"إسرائيل الأخرى: رؤية من الداخل"

 

 

جوني منصور, مركز الجزيرة للدراسات/الدار العربية للعلوم, الدوحة/بيروت, 2009, 232 ص.

 

 

ينطلق كتاب "إسرائيل الأخرى" للمؤرخ الفلسطيني جوني منصور, من السؤال الجوهري التالي: "ماذا يعرف العرب عن إسرائيل؟". هذا السؤال يحيل على أسئلة جانبية مهمة من قبيل: "ما الذي يجري يوميا في إسرائيل, وماذا ينقل عنها للعالم العربي, وماذا يعرف العرب عن إسرائيل, وما تعرفه هذه الأخيرة عن الوطن العربي؟".

 

إن متابعة الكاتب لمجريات الأحداث بداخل إسرائيل, تبين أن هذه الأخيرة على اطلاع واسع عما يدور بالعالم العربي وعلى كافة الصعد, في حين تبقى معرفة العرب لإسرائيل قاصرة في العمق والجوهر, مما يستوجب برأيه, ضرورة "تهيئة معرفة تطال العمق والجوهر للطرف الآخر, تؤدي...إلى كيفية صحيحة للتعامل معه في كافة الميادين".

 

إن الكاتب هنا لا ينطلق من مسلمات دوغمائية هي أقرب للإنشاء منها إلى التحليل, بل ينطلق من ملاحظات يومية للشؤون السياسية والأمنية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية وما سواها. لا بل ويسبر أغوار سياسة إسرائيل الخارجية ومدى تغلغل نفوذ لوبياتها, التي أسهمت بقوة في "تثبيت قوتها في منطقة الشرق الأوسط".

 

بمعنى أن الكاتب ارتكز بالأساس على "مجموعة كبيرة من التقارير العلمية والموضوعية التي تنتجها مؤسسات بحثية وجامعية ومعاهد دراسات إسرائيلية لها علاقة بمستقبل إسرائيل".

 

بالمقابل, يطالب الكاتب العرب بضرورة تخليهم عن "المعرفة الإعلامية والصحفية" اليومية عن إسرائيل, والتحول إلى معرفة عمقها وجوهرها. فالعالم العربي, برأي الكاتب, "يفتقر إلى كثير من المعلومات المباشرة عن إسرائيل, فما هو متوفر إلى الآن ما هو إلا من باب العموميات".

 

في حديثه عن الاقتصاد الإسرائيلي, يلاحظ الكاتب أن هذا الاقتصاد يعاني من ارتفاع تكاليف الأمن وزيادة نفقات الحرب, وهو ما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء, سيما داخل عرب ال 48. لكنه يلاحظ بالآن ذاته, أن إسرائيل "تعمل جاهدة إلى بسط سيطرتها, بل هيمنتها على موارد وثروات المنطقة برمتها, وذلك ضمن ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الجديد".

 

ويدلل الكاتب على ذلك, بانتقال العديد من الصناعات الإسرائيلية لدول الجوار سيما الأردن, وبعض الدول العربية الأخرى, مما من شأنه اختراق إسرائيل للمقاطعة الاقتصادية العربية لها, وأن هذا الاختراق لربما سيتواصل إلى "أصغر مصلحة وورشة اقتصادية في العالم العربي".

 

من ناحية أخرى, يلاحظ المؤلف أن إسرائيل تعيش "من الداخل مرحلة استقطاب متزايدة بسبب نمو التيارات اليمينية, العلمانية منها والمتدينة, والتي تدفع البلد في اتجاه الفصل العنصري المقنن, وتؤجج خوف الإسرائيليين الديموغرافي من عرب ال 48. لذا تبحث إسرائيل عن اتفاقية سلام تساعدها على التخلص من عرب ال 48, وتساعدها على تبادل الأراضي مع الدول العربية المحيطة بها".

