"مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين"

 

أوليفر ليمان, ترجمة مصطفى محمود محمد, عالم المعرفة, العدد 301, مارس 2004, 270 ص

 

 

1- بمقدمة الترجمة العربية لهذا الكتاب, يقول رمضان بسطاويسي: " تكمن أهمية هذا الكتاب (مستقبل الفلسفة) في أنه يتناول قضايا مهمة, نحن أحوج ما نكون إلى طرحها في الواقع الثقافي والأكاديمي لدينا. فهو يدرس موضوع المستقبل في فروع الفلسفة المختلفة, والتطورات المحتملة في هذه الفروع, وحاجة المجتمع المعاصر إلى الفكر الفلسفي, بعد التحولات المختلفة التي ألمت بالعالم المعاصر, وما هو الدور الذي يمكن أن ينهض به المفكر في عالم اليوم؟".

 

إن دراسة المستقبل, يقول صاحب المقدمة, "تعتبر أحد الموضوعات الجديدة في الفكر الفلسفي المعاصر, بجانب الموضوعات الأخرى, التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين, وذلك تلبية لحاجة الإنسان لتعميق بحثه حول قضايا ترتبط بوجوده وسط متغيرات سياسية واجتماعية وعلمية عديدة. والتطورات التي مرت بها المجتمعات الإنسانية, قد غيرت من نظرة الإنسان إلى ذاته, وإلى وضعه في الكون, وإلى طبيعة علاقته بالآخر, مما دفع الفكر الفلسفي إلى استحداث موضوعات جديدة, كما نجد هذا واضحا في الدراسات الأخلاقية, التي تفرعت إلى فروع جديدة, مثل الأخلاق الطبية, وأخلاق الهندسة الوراثية, وأخلاقيات علوم الحياة, وأخلاقيات عالم المال والأعمال".

 

إن الجديد في الدراسات المستقبلية المعاصرة, تقول المقدمة, إنها "تتجاوز النظرة المطلقة لمستقبل البشرية بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم, وتبحث في ممكنات المستقبل, في ميادين بعينها مثل السياسة, والاقتصاد, والبيئة, وعلوم الفيزياء, وموقع الفن في الحياة المعاصرة, ونظرية المعرفة, والعلوم السلوكية وعلوم الأعصاب, فتبحث هذه الدراسات في صورة الحاضر, والاحتمالات التي يتطور باتجاهها".

 

من هنا, تتابع المقدمة, فإن التساؤل في مستقبل الفكر الفلسفي, إنما يتزايد "نتيجة لحاجة الإنسان إلى نقد ما وصل إليه من تقدم تكنولوجي, ونتيجة للانتشار الهائل في المعرفة ووسائلها وأدوات الاتصال, مما أدى إلى تقارب الحضارات, وأسهم بفاعلية أكبر في التفكير في دراسة الاحتمالات الممكنة, التي يمكن أن يؤول إليها حاضر المجتمع الإنساني".

 

إن الدراسات المستقبلية, بنظر بسطاويسي, "ليست مجرد إحصائيات فحسب, وإنما دراسة ذات طابع قيمي, لأنها تهتم بدراسة مستقبل الإنسان ونوعية حياته, وتحسين الطريقة التي يعيش بها...المستقبل جزء من كينونة الإنسان, التي تتحرك دوما بين قطبين: الماضي وما به من خبرات توجه الذات الإنسانية وتشكل ملامحها الأساسية, والمستقبل وهو الأفق الذي تتجه إليه اللحظة الراهنة...إنه دراسة ممكنات الحاضر", تحليلا ودراسة.

 

2- ينقسم كتاب "مستقبل الفلسفة" إلى عدة فصول, كتب أوليفر ليمان جزءا منها, ونسق البقية, سنعرض بهذا التقديم للفصول التي تبدو لنا ذات راهنية كبرى:

 

+ بالفصل الأول ("مستقبل الفلسفة"), يقول أوليفر ليمان: "هناك من الأحداث ما له مستقبل يسهل التنبؤ به, والكثير من ظواهر العلم الطبيعي يقع داخل إطار هذه النوعية من الأحداث, إذ إن تناسق هذه الظواهر وانتظامها, قد أضفيا على النظريات التي تصفها ميزة رائعة تحسد عليها...لكن بمجرد أن نبتعد عن مجال العلوم الطبيعية, تتزايد الصعوبة في التنبؤ بالمستقبل. قد يكون بمقدورنا أن نشكل تعميمات غامضة, لكن هذا هو أقصى ما في استطاعتنا".

