"العرب والعالم اليوم"

 

مجموعة باحثين, منشورات اتحاد الكتاب العرب, دمشق, دجنبر 2005, 196 ص.

 

1- بمقدمة الكتاب ("العرب اليوم بين الواقع والطموح"), يتساءل حسين جمعة: "أين يقع العرب مما يحدث في عالم اليوم, وقد بدأت الألفية الثالثة، وبدأ القرن الحادي والعشرون؟ أين تكمن أهمية النظام العربي بكل صوره, بما فيها صورة الجامعة العربية, الذي توافر له بعد حضاري تاريخي, أصيل ومتقدم وفاعل في الآخر حتى الساعة؟ إلى أي مدى استطاع العرب أن يحدثوا حركة توازن داخلية ذاتية حقيقية بين أفراد مجتمعهم، على صعيد الإبداع الفردي والجماعي، وأن يبدعوا إنتاج ورشات عمل جماعية, تحلل واقعها, وتستشرف آفاق مستقبلها؟ ولو حدث هذا كله, فما نصيبه من التطبيق عند أصحاب القرار والفعل, من رجال الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام...؟".

 

ويجيب بالصريح المباشر: إن "النظام العربي لم يثبت أي نوع من الفاعلية الإيجابية, على الصعيد الداخلي والخارجي, اللهم إلا التمسك بزمام السياسة المحلية, والحفاظ على الدولة القطرية. وكذلك استطاع أن يحول الشارع العربي من ظاهرة صوتية, إلى ظاهرة صمتية, مصابة بكل ألوان الإحباط والعجز، والتخبط بعد أن اصطدمت بالمواقف السياسية القطرية, والرؤى المنحرفة هنا وهناك".

 

ويتابع بأن التدابير العربية الجماعية لم تتفق يوما "إلا على ترتيبات الأمن المتعلق بالرموز القطرية، أما ترتيبات الأمن القومي العربي الجماعي الموحد والموحد فقد سقطت, وفي أحسن حالاتها حدوثا, بقيت ثنائية لأمر مؤقت غالبا. فانزوت دعوة الوحدة العربية جانبا، وفقد التضامن العربي قوته وقيمته".

 

ويخلص إلى أن "مواجهة الانهيار, تعد مواجهة حضارية على الصعيدين الداخلي والخارجي, وفي المجالات كلها... ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وتقنيا وعسكريا واقتصاديا... ومن ثم, فإن مواجهة أي مشكلة في أي مجال تحتاج إلى ممارسة عقلية ومنهجية, قبل أي ممارسة حياتية, لتصبح سلوكا اعتياديا للناس... وهي ممارسة تستند إلى مبادئ, تكفل لأبناء الأمة العربية وحدتهم وتقدمهم في الاتجاه الصحيح، دون أن يتخلوا عن أي قيمة من القيم، أو مبدأ من المبادئ تحت أي تأثير من التأثيرات....".

 

2- بنص "الحرب العدوانية على العراق ومستقبل المنطقة", يقول علي عقلة عرسان: "في خروج صارخ على القانون الدولي، ومن دون أي مستند قانوني أو خلقي، ورغم اعتراض مجلس الأمن الدولي، قامت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا, بشن حرب عدوانية على العراق، تحت شعار: نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية, التي تهدد العالم وأمن دوله وأمن العالم، وجيران العراق، وشعبه، ومن أجل القضاء على نظام ديكتاتوري, يهدد أمن الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن العراق لم يلتزم بالقرارات الدولية, لا سيما القرار 1441، ولم يلب مطالب المجتمع الدولي".

 

لقد خاض الرئيس الأميركي, يقول الكاتب, حربا ما زال يبحث حتى الآن عن الدليل, الذي يثبت الادعاءات والمسوغات التي قدمها للعالم من أجل شنها, وعلى رأسها التخلص من أسلحة الدمار الشامل العراقية, التي تهدد أمن العالم. "فهل وقف أحد من قبل, على جريمة بحق شعب وبلد, ترتكب أولا, ثم يتم البحث عن مسوغات وأدلة لارتكابها؟".

 

وعلى الرغم من أن نتيجة الحرب كانت شبه محسومة لمصلحة القوة الأعظم، فقد خطط لاستخدام قوة تدمير في غاية الشدة، يؤكد الكاتب, "لا ترمي إلى تحقيق نصر سريع, بل إلى تدمير شامل واسع المدى, يشمل الجيش والسلاح والدولة والبنى التحتية والإدارية والبشر والبيئة وسلامة الإنسان. كان الجيش الأميركي قد حدد لنفسه خمسين ألف هدف, يقصفها في العراق، وفي البرنامج الزمني ثلاثة آلاف هدف يوميا، وتم إسقاط كم هائل من القنابل على العراق عامة, وعلى بغداد خاصة".

 

لقد بدا لي, يلاحظ الكاتب, بدا لي من المتابعة لما سبق الحرب, "أن الرئيس بوش رجل لا يجدي معه الكلام, فهو معبأ ومشحون تماما, وواقع بشكل نهائي تحت تأثير إيمانه الديني وولائه الصهيوني، وتحت وهم أنه مكلف برسالة إلهية, تجعله يقف بالنتيجة ضد العرب والمسلمين، وأن التاريخ يناديه, ليقوم بواجب وتكليف إلهيين لا يتوقفان عند حدود العراق، وأن الحركة الصهيونية قد أوكلت إليه حربها المطلوبة بإلحاح, لتدمير قوة عربية, ترى أنها تشكل خطرا على الكيان الصهيوني، وهي الحرب التي تحقق مصالح مشتركة للطرفين, وتنسجم مع استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية من جهة".