 

إن إسرائيل, يقول الكاتب, إنما تبحث عن تسوية شاملة مع "جيرانها", يتم بموجبها تخلي سوريا على جزء من هضبة الجولان, وتخلي لبنان على بعض من أراضيها لسوريا, مع العمل على الدفع بطروحات تبادل أراضي أخرى بين الأردن وإسرائيل وسوريا والسلطة الفلسطينية.

 

من ناحية ثالثة, يلاحظ المؤلف أن إسرائيل تعيش استقطابا طبقيا حادا تستعلي طبقاته في خضمه, على بعضها البعض, إذ "اليهود الغربيون يعتلون القمة, يليهم اليهود الشرقيون واليهود المتدينون, وفي أسفل السلم يأتي عرب ال 48 ثم البدو".

 

هذا التوزيع يوازيه توزيع طبيعي مرتكز على نفوذ السياسة والاقتصاد, إذ "اليهود الغربيون يسيطرون سياسيا واقتصاديا على إسرائيل, واليهود الشرقيون يحاولون اكتساب مزيد من المزايا من الحكومة الإسرائيلية, من خلال التشدد والتحرك نحو اليمين, وهو أمر يأتي على حساب العرب بالأساس, وعلى حساب الطبقات الفقيرة كاليهود المتدينين والعرب والبدو".

 

ما يزيد هذا الاستقطاب حدة, برأي الكاتب, عدم استقرار الحكومات الإسرائيلية المتتالية, وفساد النخب السياسية وانشغالها الجوهري بقضايا الأمن والحرب على حساب التفكير "في حلول حاسمة ضد صراع النخب الإسرائيلية والاستقطاب الإسرائيلي المتزايد بداخل إسرائيل".

 

إن تزايد نفوذ الصهيونية الجديدة, ذات الخلفية اليمينية المتشددة والعنصرية, لم يحل فقط دون عمل بعض الأحزاب (سيما حزب العمال) على صهر الإسرائيليين في بوثقة واحدة, بل أدى بنظر المؤلف, إلى تعميق ظاهرة تشبث و"تمسك الجماعات اليهودية المختلفة المكونة لإسرائيل بخلفياتها الأخرى, علمانية كانت أو دينية, وعجزت على الاتفاق على تعريف واحد للهوية اليهودية".

 

إلى جانب ذلك, رفضت هذه الجماعات اليمينية المتشددة "الاعتراف بوجود شعب فلسطيني يعيش داخل  إسرائيل  أو خارجها, على الرغم من اقتراب الحكومات الإسرائيلية على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبدولة خاصة به".

 

من هنا يرى المؤلف أنه في ظل هيمنة الصهيونية الجديدة, فإن "اقتراب التسوية مع العرب يزيد من تشدد الصهيونية الجديدة ضد عرب الداخل, لأنه يدفع اليمين الإسرائيلي إلى التفكير في أسئلة صعبة, مثل مستقبل دولته والانصهار الفاشل بين الجماعات اليهودية المتعايشة داخل إسرائيل, ووضع عرب إسرائيل أنفسهم".

 

ما يزيد من تخوف الصهاينة الجدد, هو ميل اليهود الغربيين للهجرة إلى أوطانهم الأصلية, على اعتبار اندماجهم الأول بها وتقاسمهم وإياها نفس المنظومة.

 

بموازاة ذلك, فإن تزايد أعداد عرب ال 48 يجعل إسرائيل "تتحرك ثقافيا وإيديولوجيا نحو لفظهم ورفض وجودهم, خاصة وأن نسبتهم في إسرائيل يتوقع لها الزيادة من الخمس حاليا إلى الربع في العام 2025".

 

بهذه النقطة يتصور الكاتب أن تشدد هؤلاء إنما مرده التزايد الديموغرافي من ناحية, وإلى انغلاق آفاق الحل, والطبيعة الابتزازية التي تميز الصهيونية الجديدة عما سواها من باقي "إسرائيل/الاعتدال".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 22 أبريل 2010