 

إن الصعوبة التي ينطوي عليها التنبؤ بما سوف يحدث في الفلسفة, يؤكد الكاتب, إنما "ترجع إلى أن تاريخ الفلسفة يشبه في الواقع, تاريخا عريق الطراز, بافتتانه بأشخاص بارزين. ويركز تاريخ الفلسفة على دور المفكرين العظام. ولعله من المستحيل أن نتنبأ بمجيء مفكر عظيم, أو بالاتجاه الذي سوف يسلكه, ودائما ما يكون هو الفيلسوف بشكل عام, وليست هي", أي الفلسفة.

 

ويتساءل الكاتب: "هل هناك أي شيء بالفلسفة في القرن العشرين, يميزه عن العهود السابقة, ويشير إلى تطورات محتملة في المستقبل؟".  ويجيب الكاتب, بأن القضايا الكبرى التي شغلت الفلاسفة الأوائل, منذ أفلاطون وأرسطو لا تزال هي ذاتها, بدليل أن فلاسفة الأديان لا يزالوا مستمرين في التفكير في الله وصفاته. صحيح, يؤكد الكاتب, أن ثمة تقنيات حديثة ونظريات جديدة, من الممكن أن تثير الفيلسوف, لكنها تبقى من باب المتطرق بالسابق من عهود وأزمان.

 

إن معظم الفلاسفة في الماضي, يقول الكاتب, "قد غطوا المجال الكلي للأفكار والمشكلات في عملهم, وربما يشعرون أنه من المستغرب أن يتوقع أحد منهم أن يعالجوا فقط عددا محددا من رؤوس الموضوعات. فتلك...آفة التخصص المتزايد في يومنا هذا, التي تشكل بدرجة كبيرة المدرسين أو الباحثين, الذين يؤجرون من أجل تفسير آراء الآخرين, بدلا من شرح آرائهم هم".

 

من غير المحتمل إذن, يؤكد الكاتب, ألا تتغير طبيعة الفلسفة في المستقبل, "لسبب واحد, وهو أن الجهد الأساسي في الفلسفة, يظل هو فهم فكر الفلاسفة في الماضي, وأن هذا دون شك سيستمر بالطريقة نفسها كما في الماضي. وحتى هؤلاء المفكرون, الذين يعتزمون ابتكار طريقة جديدة للنظر إلى القضايا الفلسفية أو للفلسفة نفسها, سوف يتجهون إلى استخدام بعض أفكار المفكرين القدماء, على الأقل كمنصة إطلاق, أو نقطة انطلاق".

 

ليس هناك, بالتالي, من "مجال للشك حول استمرار أهمية هذه المنطقة الفلسفية, وأحد الجوانب المثيرة للتطورات الحديثة في تاريخ الفلسفة, هو الأهمية المتزايدة للاتجاهات والمفكرين الذين يعدون أن الفلسفة كانت في وقت من الأوقات, ذات أهمية ثانوية".

 

من جهة أخرى, يلاحظ الكاتب أنه "على الرغم من أننا قد نكون على أعتاب مجتمع ما بعد الحداثة, إلا أننا بالتأكيد لسنا على أعتاب مجتمع ما بعد الفلسفة. فقد كانت هناك فترات في الماضي, بدا فيها أن الطريق الوحيد الذي يمكن أن تبقى فيه الفلسفة على قيد الحياة, هو تطابقها مع العلوم أو تماثلها معها, بيد أنه من المحتمل في المستقبل, أن يتحقق التقدم من خلال التركيز على التفرقة بين الفلسفة والعلوم".

 

من جهة ثالثة, يقر الكاتب بأنه من المتوقع اليوم, أن يزداد اهتمام المفكرين بالفلسفة العملية أو التطبيقية, على أساس "أن المجتمع الغني والمثقف, سوف يرغب في التفكير بشكل أعمق فيما يقوم به". ثم مع تقدم اقتصاد السوق, وتزايد وتيرة الاستهلاك, فإن الفلسفة "سوف تشارك في الحسابات الأخلاقية المعقدة, التي يحتاج الأمر إلى إجرائها هنا".