 

إن الحرب العدوانية على العراق أتت, برأي الكاتب, حلقة في سلسلة بدأت الولايات المتحدة الأمريكية التخطيط لها في عام 1996، وعززت ذلك التوجه, وسرعت خطواته أحداث 11 سبتمبر2001, حيث أصبحت الاستراتيجية التوسعية الأميركية, تنفذ تحت شعار "محاربة الإرهاب". وقد قررت دول العالم جميعا, أن تناصر الولايات المتحدة الأمريكية في "محاربة الإرهاب"، ولكن العملية التي بدأت في أفغانستان, كانت موجهة إلى عالم أوسع بكثير من ذلك البلد الفقير المتخلف، عالم ذي جغرافية بشرية وثقافية وعقائدية محددة: إنه العالم الإسلامي بشكل عام, والوطن العربي بشكل خاص.

 

إن جغرافية العراق تشكل موقعا استراتيجيا هاما, قريبا من إيران وبحر قزوين وتركيا، وفي العراق كميات هائلة من النفط, تشكل أعظم احتياطي نفطي متوقع في العالم حتى الآن, بعد السعودية (115 مليار برميل)، ففي آبار العراق النفطية المكتشفة المستثمرة وآباره المكتشفة غير المستثمرة، ولا نتحدث عما سيكتشف من حقول واعدة, قد تجعله صاحب الاحتياطي النفطي الأول في العالم. وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية, عندما تسيطر على نفط العراق، "لن تخشى منظمة أوبك, ولا تقلبات الأسواق والسياسة, ولا التلويح باستخدام النفط العربي سلاحا في الصراع من أجل تحرير الأرض المحتلة, أو التوصل إلى حل عادل لقضية فلسطين وسواها من قضايا المنطقة".

 

إلى جانب ذلك, فإن السياسة الأمريكية تراهن على إقامة ما لا يقل عن خمس قواعد عسكرية أميركية كبيرة, في أنحاء مختلفة من العراق, وعلى فتح أبواب العراق, بلا قيد أو شرط, أمام الاستثمارات التي تشرف عليها عمليا سلطة الاحتلال, وتتحكم بتوجهاتها, من خلال سيطرتها على الشركات العملاقة العابرة للقارات.

 

3- بنص "الحرب الاستباقية على العراق: أهدافها ومصيرها, ومحاكمة الرئيس بوش كمجرم حرب", يقول غازي حسين: تعتبر الحروب الاستباقية، أي الحروب العدوانية في القانون الدولي المعاصر وفي ميثاق الأمم المتحدة, "من أفظع الجرائم وأبشعها ضد السلام والازدهار وضد الإنسانية، وخطأ جسيما ضد استقلال وسيادة أراضي الدولة المعتدى عليها, وضد السلم والأمن الدوليين".

 

ويلاحظ أن القانون الدولي, وميثاق الأمم المتحدة, والعديد من العهود والمواثيق الدولية تقضي "بوجوب الوقف الفوري للحروب العدوانية الاستباقية, وانسحاب القوات المعتدية, ومعاقبة الدولة أو الدول المعتدية, وإجبارها على دفع التعويضات عن الخسائر البشرية والمادية والنفسية التي سببتها الحرب الاستباقية. كما يحرم ميثاق الأمم المتحدة, التهديد بالقوة واستخدامها في العلاقات الدولية, ولا يعترف بشرعية الآثار التي تترتب عليها".

 

ولأن مجلس الأمن الدولي رفض تفويض الولايات المتحدة القيام بحربها الاستباقية على العراق، فإن هذه الحرب, انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة, ومبادئ القانون الدولي, ومسؤولية الولايات المتحدة كعضو دائم في مجلس الأمن, عن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين: "إن الولايات المتحدة لم تكن في حالة الدفاع عن النفس، إزاء الخطر المزعوم والكاذب الذي أعلنه الرئيس بوش، ولا يجوز لها إطلاقا التذرع بالحرب الاستباقية على الشعب العراقي, لتبرير عدوانها الوحشي والبشع على الشعب العراقي المحاصر، ولكنها لجأت إلى ذرائع كاذبة ومضللة وغير قانونية وغير أخلاقية, لتضليل الشعب الأميركي عن الاستخدام غير الشرعي للقوة العسكرية, لفرض هيمنتها على نفط العراق, وتدمير جيشه, وتنصيب حكومة ومجلس حكم ووزير خارجية جاؤوا على ظهر الدبابات والبوارج الأمريكية, من سراديب وأقبية المخابرات المركزية".

 

لقد تبلورت استراتيجية الأمن القومي الجديدة, القائمة على الحروب الاستباقية, قبل هجمات 11 أيلول, وظهرت إلى العلن بعدها, يؤكد الكاتب. وأعفت نظرية الحروب الاستباقية, الولايات المتحدة من تقديم المبررات في الحروب التي تشنها, بحجة الدفاع عن النفس, أو ضد أخطار محتملة. بالتالي, "أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في العمل إزاء أخطار محتملة, لتبرير حروبها الاستباقية ضد بعض الدول, التي تؤوي أو تساعد المقاومين لخدمة مصالحها الاقتصادية, ومحاربة العرب والمسلمين. من هنا, يكون الرئيس الأميركي قد خلط بين الحرب ضد الإرهاب والموقف من الدول المارقة، وامتد تعريف الإرهاب ليشمل الدول المارقة، وهي الدول الرافضة للهيمنة الأميركية, والمدافعة عن مصالحها الوطنية والقومية والإسلامية".

 

وتتجلى خطورة الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة, ليس فقط في القيام بالحروب الاستباقية, وإنما أيضا في إمكانية استخدام السلاح النووي, أو ذخائر وقنابل نووية تكتيكية, ضد بعض الدول التي ترى الولايات المتحدة أنها تهدد مصالحها.

