة" وليس شيئا آخر.
يقول الكاتب, بالارتكاز على كتب خالد محمد خالد:
"الدولة المستبدة دولة سمع وطاعة وطغيان. دولة لا أخلاقية, ومصادرة للحرية
وحقوق الإنسان. أما الدولة الديموقراطية, فهي دولة الإرادة الحرة, دولة أخلاقية,
وعقلانية ودولة حقوق الإنسان".
ويستشهد أيضا, على لسان محمد شحرور: "الدولة
العلمانية كما أراها, هي الدولة التي لا تأخذ شرعيتها من رجال الدين, وإنما تأخذ
شرعيتها من الناس. فهي لهذا دولة مدنية غير مذهبية وغير طائفية".
يحيى اليحياوي
الرباط, 18 نونبر 2010