"الدولة
العربية والعولمة النيوليبيرالية"
ترجمة صالح سليمان عبد
العظيم, دار إثاكا, لندن, 211, 388 ص.
1-
هذا الكتاب هو محاولة لطرح قضية الدولة في العالم العربي, في
بعديها النظري والواقعي, وأيضا في سياق التحولات الكبرى التي طالتها منذ نهاية
حقبة الاستعمار, وتشكل هذه الدولة, بالارتكاز على بنية في الاستبداد ارتبطت ولازمت
نشأة وتطور المؤسسات القائمة عليها.
وعلى
الرغم من أن الكتاب ركز مبحثه الأساس على العديد من مظاهر دولة ما بعد الاستعمار,
وكيف تبنت لنفسها إيديولوجيا تشرعن لها الوجود والسلوك, فإنه توقف بمعظم محاور
المبحث إياه, عند تحول هذه الإيديولوجيا المقتنية للنهج الليبيرالي في شكله
الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
إن
مقاربة هذا التوجه الجديد, من خلال مفهوم الدولة, إنما قصد منه المؤلف إبراز
"هيمنة الدولة بشكل سلطوي, استبدادي, على الفضاء المجتمعي بدرجة كبيرة, سواء
في مرحلة ما بعد الاستقلال, حيث الاستبداد الشعبوي الذي يرتكز على قاعدة جماهيرية
واسعة, أو في مرحلة ما بعد تطبيق السياسات النيوليبيرالية, حيث الاستبداد النخبوي,
المرتبط بفرض مصالح الدولة وتوجهاتها, من خلال نخب ضيقة مستفيدة, على علاقة قوية
بها".
ويقف
الكتاب عند عبارة العولمة النيوليبيرالية, ويحددها في كونها " شكلا من أشكال
العولمة, بدأ في الظهور منذ ثمانينات القرن الماضي, من خلال انتشار سياسات الخوصصة
والتحرير الاقتصادي واللبرلة ورفع قيود الدولة" وما سواها.
من
هنا تمييزه بين النيوليبيرالية والعولمة, على اعتبار أن الأولى إنما هي "مدخل يختص بالسياسات
العامة التي تقوم بها الدولة والحكومات, وبوصف الثانية عبارة عن ظرف إنساني جديد
نمر به".
انطلاقا
من هذا التمييز, يقف الكتاب عند فرضية منهجية, مفادها ضرورة التمييز وعدم الربط بين "العولمة النيوليبيرالية, المرتبطة
بتحقيق مستويات هيمنة أقل من قبل الدولة, وبين ما يحدث في العالم العربي, حيث قيام
الدولة بأدوار تتحكم من خلالها في بنية القوة في المجتمعات العربية".
ويلاحظ
الكتاب أن تبني الدولة العربية للنهج الليبيرالي, كان يستوجب تراجع هيمنتها على
العديد من شؤون المجتمع, لا سيما على مستوى توزيع الثروة وتحديد مستويات المشاركة
السياسية. إلا أن عكس ذلك هو الذي حدث, "حيث ما زالت بنية القوة على حالها,
ومستويات هيمنة الدولة كما هي, وإن بآليات وطرق ووسائل جديدة".
بالتالي,
فتردي واقع المنطقة العربية, بنظر الكتاب, إنما مرده استمرارية بناء القوة
والهيمنة الخاص بالدولة, "الأمر الذي يحقق مصالحها ومصالح النخب الضيقة
المرتبطة بها, أكثر من المصالح المجتمعية العامة, التي تمس قطاعات كبيرة من
الأفراد في العالم العربي".
ولعل
المفارقة هنا تكمن في التساؤل عن الكيفية التي أعادت الدولة العربية الاستبدادية
من خلالها, تكييف نفسها مع المتغيرات الدولية الجارفة, و"كيف أنها كيفت لذلك
التطبيقات النوليبيرالية التي لا تتساوق معها".
صحيح,
يقول الكتاب, إن الدولة العربية لم تبق على شكلها القديم كما هو. لكنها استطاعت أن
تدمج متغيرات المحيط لفائدة تسلطها. فعملت على تغيير النخب المحلية, وأضعفت حراك
الطبقات المتوسطة, لفائدة حلقة جد ضيقة من التقنوقراط, باتوا هم الذين يحددون
السياسات العمومية الكبرى, ويثووا خلف تنفيذها, كما أنها تغولت على المجتمع من
خلال قمع المعارضين, بفضل انتفاخ أجهزة الأمن المختلفة, ومنحها إمكانات ضخمة
للقيام ب"دورها".
وعلى
الرغم من اعتماد الدول العربية لنموذج الليبرالية الجديدة في توجهاتها الاقتصادية,
فإنها ارتكزت عليها أيضا لإعادة تشكيل صور جديدة من الاستبداد.
2-
ومع ذلك, فقد استطاع النموذج النيوليبيرالي أن يغير نسبيا من سلوك الدولة العربية.
ولعل الجانب الواضح هنا, أن هذه الدولة لم تعد تهتم كثيرا بالدعائم الإيديولوجية
التي بنت لها الأسس, كما كان الحال من ذي قبل.
فبخلاف
"ما كان يتم من ارتكاز هذه الدول على شخصيات قيادية كاريزمية, أو على سياسات
توزيعية واسعة النطاق, فإن الأنظمة العربية اليوم, تفرض الجمود السياسي على
الجماهير, من خلال ممارسات عديدة من القمع والقوة المباشرة".
كما
أدى النموذج النيوليبرالي إلى تفجير الفضاء المجتمعي إلى فضاء عام وفضاء خاص,
الولاء فيه للطائفة أو للعقيدة أو للمذهب...كما كان الحال بلبنان...ثم العراق في
ظل الاحتلال, وإلى حد ما مصر في عهد مبارك.
كما
أنه أدى بالدولة إلى خلق بنى مؤسساتية لاستقطاب النخب المعارضة, أو الصفوات التي
لم تستفد من غنيمة النظام...فكثرت المجالس والهيئات والتنظيمات المدنية, لكنها
تدور في معظمها في فلك النظم الاستبدادية, التي بدأت تعمد إلى سياسات اقتصادية تضمن
الولاءات وخدمة ذات النظم, وتقحم أكبر عدد من المحتجين و"الغاضبين".
ويخلص
الكتاب إلى حقيقة أساسية, مفادها أن "الدولة العربية ما زالت تمثل المصدر
الرئيس للسلطة والسيطرة في العالم العربي, على الرغم من أنها قد تترك بعض مهامها
ووظائفها للقطاع الخاص, وتستخدم وسائل غير رسمية وغير مباشرة للحكم"...إنها
تقبض على كافة شؤون الحكم والمجتمع بيد من حديد, حتى وإن بدت ذات اليد لينة ورحيمة.
يحيى اليحياوي
الرباط, 5 ماي 2011