 

إن الحرب العداونية على العراق, قد أظهرت تشريع الحرب الاستباقية على خطر وهمي مختلق، ولذلك تصبح هذه الحرب أسوأ وأخطر حتى من الحرب التي أشعلها هتلر، "وتظهر أن بوش أسوأ من هتلر, ويجب محاكمته, بموجب قوانين محكمة نورنبيرغ, التي حاكمت مجرمي الحرب النازيين".

 

وأقنع الإعلام الأميركي الموجه من قبل الإدارة الأميركية, الشعب الأميركي بأن صدام حسين يمثل الخطر الداهم والشر المطلق لأميركا, على الرغم من استجابة العراق الكاملة لشروط وأوامر المفتشين الدوليين, حتى قبل ساعات قليلة من بدء الحرب العدوانية. فزعم الرئيس الأميركي بوش أن "هدف الحرب الاستباقية على العراق, هو تدمير أسلحة الدمار الشامل, والقضاء على الإرهابيين من تنظيم القاعدة, وتغيير النظام, وتحرير الشعب العراقي".

 

لقد نجحت "أكاذيب الإدارة الأميركية, وبالتحديد الرئيس بوش وقادة إدارته اليهود, في تضليل الشعب الأميركي وخداعه, بأكاذيب لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، وثبت بالدليل القاطع كذبها وعدم صحتها, ومنها امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل, وعلاقته مع تنظيم القاعدة. وظهر بجلاء أن الهدف الأساسي من الحرب الاستيلاء على النفط العراقي, والقضاء على الدولة القومية والحزب القومي، ومسح الهوية القومية للعراق, ورسم خريطة جديدة لـه وللمنطقة العربية, أسوأ بكثير من خريطة سايكس/بيكو، وتصفية قضية فلسطين، وإنجاح المشروع الصهيوني في الوطن العربي، وتوطين الفلسطينيين في جنوب العراق, تحت ستار خلق التوازن بين الطائفتين الكبيرتين، وتحقيق النظام الشرق أوسطي الجديد، وإقامة اتحاد عراقي ـ أردني ـ إسرائيلي ـ فلسطيني، وسوق شرق أوسطية بقيادة إسرائيل, وتمويل مشاريع الشرق أوسطية من الأموال المتبقية من نفط العراق".

 

إن استئصال الروح الوطنية والقومية والإسلامية في العراق, شرط لفرض الهيمنة الأميركية عليه، كما أن تدمير الجيش العراقي وإتلاف جميع معداته, يمثل هدفا استراتيجيا لإسرائيل, لا تستطيع أن تقوم هي بتحقيقه، ولكن حققته الولايات المتحدة خدمة لها، وهو ما يعزز ويدعم مكانة بوش لدى اللوبي اليهودي الأميركي.

 

وتهدف إدارة بوش من الحرب الاستباقية إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط, بما فيها إيران وأفغانستان وباكستان وبعض الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وبلدان الخليج, "لتحقيق المصالح والمخططات الأميركية والصهيونية، وتغيير مناهج التعليم في المراحل الابتدائية والثانوية, وحتى تغيير كتب الدين الإسلامي والتربية القومية والسياسات الإعلامية والفكرية والاجتماعية، واعتماد الضربات الوقائية, أو الحروب الاستباقية, أو التهديد بها لكسر إرادات الحكومات المعنية".

 

لقد ارتكب الرئيس بوش، ورئيس الوزراء البريطاني, يقول الكاتب, "الحرب العدوانية على العراق في العشرين من مارس 2003. واحتلت قواتهما العراق, واستهدف عدوانهم المنشآت المدنية كالمستشفيات والمدارس والأسواق التجارية والجوامع والكنائس، وتدمير مشاريع الماء والكهرباء والبنى التحتية الأخرى, في أم قصر والبصرة والناصرية وبغداد، وتدمير الجامعة في بغداد, والسوق الشعبي في العاصمة العراقية. وانتهكت القوات المعتدية اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949, وقتلت أكثر من مئة ألف من المدنيين, وأسرى الحرب, وتدمير التلفزيون العراقي ومقر الهاتف والاتصالات, في جميع المدن العراقية, بدءا من الجنوب والعاصمة حتى الموصل وكركوك، ولم تسلم من القصف الأميركي حتى مخازن المواد الغذائية. وقتلت قوات الرئيس بوش, عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين, جراء القصف المتعمد للأهداف المدنية في العاصمة العراقية والبصرة والنجف الأشرف... حيث قامت القوات الأميركية والبريطانية المعتدية, بقصف القرى والمدن العراقية والمنشآت الصناعية و الزراعية والمدنية، كالمتاحف والقصور والمطارات ومصافي النفط في البصرة والجسور والمستشفيات والأحياء السكنية والشعبية. وتقوم بتصفية الأسرى من القوات العراقية, وتعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب".

 

تعد هذه الجرائم جرائم حرب, برأي الكاتب, وتشكل انتهاكا فاضحا للاتفاقات الدولية الموقعة في لاهاي وجنيف, التي تحظر كلها "على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير".

 

وتحدد المادة الخامسة من نظام المحكمة الجنائية الدولية, الاختصاصات التي تتعلق بعملها وهي: جرائم الإبادة الجماعية, الجرائم ضد الإنسانية, جرائم الحرب, وجرائم العدوان على الغير. وتتجسد جميع أنواع هذه الجرائم في الحرب العدوانية الأميركية/البريطانية الجارية حاليا في العراق. لذلك "يجب تقديم الرئيس الأميركي بوش إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته كمجرم حرب, أسوة بمجرمي الحرب النازيين والروانديين".