 

وبقدر ما سيزداد الاهتمام بهذا الجانب, سيتزايد أيضا الاهتمام بالفلسفة الشرقية (فلسفة الهند والصين واليابان وما سواهم) لدى فلاسفة الغرب, في أفق فهم نظريات الآخر وأفكاره, والسعي إلى استخدامها. "وبهذه الطريقة, من الممكن الإسهام في عملية فهم الحضارات والثقافات المختلفة بعضها لبعض, وهي العملية التي ثبت في الماضي, أنها العامل المساعد الفعال في إحراز التقدم الفكري".

 

+ بالفصل الثاني (تاريخ الفلسفة القديمة"), يقول هاري ليسر: إن دراسة تاريخ الفلسفة "باعتباره جزءا من هذه الفلسفة, تشتمل على عنصرين: العنصر الأول, فهم ما قال به فلاسفة الماضي وما قصدوه, والثاني محاولة تحديد ما هو حقيقي في الفلسفة التي نادوا بها".

 

إن تاريخ الفلسفة القديمة, برأي الكاتب, إنما يتمثل في "فهم كيف تأثر مفكر معين بمن سبقوه من المفكرين وبوضعهم التاريخي, وكيف يمكن فهم كتاباته وتفسيرها, وكيف كان تأثيره على المفكرين الذين أتوا من بعده, وعلى الواقع العملي, سواء بالتأثير الخاص أو التأثير الاجتماعي".

 

ويلاحظ الكاتب أن ثمة مشاكل في ذلك: في الطريقة التي درس بها تاريخ الفلسفة على مدار القرن العشرين, في اللغة المستعملة, حيث الكلمات نفسها لها دلالات تختلف من لغة إلى أخرى, خصوصا في مجال الأفكار المجردة, وغالبا "ما نجدها لا تصلح للتعبير الدقيق عن المقابل لها في لغة أخرى". ثم هناك مشكلة عدم القدرة على استيعاب السياق التاريخي أو التقدير الصحيح له, إذ من غير الصحيح, برأي الكاتب, أن نلوم المنظرين السياسيين الإغريق مثلا, على موقفهم من النساء ومن العبيد, وهم لم يعرفوا مفهوم حقوق الإنسان, وهذه الفكرة لم تكن موجودة أصلا في مجتمعهم.

 

من هنا, يرى الكاتب أن قراءة الفلاسفة القدماء ضرورية, لأنها تسلط بعض الضوء على موقعهم من العديد من القضايا الراهنة, لكن توظيف ما قالوا يمكن أن يؤدي إلى بعض من التشويش, والتفسيرات الخاطئة. فهناك مثلا "أسس مؤكدة لاعتبار أفلاطون كموحد (مؤمن بإله واحد) من نوع ما, وأن أي فرد يؤمن بحقيقة المسيحية (أو الإسلام أو اليهودية) يمكن أن يؤسس تأسيسا جيدا لوجهة نظر, ترى أن أفلاطون تنبأ بهذه الحقيقة (التوحيد) بدون معرفتها, لكن من الخطأ من الناحية التاريخية, أن نفترض أن أفلاطون آمن بنظرة التوحيد, بالصورة التي جاءت بها الأديان الثلاثة".

 

من جهة ثانية, يزعم الكاتب أن ثمة العديد من النظريات الأرسطية التي يمكن أن تؤسس لقراءات متخصصة في البيئة, سيما نظرته الخاصة بالطبيعة, كنظام للتكافل بين المخلوقات الحية, هذا ناهيك عن الإلهام الذي لا زال أرسطو وأسلافه, يمارسونه على الأخلاق وعلى السياسة, على اعتبار النظرة الأرسطية البانية للمذهب النفعي, والتي مفادها أن الهدف من العمل الأخلاقي هو السعادة الإنسانية, وهو الذي ما يزال يؤجج الصراع بين الليبيراليين والاشتراكيين, عن العلاقة بين الفرد والمجتمع.

