الباحث المغربي يحيى
اليحياوي للراية: الثورة الإعلامية تؤسس لقطيعة كبرى؟
الباحث المغربي يحيى
اليحياوي متخصص وخبير في واقع وآفاق قطاع الإعلام والاتصال وله مجموعة من
المساهمات في ندوات ومحاضرات محلية ودولية، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب
والدراسات شكلت مرجعا غنيا لكل باحث ومهتم في قطاع المواصلات والإعلام
والمعلوماتية منها:
+ الاتصالات في محك
التحولات (بالفرنسية 1995) وقد نال عليه جائزة المغرب الكبرى سنة 1996.
+ حركية اللليبيرالية ومنطق الخصخصة (بالفرنسية
1996)
+ الوطن العربي وتحديات
تكنولوجيا الإعلام والاتصال (بالعربية 1997)
+ العولمة: الاتصال-
العالم، تطرف اللليبيرالية الكونية والفكر الواحد، (بالفرنسية 1998).
وله كتب عديدة أخرى.
الراية التقت الباحث
يحيى اليحياوي فكان هذا الحوار:
سؤال: ما هي طبيعة التحولات التي يعيشها قطاع
الإعلام والاتصال نهاية هذا القرن؟
يحيى اليحياوي: الواقع أن
التساؤل عن وفي طبيعة التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال، نهاية هذا
القرن، يحيلنا (ولا يمكن إلا أن يحيلنا في تصوري) إلى إحدى الإشكالات المنهجية والإبستمولوجية الكبرى التي لا يمكن التغاضي عنها (أو تجاوزها) على الأقل فيما يتعلق
بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: أي المفاهيم يمكن مقاربة حركية القطاع وملامسة
تشعباته وضبط توجهاته والإمساك بطبيعته؟
هل مفهوم "
الثورة" مثلا يعبر حقيقة عما يعرفه القطاع وما يروج به من تطورات منذ ما يزيد
عن قرن من الزمن أو أكثر؟ هل يمأسس لتحول جذري، لقطيعة كبرى مقارنة بما كان جاريا
وسائدا بالقطاع في بداياته الأولى أي منذ مرحلة تكوين الشبكات وتشكل البنى التقنية
والاقتصادية؟ ثم حتى لو نحن اعتمدنا المصطلح (مصطلح الثورة) هل بإمكاننا الحديث
ارتكازا على ذلك عن براديغم جديد، براديغم معلوماتي أو اتصالاتي أو إعلامي أو
تكنولوجي أو غيرها على غرار البراديغم الصناعي أو الإنتاجي أو المادي الذي كون
الركيزة الأساسية للتفكير الاقتصادي والمجتمعاتي للعهد الصناعي أو لغيره من
العهود؟
في تعذر ذلك، هل بالإمكان توظيف مصطلح "التراكمات" (التكنولوجية والمؤسساتية) التي ميزت
القطاع منذ بداياته الأولى لفهم طبيعة هذه التحولات والقول بوجود (أو لا) قطيعة في
التراكمات أو استمرارا في التطورات مع ضرورة استحضار فترات الاستقرار النسبي لهذه
التطورات ومراحل التسارع الكبيرة التي شهدناها طيلة الثلاثة أو أربعة عقود
الماضية؟
بمعنى آخر: الحديث وفق
مفهومي الثورة والقطيعة، لملامسة طبيعة تحولات قطاع الإعلام والاتصال، قد يكون
مبالغ فيه على اعتبار الطابع التراكمي للعديد من جوانب هذه التحولات. والحديث بلغة
التراكم قد يكون تبسيطيا أيضا بحكم وجود العديد من التطورات التي كان لها جانب
ثوروي واضح (كالرقمنة والافتراضية وغيرها).
ما يزيد الإشكالية
المفاهيمية المطروحة هنا تعقدا، كونها تحاول مقاربة مجال متسارع في وتيرة تطوره،
متشعب الأطراف ولربما أيضا لا زال في بداياته وإرهاصاته الأولى. من هنا وجب التحفظ
في الحسم والتأني في الحكم على تحولات كبرى لم يتسن بعد لمكوناتها المركزية
الاستقرار الكافي حتى يصبح بالإمكان مأسستها وضبط منطق صيرورتها ونسق بروزها
وتطورها وبالتالي كيفيات تكرسها في الثقافة والمجتمع.
