انتحاريو
سيدي مومن
بالدار
البيضاء
كائنة
ما تكن مسوغات
ودفوعات
ودوافع
انتحاريي حي
سيدي مومن
بالدار
البيضاء
أواسط هذا الشهر,
فإن إقدامهم
على نسف نادي
للإنترنيت
بأجهزته ومرتاديه,
ولربما عزمهم
(قبل ذلك أو
بعده أو بالتزامن
معه) على
تفجير مواقع
أخرى, إنما
يدخل بالجملة
والتفصيل في
مضمار
الترهيب
المباشر, والترويع
المتعمد
للآمنين.
والحقيقة
أن الذي جرى
بأحد أحياء
الدار البيضاء
في الحادي عشر
من مارس
الجاري, عمل شاذ
بكل المقاييس,
ليس فقط لأنه
أخذ العامة بجريرة
سلوك بعض من
الخواص
(المستهدفين
أصلا فيما
يبدو), ولكن أيضا
لأن الثاوين
خلف الذي جرى,
إنما يدفعون
بمسلمة أن
ترويع الجزء
هو من ترويع
المنظومة
بكاملها, وأن
نسف خمارة بحي
راق "لا يجب"
أن يختلف
كثيرا عن
تفجير فندق
مليء بالسياح,
أو ملهى
ترتاده
الفتيات
بالليل..."كلهم
كفار, حلال
على
المجاهدين
دماؤهم
وأعراضهم
وأموالهم".
وإذا
كان من أضعف
الإيمان أن
يندد المرء بأعلى
صوته بمنفذي
العملية, كما
بمؤطريها, كما
بالماسكين من الخلف
بخيوطها,
تخطيطا أو
تنظيرا أو
تفكيرا, فإن
أضعف الإيمان
يستوجب أيضا
التنديد بأي
سلوك (بالمغرب
وبما سواه),
يمتطي العنف
لترويع
الأبرياء, أو
للنيل من
أمنهم, أو
لزرع الفتنة
من بين
ظهرانيهم, على
خلفية من
توظيف خاطئ
للدين, أو
تأويل معوج
له, يتحول
الإرهاب
بمقتضاه, إلى
جهاد في حين
أن الذي ورد
بالقرآن, هو
من باب صد
العدوان, وليس
بأي حال من
الأحوال
إعلانه, أو مباشرته
على
المسالمين.
قد
يسلم البعض
وهم كثر, بأن
الإرهاب أضحى
(على الأقل
منذ الحادي
عشر من شتنبر)
ظاهرة عالمية,
يطاول مداها
وأذاها كل
الدول
والمجتمعات,
ويذهب
بجريرته
أبرياء من
شمال العالم ومن
جنوبه.
وقد
يسلم البعض
الآخر وهم كثر
أيضا, بأنه من
الطبيعي أن
يستنبت الفكر
المتطرف سلوكات
شاذة, هنا
وهناك. وقد
يسلم ما سواهم,
بأن كل
المجتمعات
(وليس حصرا
العربية
والإسلامية)
مفطورة على
صبيب من العنف,
قد تتباين
تمظهراته
وتلويناته
والمرجعية
المرتكز
عليها, لكن
تبقى نتائجه
وتداعياته
متشابهة,
لدرجة
التماثل في
العديد من
الأوجه.
وعلى
هذا الأساس,
فإن ما وقع
بالمغرب
أواسط مارس 2007
(ومن ذي قبل, في 16
ماي من العام 2003),
لا يمكن أن
يعتبر
استثناء
بالقياس إلى
ما جرى ويجري
منذ أحداث
الحادي عشر من
شتنبر
بأوروبا, أو
ببعض دول
الخليج, أو
بالمغرب
العربي أو بما
سواها, على
الرغم من
اختلاف
السياقات,
ومستويات
هيكلية وتنظيم,
ودرجة جهوزية
"الجماعات
المنفذة". هو
امتداد لها
حتما في الشكل
كما في
الجوهر...أو
هكذا يبدو لنا
لأول وهلة.