 

4- بنص "الحروب الاستباقية لأمركة العالم", يقول محمد محلا: إن "الحروب الوقائية أو الاستباقية، مبنية أساسا على قاعدة افتراضية، ملخصها: ماذا ينبغي أن تعمل الإدارة الأمريكية، إذا حدث فعل ما على خارطة العالم؟ كيف تواجه هذا الفعل بالقوات العسكرية، أم بالحصار الاقتصادي، أم تشن حربا سياسية، غايتها تهشيم القائمين بذلك الفعل، وتحويله لخدمة المصالح الأمريكية؟ وهل ستواجه الفعل بالأصالة، بقواتها وإمكاناتها، أو بقوات الحلفاء أو بعضهم والوسائل التي يمتلكونها، والتي تضعها الإدارة الأمريكية تحت تصرفهم؟".

 

بعد استكمال الإجابة عن التساؤلات الافتراضية كلها، يبدأ "تحديد نوعية الحرب, من حيث كونها عالية الشدة، أو متوسطة الشدة، أو أنها من النوع العادي. ويتحدد حجم القوات، والعتاد، ونقاط التمركز أو قواعد الانطلاق، والزمن اللازم لعملية الحشد العسكري والسياسي، وعوامل الحرب الاقتصادية. وبعد هذا كله تتحدد ساعة الصفر، مع بدايات القصف التمهيدي، الذي يستبق العدوان في أي ميدان".

 

إن التعريف الموسوعي للحرب الوقائية، هي أنها "تعبير يقصد به تلك الحروب التي يشنها طرف, في ظل (قناعته) بأن النزاع العسكري مع طرف آخر, لا يمكن تجنبه. وفي حين تفترض الحرب الوقائية كذلك، اقتناع الطرف البادئ بالحرب, بأنها ليست وشيكة، فإنه يكون مقدرا أن التأخير في شنها، يؤدي إلى مخاطرة أكبر, على صعيد نتائجها المتوقعة. ويميز المنظرون تعبير وقائية من تعبير استباقية، أو بالشفعة، الذي يرتبط بمعظم الأحيان بكلمة هجوم أو ضربة، ويستخدم التعبير الأخير, للدلالة على أن هجوم الخصم وشيك. ولذا, تم استباقه بضربة أولى".

 

 

ومع هذا، فالحروب بأنواعها، تأخذ تسميتها من أغراضها، يقول الكاتب, أو بمعنى أدق "يتم تصنيف الحروب حسب الدوافع والأهداف الرئيسية". ووفق هذا التصنيف، تكون الحرب تقليدية, إذا كانت أسبابها اقتصادية، تجارية، مالية، أو إقليمية, وفي هذه الحالة تخضع لحسابات الربح والخسارة، ويهتم الطرف أو الأطراف القائمة بفعل الحرب، بتنفيذ ما تفرضه من قواعد ونتائج. وإذا كانت الحرب أهلية، فتصنف وفق اتساع رقعتها ومسرحها، شريطة وقوعها داخل إطار الدولة الواحدة. أما إذا كانت بين دولتين، فتعتبر حربا دولية إقليمية أو (قومية) محدودة. وإذا كانت على نطاق عالمي، فتعتبر حربا شاملة, كالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

 

أما الاحتلال العسكري، فيعني "إزالة سلطة الحكومة للبلاد أو للمنطقة المحتلة، وهيمنة القوة الغازية على إدارة البلاد, فتقوم بدور السلطتين التشريعية والتنفيذية، بغرض ضمان مصالحها، وخلق أوضاع تمكنها من استغلال ثروات الأرض المحتلة، وفرض السياسات التي تناسبها. وهو الاحتلال العسكري بركيزتيه: القوة العسكرية والعداء، واستخدام القوة بمعزل عن إرادة الشعب الواقع تحت الاحتلال نفسه، الذي طبقته الولايات المتحدة في فيتنام وكمبوديا، وتطبقه حاليا على أرض العراق، كما تطبقه الغزوة اليهودية التلمودية على أرض فلسطين".

 

وتندرج الحروب الأمريكية في الميادين جميعا، تحت عنوان الحرب الاستباقية، سواء أكانت مع حلفاء, أم كانت الحرب أمريكية مع أي طرف دولي آخر. ولا تتوقف الحرب الاستباقية على المواجهة العسكرية، أو استخدام القوة العسكرية، "بل تتعداها إلى شمولية التعامل الأمريكي مع العالم".

 

على الإنسان, يقول الكاتب, أن يعترف بحقيقة ملخصها: "أن أمريكا دولة احتكارات، وهذه الأخيرة، تعرف ماذا تفعل، وتدرك إلى أين تسير، وتعلم يقينا أن الإرهاب, والتوترات، والحروب بأنواعها، وصناعة مناطق متفجرة، وتكوين منظمات إرهابية، وإنتاج مصادر الرعب ووسائله، أعمال كلها تحقق لها المزيد من الأرباح, وتوفر لها مناخات السيطرة، وتؤمن لها خطوط التمدد على خارطة العالم, لتسويق ما تنتج, وفي مقدمته الإرهاب وعدم الاستقرار، وعوامل السيطرة على ثروات الكرة الأرضية".

 

إن الثابت والمؤكد, يتابع الكاتب, أن الولايات المتحدة، لا تريد من المنطقة العربية والحزام الدولي المجاور لها، إلا التالي: الثروات النفطية والمعدنية الأخرى, الأسواق الاستهلاكية والاستثمارية والمالية, أسواق العمل، وتفريغ المنطقة من ثرواتها البشرية, المضائق وفتحات البحار, طرق الإمدادات والعبور والممرات المائية, العقد الاستراتيجية فيها, واستغلال المنطقة بشريا وجغرافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا, لمحاربة أية قوة تشكل خطرا مفترضا على مصالح أمريكا ومطامع احتكاراتها, أو يفترض أنها قد تكون قوة معادية لأمريكا ومفاهيمها في السيطرة على العالم.