أما اختزال طبيعة هذه
التحولات في التركيز على الوصف وتبيان التمظهرات، فلا يمكن أن يقدم التساؤل كثيرا
مادام (أي الاختزال) ينطلق أصلا من أرضية غير مستقرة المكونات، متسارعة الوتيرة
وفي جزء كبير منها غير مقننة (كالانترنيت والمواد المبثوثة فضائيا وغيرها).
س: لكن يبقى
مع ذلك بالإمكان ملامسة السمات الكبرى لهذه التحولات ولو من باب المقاربة المؤقتة
في غياب التنظير المفاهيمي الضافي؟
يحيى اليحياوي: بالتأكيد،
فقصور التنظير للظاهرة لا يعني قطعا غيابها، ولا يعني أيضا غياب الاهتمام
بمكوناتها الكبرى وتمظهراتها المتعددة.
أعتقد، تأسيسا على ما
سبق، أن هناك على الأقل ست سمات مركزية لا بد من استحضارها لفهم التحولات العميقة
التي يعيشها قطاع الإعلام والاتصال والمعلومات منذ ثلاثة أو أربعة عقود:
+ السمة الأولى وتتمثل في غزو المعلومات لكل
ضروب حياة الأفراد والجماعات وبروز ما يمكن تسميته بصناعة المعلومات (إنتاجا
وتخزينا وتداولا واستهلاكا) باعتبارها المحرك القوي الجديد للاقتصاديات
والمجتمعات.
فمعظم الاقتصاديات والمجتمعات المعاصرة، حتى
تلك التي كانت منظومتها الفكرية تعتبر المعلومات نشاطا غير منتج (الاتحاد السوفيتي
وأوروبا الشرقية سابقا بالخصوص) قد بدأت تغير من نظرتها للأمور، وبدأت تركز على
إقامة بنيات إعلامية واتصالاتية ومعلوماتية واسعة وعصرية في أفق بناء اقتصاد القرن
المقبل الذي يتكهن الكل بكونه سيكون اقتصاد إعلام واتصال ومعرفة.
هذه السمة الأولى أساسية، في
تصوري، لفهم طبيعة هذه التحولات وأساسية أيضا في إحالتها على ثلاثة معطيات من
المهم ذكرها بإيجاز هنا:
°- المعطى الأول: تقدر
الإحصاءات المتوفرة أن سوق صناعة الإعلام والاتصال (من إلكترونيا جماهيرية
ومعلوماتية واتصالات ووسائل إعلام وترفيه) سيبلغ نهاية القرن الحالي حوالي 15000
مليار فرنك فرنسي أي ما نسبته 10 إلى 12 بالمائة من حجم الاقتصاد العالمي: منها
2900 مليار للاتصالات، 2600 للمعلوماتية و1500 مليار للسمعي-البصري.
وهناك أيضا حوالي مليار
و 260 مليون جهاز تلفاز في العالم (200 منها بالكابل و 60 مرتبطة بباقات رقمية).
أضف إلى ذلك ال 700 مليون مشترك بالهاتف (80 مليون ضمنها للهاتف الخليوي) و 200
مليون حاسوب شخصي (30 مليون منها مرتبطة بشبكة الإنترنيت)، إضافة إلى ما يناهز 600
مليون إلى مليار مستخدم لآلاف مواقع الويب بالانترنيت.
°- المعطى الثاني
ويتمثل أساسا في تزايد الميزانيات المخصصة لتجهيزات ومحتويات الإعلام ضمن
الميزانيات العائلية العامة.
فالمواطن الأمريكي مثلا
كان يخصص سنة 1980 حوالي 20 بالمائة من ميزانيته للمأكل و10 بالمائة للإعلام
والاتصال (تلفزة، هاتف، برامج معلوماتية...الخ) 15، سنة فيما بعد نزلت ال 20 بالمائة إلى 16 بالمائة وارتفعت ال 10
بالمائة إلى حوالي 13 أو 14 بالمائة.