 

+ بالفصل الثالث ("تاريخ الفلسفة الحديثة") تؤكد كاترين ويلسون إلى أن "دراسة تاريخ الفلسفة ونتائجها, والرموز التي أسهمت في تشكيلها, مكونا أساسيا من مكونات التعليم لأي فرد يتطلع إلى المراتب الرفيعة, في القانون والعلوم والطب والفنون والآداب.

 

الفيلسوف, برأي الكاتبة, إنما هو المفكر الذي يبحث بعمق, وبشكل أكثر ترتيبا من الشخص العادي, سيما فيما يتعلق بالقضايا المعقدة, التي لا يستطيع الكاهن أو عالم الطبيعة, أن يتعرض لها بنفس الدقة: إن أقرب شخص نسبيا من الفيلسوف هو الطبيب, لأنه يشفي من خلال المعرفة.

 

وتتابع القول: إنه "لكي نفهم عصرنا وسياسته وقيمه, والفروض التي تقوم عليها الحياة اليومية, ينبغي أن نتعرف على العصور السابقة عليه, والبدائل التي اتخذتها, كما يجب أن نفهم تتابع المراحل التي انبثقت عنها وجهات نظرها وممارساتها".

 

إن تاريخ الفلسفة, تؤكد الكاتبة, إنما هو مشروع ثقافي بامتياز, يسائل الدين والأخلاق والسياسة, ويسائل الطبيعي والأساسي للإنسانية. بالتالي, لم يعد هذا التاريخ عبارة عن دراسة ستاتيكية للحركات الفلسفية المتعاقبة, بل بات مجالا يطاول مناطق علم النفس, واللغويات, والذكاء الاصطناعي, والأنتروبولوجيا, وعلم الاجتماع, والنظرية الأدبية والقانونية, وما سوى ذلك.

 

+ بالفصل الرابع ("مستقبل الأخلاق") يحدد بيتر إدواردز علم الأخلاق, في كونه ذاك العلم المرتبط "بمعايير السلوك, التي يتحدد بموجبها الإعجاب بموقف معين أو رفضه, احترامه أو إدانته". ومصطلح الأخلاق الفلسفية أو الفلسفة الأخلاقية, إنما يركز على قضايا القيمة, التي تتسم بدرجة أكبر من الشمولية, ويتناول بدرجات مختلفة من التجريد, ضمن تحليل موضوع بحثها أو شرحه. إنها تبحث في العديد من القضايا الكبرى, وضمنها قطعا طبيعتي الفضيلة والرذيلة, ومعنى كل منهما, "كما تبحث في مفاهيم تقييم الذات, مثل الشرف والاعتزاز والمعصية والعار والخزي, التخاذل والإقدام. وهي المفاهيم التي قد تنشط أو تخبو في ظل ظروف معينة".

 

إن البحث في مجال الأخلاق, يقول الكاتب, إنما يجري في ماهية ما هو موجود, "أو فيما يمكن أن يوجد, ليكون شرا أو سيئا, أو دنيئا أو غير لائق, أو مبهرجا أو مقبولا, أو جيدا أو لطيفا, أو مثيرا أو رائعا, أو مدهشا أو مثيرا للمشاعر, بشكل آخر". وهي المجالات التي انشغل بها علماء الأخلاق, من قبيل أفلاطون وأرسطو والرواقيين وتوماس الإكويني وهوبز وهيوم وكانط ونيتشه وميل وغيرهم. وقد كان هدفهم جميعا هو "إجراء الأبحاث, بغرض التوصل إلى مجمل القواعد المنطقية, التي تحكم استخدام التعبيرات الأخلاقية في أي مذهب أخلاقي".

 

إن نظريات الأخلاق البعدية, يقول الكاتب, إنما تتناقض جوهريا مع الأخلاق المعيارية, والتي "هي فرع من الفلسفة الأخلاقية, التي تبحث في مضمون الأخلاقيات, وغاياتها وفضائلها ورذائلها ومبادئها, وتبحث في الكيفية التي يمكن أن تتآلف بها المتطلبات الأخلاقية أو تتصارع, كما تبحث في كيفية توضيح الصراع الأخلاقي, وربما في حل هذا الصراع".