إن
ما وقع بمدينة
الدار
البيضاء هذا
العام ومنذ
ثلاث سنوات
أيضا, إنما
يعبر في
توقيته
وسياقه, عن
ثلاث حقائق جوهرية,
لا يمكن للمرء
أن يفهمها إلا
إذا استحضر
بعضا منها,
ووضع نفسه
جدلا, موضع
الذين نفذوا
عن قناعة من
لدنهم, أو
جراء
"التغرير"
المذثر في
الدين, أو
المقتني
"لأطروحات
الخلاص":
+
الأولى, أن
تفجير نادي
الإنترنيت
بحي سيدي مومن,
لم يكن مقصودا
بالعنوة
والتخطيط.
المقصود كان
محطات أخرى
محددة دون شك,
راج ويروج
بالإعلام أن
ارتياد
النادي من لدن
المفجرين, لم
يكن إلا بغاية
الاتصال
بالجهة
الآمرة, لاستقصاء
آخر
الترتيبات
المفترض اعتمادها
قبل التنفيذ,
وتلقي
التعليمات.
وسواء
تعلق الأمر
بالنادي أو
بالمواقع
المستهدفة
أصلا, فإن
توقيت
العملية إنما
أتى اسابيع
قليلة فقط على
إعلان
الجماعة السلفية
للدعوة
والقتال
بالجزائر, عن
التحاقها
بتنظيم
القاعدة
وتوسيع مجال
نشاطها إلى كل
بلدان
"المغرب
الإسلامي",
وأولها فيما
يبدو المغرب.
وعلى
الرغم من أن
العملية التي
وقعت أو التي
كان مرتبا
لها, لم يتم
تبنيها من لدن
أية جهة (قد
يكون بعض
المنفذين
أعضاء جدد بتنظيم
القاعدة), فإن
الرائج من بين
ظهراني الأمن
أن "أصبع
السلفية
الجهادية
ثابتة", وأن
أدوات
الجريمة
(الأحزمة
الناسفة
تحديدا) شبيهة
بتلك التي
استعملت بنفس
المدينة, من
سنوات قليلة
مضت.
+
الحقيقة
الثانية,
ومفادها أن
الذي جرى
بنادي
الإنترنيت
بسيدي مومن,
هو من فعل
شباب أتى
(وسيأتي دائما
دون شك) من نفس
المحيط, محيط
الأحياء
المهمشة,
المقصية من
دورة التنمية,
الموغلة في
الفقر
المستدام,
المستفزة يوميا
من لدن ساكنة
على بعد أميال,
تعيش الحداثة
في أبهى
صورها, والعيش
الرغيد في
أقوى مظاهره,
ولا تستشعر
أدنى إكراه في
الحل أو الترحال.
قد
لا يكون الفقر
عيبا في حد
ذاته, وقد لا
يكون مسبة
مطلقة في
مجتمع أضحى
التقاطب
الطبقي به بائنا
جليا, لكنه
(الفقر أعني)
عندما يتقاطع
مع اليأس
وفقدان الأمل
في المستقبل,
ويتداخل بالجهل
في أبشع صوره,
فإنه سيستنبت
قطعا عدوانية
في السلوك
سوداء, قد
تبدأ بشتم
الآباء
والحجر على
الأخوات, وقد
تنتهي بالارتماء
في حضن أفراد
أو جماعات
ظلامية, لا
تتراءى لها من
حركية اجتماعية
إلا حركية
تحالف الكل مع
الكل لقتل الكل.
+
أما الحقيقة
الثالثة,
فتتراءى لنا
كامنة في جانب
"الحكرة" (أو الاحتقار
في أبشع صوره),
والذي لم يقتصر
على رفع يد
الدولة عن
فقراء المغرب
ومهمشيه,
وتركهم حفاة
عراة أمام سوق
ليس لديه أدنى
اعتبار لما هو
التضامن أو
الرحمة, بل وتعدى
ذلك (بتصورهم
تحديدا) إلى
استصدار حقهم
ليس فقط في
الاختلاف, بل
وأيضا في
الاحتجاج
بركوب مطية
الدين
للتعبير عن الرأي...ولم
لا (يقول هؤلاء)
"إذا كان
المرء يعمل
بما أمر به
الله".
لا
يبدو لنا الخطر
كامنا في
التصور بحد
ذاته (بجهة
صوابه من
عدمه), بقدر ما
يبدو لنا كامنا
في القابلية,
قابلية شباب
في مقتبل
العمر على
الاستقطاب من
لدن هؤلاء,
تحت مسوغ
البحث عن
"الخلاص" من
عالم يعيد
إنتاج
الحرمان في
محدداته, كما
في سياساته,
كما في
الإيديولوجيا
المعتمدة من
لدنه, لإقصاء
هذه الجهة أو
استدماج تلك.