°- المعطى الثالث الذي
يميز حركية هذه الصناعة (الإعلامية-الاتصالية) كونها تزامنت وتسارع وتيرة إنتاج
المعارف والمعلومات. إذ يقدر العلماء أن مجموع المعارف من السنة الميلادية الصفر
قد تضاعف أول مرة سنة 1750 ثم سنة 1900 ثم سنة 1950 ثم سنة 1960 لتعرف هذه الوتيرة
بعد ذلك منحا أسيا كبيرا.
ثم أن العالم قد أنتج
من المعلومات، خلال الثلاثة عقود الأخيرة، ما لم ينتجه خلال ال 5000 سنة من عمره.
بمعنى أن قارئا قادرا على قراءة 1000 كلمة في الدقيقة (ثماني ساعات يوميا) يحتاج
إلى أكثر من 5 سنوات لقراءة المتوفر في الوقت الذي يكون قد تأخر بنفس المدة تزايدت
خلالها بشكل كبير المعارف.
- السمة الثانية وتكمن
في تزايد نسبة المعلومات في تكوين السلع والخدمات لدرجة أصبحت معها (أي المعلومات)
كلفة الإنتاج الأولى مقارنة باليد العاملة مثلا أو بالمواد الأولية.
أعطيك مثالان على ذلك:
+ المثال الأول: كل عشر
سنوات تنخفض تكاليف الحواسيب بنسبة 50 بالمائة مع احتفاظها بنفس القوة (وهو ما
يعرف عموما بقانون جويس)، وكل 18 شهر تتضاعف قوة هذه الحواسيب بالسعر القار. أي أن
ما كان يكلف 5 ملايين في المعلوماتية مثلا لم يعد يكلف إلا 5000 أو 500 أو 50
وهكذا.
ومعناه أيضا أن
البرمجيات أصبحت أكثر أهمية مقارنة بالأجهزة. ومعناه كذلك أن الخدمات واللوجيسيالات
والبرامج أصبحت أهم من الموارد المادية.
في اليابان مثلا ، من
أجل إنتاج نفس الكمية من السلع، انخفضت مساهمة المواد الأولية بنسبة 60 بالمائة ما
بين سنتي 1973 و 1984، بمعنى أن ما كان محتاجا (من مواد أولية) لإنتاج سلعة معينة
قد انخفض بنسبة 60 بالمائة خلال عشر سنوات، وهذا توجه مستقبلي عميق يجب ملاحظته
وتتبع آفاقه.
+ المثال الثاني، حاليا
قرص محوري من فصيلة "س.د.روم" بإمكانه احتواء مئات آلاف الصفحات النصية.
أو في ميدان الاتصالات، زوج من الألياف البصرية بإمكانه أن يمرر من المكالمات
الهاتفية ما لم يكن ممكنا إلا بواسطة أطنان كوابل النحاس، ناهيك عن متاعب الحصول
على هذه المادة مقارنة بسهولة تصنيع الألياف البصرية بالمختبرات بواسطة مادة وفيرة
أي بواسطة الرمال.
هناك إذن توجه باتجاه
لامادية الاقتصاديات وزيادة اعتماد هذه الأخيرة على العلم والمادة الرمادية لإنتاج
السلع والخدمات.
- السمة الثالثة وتتمثل أساسا في ازدياد قيمة
وحجم البحث والتطوير ضمن هذه الصناعات والخدمات الإعلامية والاتصالية.
فعلى الرغم من شكاوى
التقشف المتزايدة بالدول الصناعية، فإن المنافسة لم تعد تتكرس إلا مظهريا على
مستوى الأسواق، إذ أصبحت تنطلق من قوة المختبرات ومستويات البحث والتطوير المحصلة.
