"العرب في وثائق ويكيليكس"

 

 

اطلعت على بعض لا يستهان به من وثائق ويكيليكس, وحاولت أن أنأى بنفسي عن التعليق على بعض من مضامينها, أو النبش في السر من وراء توقيت نشرها, أو الجهات الثاوية خلفها, والجهات الموجهة لها, والغايات المراد إدراكها عبر تسريبها على نطاق واسع, حتى أضحت الوثائق إياها حديث الخواص, ومادة سؤال من لدن العوام من بيننا.

 

ومع أن نفس التساؤلات لا تزال قائمة وبقوة هنا وهناك, والاجتهادات على أشدها بين مصدق لها, مؤمن بمحتوياتها, وبين من لا يرى فيها إلا ضربا من ضروب الابتزاز الغير مباشر, الذي يرفعه الأمريكان بوجه هذه الدولة "المارقة" أو تلك, بوجه هذا "الزعيم" أو ذاك...على الرغم من ذلك أقول, فإن المرجح, على الأقل بالقياس إلى مضمون ما تسرب, أنه لو كان ثمة بالوثائق ما يشكل خطورة قصوى على المصالح الأمريكية الكبرى, فإن الإدارة الأمريكية ما كانت لتعدم الإمكانات والسبل لمنع تداولها أو تدميرها, لا بل وإيقاف نبض الشبكة الألكترونية التي اتخذت منها ذات الوثائق الحامل والفضاء المروج...إيقاف ذات النبض لحين التخلص من آثارها بالجملة والتفصيل.

 

أما وأن الوثائق قد سربت بمئات الآلاف, واقتنت لعولمة مضامينها شبكة الإنترنيت, دونما أن تعمد ذات الإدارة إلى تحريك ذات السبل والإمكانات, فإن الأمر يشي إلى, إذا لم يكن تواطأ من لدنها على ترويج ذات الوثائق, فعلى الأقل غضا للطرف منها عن سقوطها بالفضاء العام, قبلما يطالها مبدأ التقادم المعمول به هناك.

 

وعلى هذا الأساس, فليس من الزعم في شيء ربما, القول بأن الإدارة الأمريكية, مصدر ذات الوثائق ومالكها القانوني, إنما رأت وقدرت بأن رواجها لا يضرها بقدر ما ينفعها لغايات وأهداف لا يعلمها إلا جهابذة السياسة الخارجية بالولايات المتحدة.

 

وبقدر ما لم تبلغ التسريبات ضررا كبيرا يذكر بالمصالح الأمريكية, فإنها لم تضف, فما بالك أن تضر بمصالح بعض الدول و "الزعماء", التي جاءت الوثائق على ذكرهم بالإسم والصفة.

 

ومعنى هذا أنه بقدر معرفتنا بعنجهية الأمريكان وامتطاءهم السلوك الأمبراطوري في تعاملهم مع الدول والشعوب, ناهيك عن اختراقهم لها نظما وسياسات, بقدر معرفتنا بارتهان ذات النظم وتبعيتها واستيلابها وانتفاء الحيلة والنخوة من بين ظهرانيها.

 

ومعناه أيضا أن الوثائق لم تحمل لنا جديدا يذكر, وقيمتها المضافة الوحيدة أنها أوردت ما عرفناه وتعارفنا بشأنه بصيغ موثقة, نابعة من مصادر رسمية, مؤرخة, بالإمكان الاعتداد بها قانونا وبموجب منطق الأخلاق:

 

+ فهي لم تضف كثيرا لما نعرف بجهة اهتراء منظومة العمل العربي, وتهافت كل دولة على حدة لاسترضاء أي جهة أجنبية, بغاية ضمان أمنها وحماية نظامها والحيلولة دون اهتزاز مركزها في السلطة.

 

وحتى بهذه الجهة, لم تعمل الوثائق إلا على تأكيد حقيقة واقع الاحتراب الذي تعرفه النظم العربية فيما بين بعضها البعض, حتى بات كل نظام عربي مع كل النظم وضدها بالآن ذاته... إذا أمر حماته الأجانب بذلك.

 

+ وهي لم تضف كثيرا لما نعرف, اللهم إلا توثيقها لمظاهر فساد الإدارة والجيش وعدم استقلالية القضاء بمعظم الدول العربية, الملكي منها كما الجمهوري سواء بسواء.

 

بهذه النقطة, قد يكون من استعداد المرء أن يقول بأن ما سربته الوثائق عن رسالة من هذا السفير الأمريكي أو ذاك, بهذا البلد أو ذاك, لربما يكون دون ما يعيشه المواطن أو يعرفه, من ضيم الإدارة التي من المفروض أن تخدمه, وضبابية مؤسسة الجيش المفروض أن تحميه, وظلم القضاء الذي من الواجب أن ينصفه.

 

+ وهي لم تضف الشيء الكثير لما نعرف عن تواطؤ حكامنا وتآمر بعضهم على البعض, لا بل ونصحهم الغريب باستهداف هذا النظام أو ذاك, بضرب هذه الدولة أو تلك, حتى وإن كانت مشاربهم الدينية والأخلاقية واحدة أو مشتركة.

 

إننا, يقول العديد من بين ظهرانينا, نعرف هذا ونعاني منه,  بل لم نجد من يخلصنا منه, أو انتفت الحيلة من بين ظهرانينا لتحقيق ذلك. لكننا, يقول هؤلاء ونقول معهم, كنا نتطلع لفضحهم والنبش في سلوكهم حتى يبدوا للعالم حفاة عراة:

 

°°- إننا لم نكن نتطلع, ونحن نتصفح هذه الوثائق, لم نكن نتطلع لتكرار ما نعرف, حتى بتأكيده. إننا كنا نتطلع لفضح حكام تآمروا علينا, قبل أن يتآمروا على بعضهم البعض...فجعلوا من الفساد والظلم والإهانة منظومة في الحكامة, لا تستقيم إلا بإعمالها بالإدارة كما بالجيش كما بالقضاء.

 

°°- ولم نكن نتطلع, ونحن نقرأ برقيات السفراء الأمريكان, لتوكيد ما يفعله الحكام في ثروات شعوبهم, بل كنا نتطلع إلى أن تخبرنا عن أحجامها والبنوك حيث هي مكدسة, قد   لا يعرف المرء مصيرها إن قضى صاحبها, أو أصابه التلف ولم يعد يتذكر رموزها أو مفاتيح النفاذ إليها.

 

°°- ولم نكن نتطلع, ونحن نفكك شفرات العديد من هذه البرقيات, إلى أن نعرف السر وراء تدجين حكامنا لشعوبهم, بل كنا نتعشم من هذه الوثائق أن تفينا بالعشبة التي جعلتنا صما بكما لا يفقهون...والعالم من حولنا يفقه ما يعتمل من بين ظهرانينا حكاما ظالمين ومحكومين مظلومين, لا حول ولا قوة لهم إلا بالله تعالى.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 3 يناير 2011