 

من جهة أخرى, يلاحظ الكاتب, أن مذهب المنفعة كان هو مصدر التأملات الأخلاقية, الذي انطلق بالجزء الثاني من القرن العشرين. وخارج نطاق الفلسفة "لم تجد المتطلبات الاقتصادية الحديثة والمؤسسات العامة ووكالات التخطيط الاستراتيجي, في الفلسفة بوسائلها المعقدة, التي لا تؤدي في النهاية إلى التحديد الدقيق للقيمة, لم تجد فيها بديلا, يغنيها عن الأخذ بفلسفة تحليل الكلفة/العائد, التي مهما كانت أوجه القصور التي تشوبها, إلا أنها تطرح طريقة ما لتحويل القيم غير الكمية, إلى قيم كمية".

 

وقريبا من حدود الأخلاق, وبالتداخل معها جزئيا, تقدم لنا الفروع المختلفة الأخرى للفلسفة, مثل الفروع التي تهتم بالسياسة والقانون والتعليم وتاريخيا بالدين, تقدم لنا "أو تطرح أمامنا, منظورات مختلفة بصورة منتظمة, وذلك حينما تبحث عن إيجاد تبرير للأنواع المختلفة من المؤسسات الاجتماعية, أو مصادر السلطة, أو طرق صنع القرار".

 

+ بفصل "فلسفة ما بعد الحداثة", يقول سان هاند, إن "هذا المصطلح يشكل جزءا من مفردات علوم المعرفة المختلفة العديدة, التي لا يكون لها في الواقع ما يقوم به بعضها لبعض: الأدب والفن التشكيلي والمعمار ووسائل الإعلام والسينما والسياسة, وكذلك بالمثل الفلسفة, فقد دخل هذا المصطلح حتى إلى مفردات العلم واللاهوت".

 

ويلاحظ الكاتب أن الحداثة إنما تشير إلى "فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها, من حوالي 1850 إلى 1950, أي الفترة المتفجرة التي حقق فيها مجتمع ما بعد الثورة والمجتمع البورجوازي, إنجازات هائلة, تكنولوجية وفكرية, وقاسى ويلات حربين عالميتين, وشهد تحولا حضريا كاملا في ظروف المعيشة والعلاقات الاجتماعية. وعكست فلسفة هذه الفترة وثقافتها, التجريب والتغريب اللذين كانا السمة المميزة لهذه الأشكال الجديدة للمعيشة والتفكير".

 

ويتابع الكاتب: "بينما يمكننا أن نقول إن المجتمع المرتبط بالحداثة هو في الأساس ذلك المجتمع الذي نعيش فيه حاليا, فإنه يمكننا أن نضيف أننا مدركون بالفعل للكيفية التي تغير بها هذا المجتمع بشكل أساسي, خلال فترة الحداثة, وأنه يتغير بسرعة هائلة أمام أعيننا وفي حيواتنا, وكنتيجة لانهيار الكثير جدا من الثوابت أو الحقائق التاريخية, وأن الحداثة مقبلة نحو نهاية ما".

 

 إن مستقبل الفلسفة في فلسفة ما بعد الحداثة, "يرجع إلى مراحل تركيبها أو تأسيسها, ومن ثم تحفظ في حالة غير مستقرة, كإمكانية دائمة ومتجمعة ومتأصلة داخل كل فرضية فلسفية. وكل هذا يرفع من قيمة الرهان على أية عملية تنبؤ بسيطة على الأوجه المحتملة الأخرى, لمستقبل فلسفة ما بعد الحداثة".

 

ويلاحظ الكاتب, أنه بصرف النظر عن الرؤى المختلفة بخصوص ما بعد الحداثة, فإن التحليل الماركسي غالبا ما يدينها ويشجبها, على اعتبار أنها مجرد ناتج ثانوي من مخلفات المجتمع الرأسمالي المتأخر. فهي تشبه من وجهة نظره, أهدافا ووسائل للاستهلاك, أي أن ما بعد الحداثة تنسحب من التجريد والالتزام السياسي, إلى ممارسة جمالية منغمسة في الذات, أو مستغرقة فيها, ممارسة هزلية وساخرة. إنها لا تزيد عن كونها المقابل أو المعادل الفلسفي لعرض ألعاب, يكتفي من اللعبة أو الدمية بالتأثيرات السطحية والمفارقات والتناقضات, الالتباسات والاختلافات".