فلو علمنا أن الشركات
الكبرى العاملة بالقطاع تخصص 3 إلى 4 بالمائة من مبيعاتها للبحث والتنمية والتطوير
وبانتظام (منفردة أو من خلال تحالفات ضخمة) لتبينت لنا (ولو جزئيا) طبيعة اقتصاد
الإعلام والمعرفة المقبل.
- السمة الرابعة، وتكمن
في الميزة الشبكية التي تميز القطاعات
الثلاثة التي تكون صناعة الإعلام والاتصال والمعلومات (الاتصالات، المعلوماتية
والسمعي-البصري).
القيمة المضافة لم تعد
تأتي من هذه الشبكات في انغلاقها أو في استقلالية بعضها عن بعض بقدر ما أصبحت تنبع
من ترابط هذه الشبكات فيما بينها. ومعنى هذا أن الاتصالات استفادت من المعلوماتية
في تطوير برامج تسييرها وفوترتها وما إلى ذلك، والمعلوماتية وظفت تكنولوجيا
الاتصالات في ضبط وإرسال محتوياتها، والسمعي-البصري وظف الأقمار الصناعية والكوابل
والبرامج المعلوماتية في بثه وإرساله وهكذا. بمعنى أن التوجه الحالي إنما هو
باتجاه انصهار القطاعات الثلاثة لا تعميق استقلالية تطورها.
- السمة الخامسة ويمكن
ملامستها عبر زيادة نسبة اليد العاملة النشيطة بقطاعي الإعلام والاتصال ضمن السكان
النشيطين الإجماليين، إذ تقدر الدراسات أن نسبة المشتغلين بقطاعي الإعلام والاتصال
ستبلغ سنة 2000 حوالي 65 بالمائة (50 بالمائة حاليا) مقابل 2 بالمائة فقط للزراعة
والصناعات الاستخراجية و 22 بالمائة للصناعات التحويلية و 10 بالمائة لخدمات
مختلفة أخرى.
هذه السمة أعتبرها أيضا
مركزية كونها تؤشر، إلى جانب ذلك، إلى طبيعة اليد العاملة التي سيتزايد عليها
الطلب وأيضا إلى طبيعة البطالة التي من شأنها أن تنشأ مستقبلا.
- السمة السادسة وتتمثل
في مدى تأثير هذه التحولات الإعلامية والاتصالاتية والمعلوماتية على أنماط
التنظيمات والتسييرات والتوظيفات المكرسة طيلة عهود ما قبل عصر ما يسمى ب
"عصر المعلومات":
+ فهناك الانتقال من
الأنماط الهرمية السائدة في التنظيم إلى سيادة اللامركزية وسيادة تعدد مراكز اتخاذ
القرار مع زيادة قيمة العمل الوحداتي التشاركي.
+ ثم هناك الانتقال من
نظم الرقابة والضبط المركزية إلى أنماط رقابة ذاتية تكون المسؤولية فيها من نصيب
الجماعة مع سيادة قيمة النجاح لدى الجميع.
+ وهناك اعتماد قيم
المرونة والحركية عوض الاعتماد على النظم الجامدة والهياكل الثابتة والمستقرة.
+ وهناك أيضا اعتماد
المعلومات كمصدر استراتيجي في العملية الإنتاجية عوض اعتبارها بيانات تاريخية
محددة الأهداف والغايات.
هذه السمات الست الكبرى أعتبرها
شخصيا أهم ميزات عصر التحولات الإعلامية والاتصالاتية الحالية لأنها تكرس لتوجهاته
وتبين معالمه العميقة.
س: ما أثر هذه التحولات
وتطور الاتصالات على الجانب الثقافي؟
يحيى اليحياوي: هذا
السؤال ضخم ومتشعب، إلا أنه بقدر ضخامته وتشعبه، بقدر أهميته ومركزيته، مركزية
التساؤل في هذه التحولات نفسها.
الدراسات المتوفرة
حاليا حول الموضوع (وهي قليلة جدا) لا
توفر إلا القليل من المعطيات الإحصائية التي من شأنها أن تساعدنا على فهم طبيعة
واتجاه العلاقة بين التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال والمسألة الثقافية.