 

إن منطقة الخليج, بأعين الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنها تتميز بمواصفات استراتيجية هامة وحساسة، "فهي المنطقة التي تختزن احتياطي النفط العالمي بنسبة 80%, طبعا مع الاحتياطي النفطي في أقطار الوطن العربي في شمالي أفريقية ووادي النيل". ويتوزع الخزين الاحتياطي النفطي في الخليج على الشكل التالي: "السعودية 255 بليون برميل، والعراق ما بين 200 و150 بليون برميل، والإمارات العربية 98 بليون برميل، والكويت 94 بليون برميل، وإيران 93 بليون برميل. وعلى هذا يكون الاحتياطي النفطي في الخليج 690 بليون برميل، من أصل 880 بليون برميل الاحتياطي العالمي".

 

أما عمر الاحتياطي النفطي العالمي, فلا يكاد عمره في الولايات المتحدة يتجاوز التسع سنوات, وفي بحر الشمال (النرويج وبريطانيا) الـ11 أو 12 سنة، وفي الاتحاد السوفياتي السابق الـ 20 سنة, ويصل في الكويت إلى 100 سنة، والسعودية إلى 90 سنة، والإمارات إلى 80 سنة، والعراق وإيران إلى 70 سنة.

 

لن يهدأ هذا العالم المضطرب المتوتر، يلاحظ الكاتب, حتى لو دخل جميعه دائرة التبعية الأمريكية، وذلك "لأن السياسة الأمريكية مبنية على أساس خلق الأزمات والتوترات والفوضى والحروب في العالم، وليس على أساس الاستقرار والسلام والأمن لعالم القرن الحادي والعشرين. مما يعني بوضوح أن المستقبل العالمي يحمل في طياته مفاجآت قد لا تكون داخلة في حسابات القوة الداخلية والإقليمية والدولية، وخلق الأزمات لدول العالم، وربما تستطيع الشعوب مناهضة هذه الاستراتيجية وإفشالها".

 

5- بنص "مستقبل الحروب الوقائية الأمريكية", يقول خير الدين عبد الرحمن: لقد "حولت الحروب الأمريكية الاستباقية معظم أمم العالم إلى أعداء حاليين أو متوقعين للولايات المتحدة، وأوجدت تيارا عالميا واسعا موحدا ضدها، بحيث بدلا من أن تقضي على أعداء أمريكا, راحت تزيد من هؤلاء الأعداء ليشملوا سائر الأمم، بل وقطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي نفسه. فعلى الرغم من أن غزو القوات الأمريكية كلا من أفغانستان والعراق قد شكل نوعا من التحول الخطير في الوضع الدولي، وخاصة عندما بدا العالم ممثلا بالأمم المتحدة عاجزا عن وقف استباحة الولايات المتحدة الدول الأخرى, بالاحتلال العسكري المباشر، ظهرت الحرب على هذين البلدين, التي سمتها الولايات المتحدة وقائية، وكذلك الحروب المقبلة التي تلوح بشنها هنا وهناك، كأنها استراتيجية أمريكية جديدة غير مسبوقة بزخمها، قررها الرئيس جورج بوش الابن ردا على الضربات التي استهدفت برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك, ومقر وزارة الدفاع في واشنطن يوم11/9/2001".

 

بدأ اعتماد الحرب الوقائية, كاستراتيجية أمريكية رسمية علنية, منذ أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في شهر ماي 2002 أمام البرلمان الألماني, عن تحول الولايات المتحدة إلى شن حروب وقائية، أو استباقية، أو إجهاضية، ضد الدول التي رأى أنها ترعى الإرهاب, أو تموله, أو تغض الطرف عنه، وضد الدول التي تطور حاليا, أو قد تفكر أن تطور مستقبلا, أسلحة دمار شامل، نووية أو كيماوية أو بيولوجية.

 

رأى كثيرون أن تفعيل الحروب الاستباقية أو الوقائية الأمريكية علنا, على هذا النحو, كاستراتيجية أمن قومي نشطة, يمثل أخطر تحول في السياسة الخارجية الأمريكية, منذ أكثر من خمسين عاما. ولذلك جاء "اعتماد الولايات المتحدة وممارستها الحرب الوقائية, لتكريس سيطرتها وهيمنتها المنفردة على العالم, استمرارا لسلسلة من الاجراءات والتحولات الأمريكية التي انتهكت وتحدت القانون الدولي ومؤسساته, على نحو مكشوف وصلف في السنوات الأخيرة".

 

لم يشهد العالم من قبل, حتى الحد الأدنى من الغطرسة, وموجات الوعيد التي اعتادت الولايات المتحدة توجيهها للدول التي لا ترضخ لمشيئتها, وخاصة الدول العربية والإسلامية. وقد ازداد الوضع بؤسا, عندما قررت الإدارة الأمريكية قفزة هائلة في ميزانيتها العسكرية, في حدود مائتين وسبعين مليار دولار سنويا في السنوات الخمس الأخيرة من القرن العشرين. لم تتردد تصريحات المسؤولين الأمريكيين وأوساطهم المقربة, في إعلان أن هذه الأسلحة الجديدة شديدة الفتك, سوف "تضمن الانتصار الأمريكي في الحرب ضد العراق، وما سوف يليها من حروب ضد الدول ذات الأنظمة المارقة, أو بالأحرى غير المطواعة".

 

إن الأسباب والتبريرات المعلنة للحرب، أو حتى الوصف المسبق لها, مثل اعتبارها وقائية, إنما تستهدف, بنظر الكاتب, إجهاض تهديد محتمل, قبل أن ينمو ويصبح خطرا داعما، تقوم عادة على مبالغات محسوبة, تسعى إلى احتلال العقول, والعبث بتوجهاتها وأحكامها, عبر تعبئة التأييد والتفهم في صفوف الأصدقاء، في مقابل زرع الشكوك وعدم الثقة والاستعداد للانهيار في صفوف الخصوم.