 

+ بفصل "الفلسفة التطبيقية في منعطف القرن", يقول هيتا هايري: "تتكون الفلسفة التطبيقية, التي بدأت في الظهور على صورتها الحالية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين, من المحاولات الثقافية أو العالمية المختلفة للتعامل مع أخلاقيات الحياة الفعلية, والمشكلات الاجتماعية والسياسية, التي درجت العادة الأكاديمية على تجاهلها فيما بين الحربين العالميتين".

 

إن موضوعة الحقوق الطبيعية أو الإنسانية, أصبحت من تاريخه, تتمتع بوضع جديد من الاحترام الفكري والفلسفي, سيما عندما بدأ يتم التعامل مع الإشكالية الأخلاقية من باب ثنائية الحقوق والواجبات. ثم بدأت الأولوية والمنفعة أو الفائدة في الأخلاقيات المعيارية, "تقابل تحديا من جانب المنظرين, الذين يعتقدون أن الفضائل أو الرذائل هي التي ينبغي أن تشكل الأساس الأخلاقي, وليست التفويضات أو الصلاحيات أو الرضا والقناعة".

 

وقد احتل تعريف الحياة الإنسانية وقيمتها ومعناها, مجالا واسعا في الفلسفة التطبيقية (سيما بالعالم الأنجلوساكسوني), فبدأ الحديث يتم بقوة, حول الإجهاض والقتل الرحيم والتكاثر الصناعي وهندسة الجينات وقياس نوعية الحياة, وندرة الموارد الطبية وما سواها. فبدأت القضايا ذات البعد العملي, تطرح بقوة من قبيل: "متى تأتي الحياة الإنسانية الجديدة إلى الوجود؟ هل هناك بعض الحيوات تستحق بقدر أكبر أو أقل, لأن تعاش عن حيوات الآخرين؟ متى تنتهي الحياة الإنسانية؟ كيف ينبغي علينا أن نتعامل مع الكينونات التي ربما تصبح, أو التي كانت في وقت من الأوقات مخلوقات إنسانية حقة؟"...الخ.

 

فكانت الإجابات إما تركز على جانب معيار الوعي, كمقياس لقيمة الحيوات الإنسانية, إذ إذا رأى الأفراد أن حيواتهم حياة جيدة, "فليس من شأن الآخرين قانونا, أن يتدخلوا من دون إذن صريح. وبالمثل إذا كان الأفراد يعتقدون أن حيواتهم لا تساوي شيئا, ورغبوا في أن يسرعوا من موتهم, فليس للآخرين بالتالي تلقائيا, أن يحاولوا الاحتفاظ بحياتهم, أو أن يدينوا هؤلاء, الذين يرغبون في مساعدتهم على الموت سريعا وبسهولة".

 

بالمقابل, هناك من الفلاسفة التطبيقيين من يعتقد أن الحياة مقدسة, وإنه من الأهم أن نعيشها كما هي, عوض ألا نعيشها بالمرة وبالمطلق. وهو ما يسري على الحياة السياسية والاجتماعية, إذ السؤال هنا مرتبط بمدى مشروعية الحاكم في حكم المجموعة, أو التقرير في حقوقها في الحياة, والحرية, والصحة, والملكية الخاصة, وما سوى ذلك. الحرية هنا سالبة وواجبة في الآن معا, وتحيل على الأخلاق أيضا.

 

من جهة ثالثة, يتساءل الفلاسفة التطبيقيون عن مدى شرعية بعض الأنشطة التجارية, وهل من المفروض تقنينها بإطار السوق الحر, أم تركها لهذا الأخير, من قبيل: هل يمكن القبول بتسليع الجسد الإنساني, وهل يجب أن يكون الناس أحرار في شراء أو بيع الأعضاء الحيوية, أو أعضاء الأجساد الحية متى أرادوا ذلك؟

 

بكل هذه الجوانب, يخلص الكاتب للقول: إن "أملنا المنهجي الأولي من أجل مستقبل الفلسفة التطبيقية, هو أن القضايا العميقة, وليست الموضوعات المصطنعة, هي التي سوف يكون لها الغلبة, وتسود الميدان. فالقضايا العملية في النهاية تجيء وتذهب, لكن المداولات النظرية التي يمكن عن طريقها تحليل هذه القضايا, هي التي تستمر وتبقى مع الزمن".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 20 نونبر 2008