والسبب في اعتقادي، لا
يرجع إلى عدم استقرار طرفي المعادلة أو
تنوع وتعدد مكونات كليهما فحسب، ولكن أيضا إلى صعوبة تحديد هذه التحولات (وماهية
الثقافة أيضا) وعدم التمكن من عزل العناصر التي من شأنها أن تتفاعل مع الإشكالية الثقافية
أو تفعل فيها كمرحلة أولى لضبط العلاقة ونمذجتها.
هذه الاعتبارات وغيرها
لربما هي التي تجعل من مقاربة العلاقة غالبا ما تتم في إطار تكهنات وتصورات
وإسقاطات أكثر ما تخضع لاستقراءات أفرزها الواقع وأقرتها الممارسة وطوعتها (أو
خضعت لها) القيم السائدة.
إلا أن هذا التحفظ
المنهجي لا يمنعنا مع ذلك من الوقوف عند ثلاث ملاحظات أساسية أعتقدها مبينة لأبعاد هذه العلاقة، موضحة لمعالمها
ومجيبة ولو جزئيا على تساؤلك:
+ الملاحظة الأولى
ومفادها أن هذه التحولات بدأت تحمل (وستحمل أكثر في المستقبل) أشكالا جديدة للوصول
إلى الثقافة والمعرفة ولربما " يتدمقرط" معها هذا الوصول لو تم تجهيز
المؤسسات الثقافية أو المهتمة بالثقافة بما يمكنها من بلوغ بنوك المعطيات وقواعد
المعلومات.
لو نحن علمنا مثلا أن
المجتمعات المعاصرة تنتج حوالي مليونين من المقالات العلمية في 60000 مجلة مختصة
(بنسبة أربع مقالات كل أربعة دقائق) لتبين لنا كيف أنه من الصعب الوصول إلى
الثقافة والمعرفة وفق الطرق السائدة ولتبين لنا أيضا كيف سهلت التكنولوجيا
إمكانيات الاضطلاع على مكونات "الحقل الثقافي العالمي".
+ الملاحظة الثانية
ومغزاها أنه من "الأوعية" الثقافية الرائجة ما هو مطالب أكثر من أي وقت
آخر، بإعادة صياغة إشكاليته وأوجه تعامله مع التلفزة والحاسوب والمتعدد الأقطاب والنصوص والصور الممررة عبر
الانترنيت سيما وقد بدأ الكتاب يتراجع لصالح بعض أشكال تكنولوجيا النشر الجديدة ك "
س.د.روم" والنشر الإلكتروني وما إلى ذلك.
وللتذكير فستصل نسبة
النشر الإلكتروني سنة 2000 حوالي 10 إلى 15 بالمائة من سوق النشر الإجمالي.
+ الملاحظة الثالثة
ومضمونها أن هذه التحولات لا يمكن (وهذا رأي يناقش) أن تعطي الثقافة إلا بالقدر
الذي تعطيه هذه الثقافة لهذه التحولات. إذ أصبح بإمكان المنظومات الثقافية
المختلفة أن توظف هذه التكنولوجيا لغرض نشر قيمها وإطلاع الآخرين عليها. والأمثلة
في شبكة الانترنيت على ذلك كثيرة ولا مجال هنا للتفصيل فيها.
وقصد القول إن قدرة
تفاعل الثقافة مع التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال لا يمكن ولو جدليا
تصورها إن لم تخضع الثقافة نفسها للتحولات والتحول في طرق إنتاجها و توزيعها.
س: هل استطاع
العرب أن يستفيدوا من هذه الثورة؟
يحيى اليحياوي: هذا
السؤال أيضا متشعب ومعقد لا بحكم غياب الدراسات الجردية الجادة عن واقع تكنولوجيا
الإعلام والاتصال بالوطن العربي فحسب، ولكن أيضا بحكم استحالة الحصول على بيانات
مدققة عن نسب القدرات المستخدمة لهذه التكنولوجيا وكيفية توزيعها ودرجات توطينها
في النسائج وعلى الرغم من كوني خصصت بحثا مستقلا عن "الوطن العربي وتحديات
تكنولوجيا الإعلام والاتصال" بينت فيه أن هناك من الدول العربية من أصبح لها
تجربة في الميدان كمصر وتونس والعراق وبعض دول الخليج العربية، أقول إنه على الرغم
من ذلك فأنا أحتكم في هذا للاختيارات التكنولوجية الكبرى التي اعتمدت في الوطن
العربي ككل لا على ما اعتمده بلد معين كيف ما كانت صحة اختياراته.