 

6- بنص "التحدي السياسي ومفهوم الأمن العربي", يقول عبد الوهاب زيتون: لقد ترافق طرح هذا المفهوم, مفهوم الأمن القومي, "أول مرة, مع قيام الدول العظمى ذات الشأن, وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية, بفرض الكيان الصهيوني والاستيطان غير الشرعي فرضا قسريا على العرب، وتحت مظلة الشرعية الدولية، وتحت قبة الأمم المتحدة, التي هيأت لقيام الكيان الصهيوني بقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، ثم بقرار قبول هذا الكيان عضوا في هيئة الأمم المتحدة، برغم افتقار هذا الكيان لكل مستلزمات وشروط العضوية في هذه المنظمة العليا للمجتمع الدولي، وعلى رأسها أن تكون الدولة الجديدة الراغبة باكتساب العضوية, هي دولة محبة للسلام, وتعمل من أجله, وتلتزم بقرارات المجتمع الدولية كافة... والكيان الصهيوني غير ذلك البتة".

 

لا يوجد حتى تاريخه, يقول الكاتب, تعريف محدد متفق عليه بين الحكومات العربية, لمصطلح الأمن القومي العربي. على أن الدلالة اللفظية لهذا المصطلح, تعني بالأمن القومي: "تحقيق السلامة والطمأنينة والكفاية الشاملة للأمة العربية والأقطار العربية, منفصلة ومجتمعة، وحماية الأرض العربية والإنسان العربي من أي تطاول أجنبي، مع تحرير القرار السياسي العربي من أي تبعية أجنبية، وتفعيل العمل العربي المشترك على الأصعدة كافة, بغرض الوصول إلى الوحدة العربية الكاملة, وإنجاز المشروع القومي العربي, في مواجهة المشروع الصهيوني وإحباطه...". الأمن القومي العربي يشمل بالتالي, كل أشكال الأمن الأخرى, وعلى كل الأصعدة... إنه أمن عسكري، وسياسي، واقتصادي، وغذائي، وبيئي، ومائي... وأمن ثقافي... وهكذا... إنه مسألة حركية تتجاوز الجانب العسكري, إلى نسيج متماسك, تصنعه كل القوى والقدرات الفاعلة للأمة العربية.

 

الأمن القومي العربي يتلازم بذلك, مع المشروع القومي العربي, في إطار وحدة سياسية أو اتحادية بين الأقطار العربية كافة, في مواجهة كل التكتلات الإقليمية السياسية والاقتصادية التي حولها، كما في مواجهة الأخطار الخارجية التي تحدق بها. ثم "إن الأمن العربي يكاد يفقد معناه وهدفه في إطار الدولة القطرية الضيقة, التي كثيرا ما وجدناها تضع أمنها القطري في المقام الأول, وعلى حساب الأمن العربي للوطن العربي بمجمله".

 

الأمن العربي إذن هو أكبر بكثير من كل أشكال الأمن الإقليمي المعروفة في العالم اليوم... وهو غير ذلك )الأمن الإقليمي المتوسطي أو شرق الأوسطي... أو حتى الأمن الإقليمي العربي...( الذي تسوقه بخبث ودهاء, أجهزة الإعلام الأجنبية. وخصوصا تلك الدائرة في فلك الولايات المتحدة الأمريكية, وتطرحه كبديل ونقيض للأمن القومي العربي.

إن المتغير الأهم وسط الكم الكبير من المتغيرات, الذي عرفه العالم منذ بداية القرن الحادي والعشرين, هو بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد, مهيمن ومسيطر على الساحة العالمية، وانكشاف الساحة الدولية أمام ما أطلقت عليه بنظامها العالمي الجديد... ومن ثم بـعولمة العالم.

 

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي بلغ فيه التعاون الأمني بين بعض الأقطار العربية والولايات المتحدة الأمريكية الذروة، كما بلغ فيه حجم التواجد العسكري الأجنبي على الأرض العربية, حدا فاق كل تصور... في الوقت ذاته, "فإن حجم الدعم الأمريكي بكل أشكاله للكيان الصهيوني أيضا, بلغ الذروة وفاق كل تصور, لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية نقلت مخزون حلف الأطلسي من الأسلحة الاستراتيجية من أوروبة إلى داخل الكيان الصهيوني, مع وضع هذا المخزون الفتاك تحت تصرف الكيان الصهيوني ذاته...".

 

لذلك, يقول الكاتب, فن العراق مثلا لم يسقط بفعل جيوش الاحتلال الأمريكية البريطانية, التي أتت غازية من الخارج. لقد سقط العراق لقمة سائغة, بفعل انهيار النظام العربي من الداخل, ممن وجدوا في احتلاله تحريرا، وديمقراطية، وليس احتلالا وتدميرا وابتلاعا.

 

7- بنص "النفط العربي في الاستراتيجية الأمريكية", يقول سمير صارم: "تجمع المصادر على أن الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم, نهاية عام 2001, قد تجاوزت 1064 مليار برميل، حصة الوطن العربي منها نحو 651 مليار برميل. وتعادل هذه الكمية أكثر من 60% من الاحتياطي العالمي، أما نصيب أمريكا الشمالية من الاحتياطي العالمي, فلا يتجاوز 5,1%".

 

وتتركز معظم الاحتياطات المكتشفة من النفط في الوطن العربي, برأيه, في خمسة أقاليم رئيسية منتجة هي:

+ منطقة الخليج العربي، حيث تضم 74,5% من إجمالي الاحتياطات المكتشفة, والقابلة للاستخراج... حيث يزيد إجمالي الاحتياطات المكتشفة والقابلة للاستخراج, عن 698 مليار برميل, تتوزع بين السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وجنوب العراق.

+ إقليم ما بين النهرين, في سورية والعراق، حيث يضم حوالي 10% من إجمالي الاحتياطات المكتشفة والقابلة للاستخراج.