لو
سلم المرء بما
سبق من حديث,
أو بجزء منه
على الأقل,
فإنه سيسلم
قطعا بأن
المعالجة
الأمنية التي
اعتمدتها
الدولة
بالمغرب (واعتمدتها
دول أخرى
تعرضت
لعمليات شبيهة),
إنما تبدو
قاصرة في
تصورها, كما
في غاياتها,
كما في
الأدوات
المستوظفة في
ذلك:
°-
فالمقاربة
الأمنية تشدد
على بعدي
المراقبة والترصد
لأفراد أو
لجماعات,
يبدون لها
موغلين في
التشدد (أو في
طبيعة ما يفتون
به للناس),
فتطاردهم سرا,
ولا تتوانى في
استهدافهم
لسبب وجيه, أو
دونما أسباب
موضوعية.
والدليل
على ذلك, أن
العديد ممن زج
بهم في السجون
في أعقاب أحداث
16 ماي من العام
2003, براء من
المنسوب
إليهم, أو
أعلنوا
تبرؤهم مما
نسب لهم, ليتم
"إنصافهم"
بالنهاية, بعد
كبير ضيم
بالسجون
والمعتقلات.
هي
مقاربة
تقريبية
واختزالية,
تأخذ الجماعة,
أية جماعة,
بجريرة بعض من
المنتمين
إليها, ولا
تتقصى في الحقيقة
إلا بعدما
يبلغ الغبن
مداه, أو
يتدخل رأس
الدولة
مباشرة
لفائدة هذا
التظلم أو
ذاك.
°-
والمقاربة
الأمنية
تشتغل على
أساس من مبدأ الشبهة
أو على خلفية "لائحة
السوابق", فلا
يسلم من متابعتها
من اعتكف, أو
تاب أو لزم
بيته. هي
مقاربة
استفزازية
بكل المقاييس,
تبقي على الشك
حتى بتوافر
عناصر اليقين,
تحاسب على
الفعل
والممارسة,
وتحاسب على النوايا
والأفكار...على
السرائر
والضرائر
سواء بسواء,
يقول البعض.
°-
والمقاربة
الأمنية
(بالمغرب
وبغيره) ذات
خاصية
استباقية, لا
تتعامل مع
الثابت من
معطيات, بل
تحتمي ضد القادم
المحتمل منها
لدرء
المفاجأة, أو
تجنب أن يتحول
العرضي
العابر إلى
ظاهرة
مستشرية قارة.
من
الطبيعي إذن,
أن يكون
التجاوز سمة
المقاربة
إياها, ويكون منطق
"تصفية
الحساب" مع
هذه الجهة أو
تلك واردا,
فيتحول الأمن
نتيجة ذلك من
حالة
اجتماعية
عادية, إلى
هاجس, بل إلى
هوس أمني,
تستنفر
الأجهزة بمقتضاه
لمجرد إشاعة
بالشارع... أو
بإعمال للحدس.
ليس
من شك في أن
للمقاربة
الأمنية
مزاياها (إن
احتكمت
للقانون طبعا),
وهي ضرورية
بكل الأحوال.
لكنها بإزاء
ما وقع مرتين
بالدار
البيضاء, غير
كافية للحؤول
دون الارتداد,
أو انتشار مدى
العدوى, طالما
لم يعمد إلى
مزاوجتها
بمقاربات
أخرى (اقتصادية
وثقافية
واجتماعية
ونفسية
وغيرها) تدقق
في الأسباب
والدوافع,
وتدفع بجهة
مداواتها
وبتر ما فسد
من الأعضاء.
ويبدو
لنا, بهذه
النقطة, أن
إحدى مداخل المداواة
إنما تبدأ
بمناقشة ما
جرى, ليس فقط في
أفق التشريح أو
من باب الفهم
المجرد, بل أساسا
بجهة إعادة
بناء عقد
اجتماعي, حالت
خمسون سنة من
الفساد
والإفساد
والعبث بمصائر
الأفراد
والجماعات,
دون استنباته.
التنديد
بما جرى عن
قناعة أو
نفاقا شيء,
ومناقشة ما
جرى بموضوعية,
بغاية العمل
على ألا يرتد
ذلك شيء آخر...بعيد
عنه كل البعد.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
19 مارس 2007.