عوربة " الأمن الثقافي"
اغلب الظن أن إسم الباحث المغربي يحيى اليحياوي أصبح لصيقا بملفات معرفية محددة لا تخرج عن "ثالوث" العولمة والإعلام والتكنولوجيا كما تشهد له بذلك عناوين أغلب مؤلفاته، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "حركية الليبيرالية ومنطق الخوصصة"، "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، "العولمة ورهانات الإعلام"، "المحطات الفضائية في العالم العربي/الإسلامي: تحليل في المضامين الثقافية"، "العولمة الموعودة"، "العولمة ومجتمع الإعلام"، الإنترنيت ومجتمع الإعلام" ومؤلفات أخرى كان آخرها كتاب "في العولمة والتكنولوجيا والثقافة" (الصادر عن دار الطليعة ببيروت، الطبعة الأولى 2002).
رؤية شبه قاتمة يختتم بها الكاتب مبحثه الأخير عندما يؤكد على أن المدخل العالمثالثي (العربي/الإسلامي نموذجا) إلى "تكنولوجيا المعرفة" لا يمكن أن يتحقق إذا أغفلنا النظر عن مقدمات جوهرية ثلاث:
+ لا مستقبل للعرب، في الجزء الأول من القرن الحالي، في غياب نظام عربي قيمه الديموقراطية والوحدة واحترام حقوق الإنسان.
+ لا مستقبل للعرب، في الجزء الثاني من القرن الحالي، في غياب رؤية متكاملة وشاملة تأخذ بعين الاعتبار وتزكي معادلة العلم والتكنولوجيا والمعرفة.
+ ولا مستقبل لنظام إعلامي عربي شامل وبالتالي لا مستقبل لنظام عربي في ظل الأوضاع السائدة حاليا.
من الإشارات اللطيفة التي حفل بها هذا المبحث القيم، تأكيد اليحياوي على أن أهم مميزات "إعلام النظام العالمي الجديد" الأساسية خضوعه شبه المطلق للمؤسسة العسكرية وللسلطة التنفيذية كما تم عمليا أثناء حرب الخليج، وبالتالي تراجعه كسلطة رابعة مستقلة، نزيهة وموضوعية.
وميزة هذا الإعلام أيضا تهميشه وتشويهه "المعقلن"، بعد حرب الخليج، لمشاكل وقضايا دول العالم الثالث بصفة عامة.
يستحق الفصل المخصص لما اصطلح عليه المؤلف ب "الأمن الثقافي" وقفة تأمل وموقف إشادة بحكم كشفه النقاب عن بعض ما يغيب التطرق إليه أثناء الحوارات الثقافية السائدة في وطننا العربي الفسيح على أصحابه.
وهذا أمر متوقع بحكم أن نسبة لا بأس بها من هذه الحوارات تأتي استجابة لاستحقاقات ثقافة المجاملة والدعاية وتبادل الخدمات وما شئتم...
حسب اليحياوي، "لا تهتم النخب العالمثالثية بالمسألة الثقافية ولا بالأمن الثقافي إلا في الجانب الذي يمكنها من تصيد الفرص والمناسبات عبر التملق تارة، وعبر النفاق الثقافي تارة أخرى، وهي في ذلك إنما تتجاوب مع أفكار الصفوة الحاكمة" (ص. 48).
بالطبع لا بد أن تتجاوب مع أفكار الصفوة، فمعلوم أن أي نظام سياسي يفتقد لممارسة شرعية للسلطة، يلجأ إلى سلطات موازية تغطي على هذا النقص أو تشرعن ببساطة الممارسة السياسية...ومن بين أهم السلط بالنسبة للحالة العربية/الإسلامية السلطة الدينية ونضيف إليها السلطة الثقافية.
ومن أجل تحقيق حدود دنيا من الأمن الثقافي الذي لا يصبح، كما يشير إلى ذلك الكاتب، ذلك التهديد الذي أفرزته "ظواهر العولمة والشمولية والثورة التكنولوجية للإعلام والاتصال" بقدر ما يشير إلى التهديد الذي تفرزه أفكار ما نسميهم ب "المثقفين المشاغبين"، أو بتعبير آخر يكمن "الأمن الثقافي في مواجهة كل ما من شأنه المس بالنظام الثقافي القائم بمعاييره ورموزه ومنظومته".
إشارة تفرض طرح العديد من الأسئلة أهمها سؤال استقلال المؤسسات الثقافية عن المؤسسة السياسية كما تطرق إليه بالتفصيل الناقد سعيد يقطين في مؤلفه "الأدب والمؤسسة".
مقرف للغاية أن تركز أقلام "الاستقلال والوطنية والقومية وحتى الأممية الإسلامية" على مجابهة غزو الآخر وأن تصرف النظر عن مجابهة غزو لايقل خطورة يمر بالضرورة عبر فضح ممارسات الصفوة الحاكمة ونخبها المثقفة.
وهو الأمر الغائب عند أغلب الأقلام العربية وبالدرجة الأولى الأقلام المنضوية تحت لواء المؤسسات الثقافية بحكم أن "شرعية" وجودها مرتبطة أصلا برضى صناع القرار السياسي الفوقي والتحتي أي الحزبي التابع لنظام ملكي أو جمهوري أو عسكري...وطالما لم يتم " تخليص الثقافة من ممارسات السياسة وعبث الإيديولوجيا"، فإن الأوضاع الثقافية عموما لن تخرج عن المشهد البائس القائم اليوم، أي المشهد الذي لا يمثل إلا نفسه، بالرغم من تمرير حوارات التجميل والعبث ...والأمن الثقافي.
منتصر حمادة، القدس العربي، يومية، لندن، 17 دجنبر 2002.