+ حوض سرت في ليبيا, ويضم حوالي 5,4% من تلك الاحتياطات.

+ حوض الصحراء الكبرى, والذي يمتد في الجزائر وجنوب تونس وغرب ليبيا، ويضم نحو 2,9% من تلك الاحتياطات.

+ وحوض العريش في مصر, ويضم حوالي 1,3% من الاحتياطات.

 

ويؤكد الكاتب أن النفط هو العنوان المرشد للسياسة الأمريكية. وقد شكلت الحملة الأمريكية على أفغانستان, بداية تغييرات على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، بالنسبة إلى النظام النفطي القائم في العالم. فالوجود الأمريكي عند بطن جمهورية روسيا الاتحادية وفي أراضي جمهوريات آسيا الوسطى، "سوف يؤدي لتدعيم الهيمنة الأمريكية على مسارات نقل النفط والغاز من مناطق القوقاز، وبحر قزوين، وسيؤثر ذلك مستقبلا في نظام تسعير النفط والغاز، وفي فاعلية منظمة أوبك في توجيه الإنتاج خفضا أو ارتفاعا".

 

تدرك واشنطن أن طاقة النفط هي الأرخص، وأن إنتاج طاقة بديلة ما زال في إطار البحث، لكنه لن يتقدم إلا إذا تضاءل الاحتياطي النفطي في العالم، وارتفعت الأسعار بما يتناسب مع كلفة إنتاج بديل للنفط. لذلك فمهما قيل عن الطاقات البديلة للنفط كالغاز واحتياطياته الهائلة في دول عديدة، أو الطاقة النووية، أو غيرها، سيبقى النفط ركيزة أساسية من ركائز النهوض الاقتصادي العالمي وتطوره, ولا بديل عن النفط ولعقود طويلة كمصدر للطاقة، وكدعامة للاقتصاد.

 

والأمريكيون "لا يشكلون أكثر من 5% من عدد سكان العالم، لكنهم يستهلكون حوالي 25% من نفطه، وبلغ عام 2001, نحو 19 مليون و600 ألف برميل يوميا، في حين أن الإنتاج الأمريكي في ذلك العام, لم يتجاوز 7 ملايين و700 ألف برميل يوميا، وبسبب هذا الواقع يضع الرئيس بوش نصب عينيه السيطرة على النفط، وأنابيبه، وضمان إمدادات ثابتة وبأسعار رخيصة، ضمانا للأمن الاقتصادي والعسكري الذي يبحث عنه.

 

لذلك سيبقى النفط دائما الهدف الرئيسي, ليشكل نقطة التلاقي لكل الخطط والسياسات والاستراتيجيات الأمريكية تجاه المنطقة.

 

إن متابعة تسلسل الأحداث, يؤكد الكاتب, تظهر أن المنطقة مستهدفة اقتصاديا, من خلال كونها تمسك بعصب الاقتصاد العالمي (النفط), ومن الخطأ القول بأن الإدارة الأمريكية تركز جهودها على إسقاط النظم الديكتاتورية، أو اللاديمقراطية في العالم، "فهي تخوض حروب مصالح, وليس حروب الدفاع عن حقوق الإنسان... بل إن الولايات المتحدة، وفي المناطق الأكثر حيوية للمصالح الاستراتيجية لإمبرياليتها، سواء في الشرق الأوسط بما فيه منطقة الخليج, حيث الاحتياطي الكبير من النفط والغاز، والفوائض المالية والسوق الواسعة، فإن الولايات المتحدة تبذل جهودا أكبر لمنع قيام أنظمة ديمقراطية من النمط الغربي، بل تريد لها فقط تأدية وظيفة اقتصادية وسياسية في النظام الاقتصادي العالمي, كسوق ومنجم وحارس للمصالح الأمريكية، وتنظر إليها على أنها جزء من الترتيبات الشاملة الجارية في منطقة الشرق الأوسط, لإعادة تنظيمها من جديد, وفق الخريطة الاستراتيجية الأمريكية لمرحلة ما بعد حرب الخليج، وما بعد الحرب الباردة.

 

إن الإدارة الأمريكية الطامحة والحالمة ببناء إمبراطوريتها الأمريكية, "على ثقة أنه لا إمبراطورية حقيقية دون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوي دون نفط رخيص ومتدفق دون حساب... والشركات النفطية الأمريكية حريصة على كل نقطة نفط عراقية، بالتالي لم تعد تخفي ما تضمره تجاه النفط العراقي، والعالم بات على يقين الآن, بأن النفط العراقي هو الهدف الرئيسي من الحرب على العراق... وقد بدأت الشركات الأمريكية النفطية فعليا الاستفادة من واقع الاحتلال الأمريكي, في إجراء العقود النفطية.

 

8- بنص "الإرهاب الفكري: صناعته, تجلياته, ضحاياه", يقول فوزي معروف: إن "كلمة الإرهاب قديمة في معظم اللغات, ولكنها لم تستخدم بالمعنى المألوف حاليا, إلا منذ وقت قريب.. إذ اقتصر استخدام هذه الكلمة على وصف الحكومات وليس الأفراد، وصف الحكومات التي تعمل لتخويف الناس من أجل السيطرة عليهم، كما في حكومة اليعاقبة, أعقاب الثورة الفرنسية، وكما في حكومة فرانكو في أسبانيا, وحكومة بينوشيه في الشيلي, والحكومات المتعاقبة على الكيان الصهيوني, منذ بن غوريون حتى شاورن, مرورا بمجرمي التاريخ الصهاينة".