وتأسيسا على ذلك فأنا
أعتقد أننا كعرب لا زلنا نتعامل مع هذه التكنولوجيا كمستهلكين لا كمنتجين، نستسهل
نقل التقنيات الإعلامية والاتصالاتية وغيرها من التكنولوجيا عوض أن نعمل على
إنتاجها. بالتالي فإذا بقيت هذه التقنيات غريبة عن تربتنا فلأننا لم نستطع نقل
منظومة المعارف والمضامين التي لا يمكن فصلها عن الأجهزة.
فليس من غريب الصدف أن
نجد الحواسيب ذات الكفاءة العالية تقوم مقام الآلة الكاتبة، وليس من غريب الصدف
أيضا أن نجد المبدلات العالية الدقة في معزل عن ظروف الصيانة اللائقة، كما أنه ليس
من غريب الصدف أن نجد الاختيارات النخبوية تحصر إمكانيات شبكة الانترنيت مثلا على
ذوي المال والسلطة في حين لا أثر لها في الجامعات ومراكز البحوث... والأمثلة على ذلك كثيرة منها إخفاق تجربة الشبكة
العربية للاتصالات الفضائية "عربسات".
س: هل يستطيع
العرب أن يلحقوا بهذه الثورة المعلوماتية وكيف؟
يحيى اليحياوي: في الواقع
مصطلح اللحاق هذا يحيل إلى نموذج في التطور التكنولوجي أبانت معظم الدراسات عن
محدوديته وطابعه الإيديولوجي.
وفحواه أن الفوارق بين
الدول المتقدمة ودول العالم الثالث إنما هي في حد ذاتها مسألة زمنية محددة قد تطول
أو تقصر. بمعنى أن خط التنمية مستقيم فيه السابق وفيه اللاحق، وأن الفارق بينهما
إنما يمر عبر اختصار المسافة بين سابق
الخط ولاحقه.
هذا نموذج القصور
العقيم الذي لا أرى في الحديث فيه جدوى تذكر ما دمت أعتبر أن مسلسل التطور
والتنمية أعقد وـعمق تشابكا من شبكة العنكبوت نفسها. بالتالي فهو لصيق ببيانات
وبرؤيا وما إلى ذلك وليس مجرد مدخلات ومخرجات إنتاج.
للرد على تساؤلك أقول
إن إشكال تطوير تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الوطن العربي لا يمكن اختزاله في
مجموع تقنيات متراصة ومتباينة كيف ما كانت درجة دقتها وقوتها تستورد وتفرض على
الاقتصاد والمجتمع والثقافة فرضا. ولا يمكن اختزالها في خطاب البدء من الصفر.
أنا أقول إنه لا مناص
على المدى القصير والمتوسط من النقل التكنولوجي ما دام الخيار الوحيد المتوفر على
أن يتم وفق تصور للتطور والتنمية محدد في إطار رؤية شمولية تستهدف توطين هذه
التكنولوجيا...على أن الاختيار الاستراتيجي الطويل الأمد يجب أن يتمثل في تكريس
البحث العلمي والتطبيقي كاختيار قومي وإن كانت كلفته عالية ومردوده بعيد المدى.
ويجب فضلا عن ذلك تقييم
الكفاءات البشرية وتكوينها وتحريرها وإعطائها وسائل البحث والتجريب بعد إشباع
حاجاتها الذاتية الموضوعية.
وهذا أمر ممكن لو توفرت
العزيمة وتوضحت الرؤيا.
حاوره عياد جلول، جريدة الراية القطرية، 29 غشت 1998