 

ويؤكد الكاتب أنه منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر, صرنا نسمع عن الإرهاب بأنواعه, مثل الإرهاب البيولوجي والإرهاب النووي والإرهاب المعلوماتي وإرهاب الإشاعات، وإرهاب الجمرة الخبيثة.. أي أن الإرهاب صار كالفيروس في كل مكان, وهو ملازم كالظل، لكل نظام هيمنة. ويظن الكاتب أن أخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب الفكري, الممارس علينا, والذي حول واقعنا العربي إلى أرض محروقة. الإرهاب الفكري هو برأيه, "بطش بالوعي, بالفكر، بالذاكرة والحلم, كما الإرهاب الدموي الممارس يوميا من الصهيونية, هو بطش بالجسد وتخريب البيئة, وقطع العلاقة مع الأرض والتاريخ والذاكرة. الإرهاب الفكري هو استخفاف بعقول الشعوب, واحتقار كبير لذكاء البشر".

 

الكل يعرف الإرهاب ويقف ضده، يقول الكاتب, لكن الولايات المتحدة والصهيونية لا تريدان من أحد أن يضع تعريفا للإرهاب، حتى يظل المعنى غائما, وحتى تؤكد أمريكا تقسيمها العالم إلى حارتين: حارة البربرية، وحارة الحضارة, وبالتالي "من ليس معنا فهو مع الإرهاب".

 

دولتان تقفان ضد تحديد معنى الإرهاب, برغم محاولات كثير من شعوب العالم والأمم المتحدة, لوضع تعريف للإرهاب, منذ أن تقدم كورت فالدهايم, الأمين العام للأمم المتحدة, بمذكرة إلى الجمعية العامة عام 1972, لاتخاذ بعض التدابير لتحريم وتجريم الإرهاب، وقد راعى الأمين العام أن يحدد فواصل بين الإرهاب وبين نضال الشعوب والأمم, في سبيل استقلالها وحريتها, والحفاظ على هويتها الثقافية والحضارية.

 

إن كل محاولات الأمم المتحدة وغيرها, لتحديد معنى مفهوم الإرهاب وإدانته, "اصطدمت بالفيتو الأمريكي, الذي كان بالمرصاد لأي قرار يراه مخالفا لمنهج الولايات الإرهابي العدواني التسلطي, مما أدى إلى عدم تحديد معنى للمصطلح فبقي هلاميا، الأمر الذي تريده الولايات المتحدة, بقصد استغلاله وقت الحاجة, لتبرير ما تقوم به من عدوان وهيمنة, في محاولاتها الدائبة لأمركة العالم، أي إخضاعه لمصالحها واستغلال ثرواته، واستعباد أبنائه".

 

هذا التمييع لمعنى مفهوم الإرهاب مقصود، يقول الكاتب, فهو ليس دولة بعينها, كي يمكن إطلاق النار عليها، أو حصارها، أو مقاطعتها.. وليس شخصا, تمكن ملاحقته وإلقاء القبض عليه حيا أو ميتا.. من هذا المنطلق صار العدو الجديد (المخترع) هو الإرهاب, وصار بمقدور رئيس دولة كبيرة أن يقول للعالم: "إن عدونا اللدود الآن هو الإرهاب, ويعلن الحرب عليه، ويطلب من الناس أن يصدقوه، ويصفقوا له، ويقدموا الدعم والتأييد.. ومن لم يفعل ذلك, فهو عدو لنا واقف مع الإرهاب...".

 

الإرهاب الفكري يطلب منا, يقول الكاتب, "أن نميز بين حوادث متشابهة في همجيتها وبشاعتها، أن نميز بينها ونسميها باسمين مختلفين، مثلا قتل المدنيين في نيويورك وواشنطن هذا علينا أن نسميه إرهابا.. أما قتل الأطفال والمدنيين وإحراق الأخضر واليابس وتدمير البيوت على رؤوس أصحابها واقتلاع الأشجار في فلسطين والعراق ومناطق كثيرة من العالم.. المطلوب منا أن نسميه دفاع عن الشرعية الدولية، دفاع عن الأمن، دفاع عن المصالح الحيوية..".

 

الإرهاب الفكري في أبسط صوره وأوضحها, هو الذي لا يسمح لأحد أن يصف الأمور كما هي, ويسميها بأسمائها والاعتراف ولو جزئيا, بما تمارسه الولايات المتحدة والصهيونية على أرض الواقع.. هناك اتهام جاهز من الولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب أو دعم الإرهاب, لكل من لا يوافق على ممارستها باستخدام القوة لفرض الهيمنة والطغيان.

 

الإرهاب الفكري حاول ويحاول دائما, "إقناع الآخرين أن يساووا بين القاتل والضحية، بين القوة الغاشمة المحتلة, والشعب الذي يرزح تحت الاحتلال، ويقاومه. وبلغ الرئيس الأمريكي قمة الإرهاب الفكري, حين ادعى أن الخالق جلت قدرته, في خندق واحد مع أمريكا ضد الإرهاب بقوله: إن الله وأمريكا معا في حرب ضد الإرهاب..".

 

إن الإرهاب الفكري هو الذي خلق الهوة العميقة بين حرب الإبادة البشعة, وبين الضمير العالمي، هوة معرفية وإعلامية, جعلت الكثير من جوانب العالم تربط بشكل لا واع, بين ما جرى في الولايات المتحدة في 11 شتنبر عام 2001, وما يجري اليوم في فلسطين العربية والعراق المحتل.

 

الإرهاب الفكري ينشر ثقافة تذكي فكرة التبعية, وتطمس الهوية الوطنية القومية. بالتالي, فلابد من مقاومته, بتعزيز ثقافة المقاومة, "هذه التي تقوم بها كل المؤسسات الوطنية القومية والأهلية المعنية بتعزيز ثقافة المقاومة... بما تعنيه من حالة عقلية ووجدانية, بدءا من القيم والثوابت, إلى تأثيرات التعليم والإعلام والمثاقفة المتعولمة".

يحيى اليحياوي

الرباط, 9 أكتوبر 2008