بغداد
و"ضربة فأس
الهنود
الحمر"
لم
يكد الكونغرس الأمريكي
يلتقط أنفاسه
ليقرر في
موقفه من "الاستراتيجية
الأمريكية
الجديدة",
سيما جانبها
المتعلق
بإرسال قوات
دعم عسكرية
إضافية بالعراق,
حتى كانت
الدفعة
الأولى من ذات
القوات في
طريقها
لبغداد, وجزء
آخر قد حط
الرحال فعلا بمحافظة
الأنبار.
وإذا
كان للرئيس
الصلاحية
الدستورية
لاتخاذ قرار
من هذا القبيل
(قرار الزيادة
في القوات
والإسراع في
إرسالها), فإن
للكونغرس
أيضا صلاحية
الحؤول دون
تنفيذ ذات القرار,
خصوصا بجانب
التمويل. لكنه
لم ولا يستطيع
ذلك من زاوية
النظر
السياسية (والرئاسيات
على الأبواب),
ولا يستطيعه
أخلاقيا أيضا,
سيما
و"الأطفال"
قد أضحوا
ببلاد
الرافدين مراهنين
بأرواحهم "دفاعا
عن أمريكا
وهيبة
أمريكا".
هي
تكتيكات
سياسية,
وحسابات
انتخابوية
و"عرف
أمريكي"
معروف, لا يجد
الحزبان
المتناوبان
على الحكم
بأمريكا,
غضاضة في اعتمادها
وسلكها عندما
يتباين لون
الرئيس مع لون
المتحكمين في
دواليب
الكونغرس,
جعلت العديد
يشكك عن صواب
في طبيعة
الديموقراطية
الأمريكية,
وآليات
اشتغالها زمن
السلم كما زمن
الحروب.
وعلى
الرغم من
الوعود
القوية التي
قطعها
الديموقراطيون
للشعب
الأمريكي (في
الانتخابات
الجزئية
الماضية),
بجدولة
الانسحاب من
العراق حالما
حصولهم على
الأغلبية,
فإنهم وقد
باتت لهم
الكلمة/الفصل بالمجلسين,
قد أذعنوا
لقرارات رئيس
وضعهم أمام
الأمر الواقع
عندما عمد إلى
الدفع بأكثر من
عشرين ألف
جندي إضافي,
تحددت مهمتهم
في "استعادة
بغداد"
و"القضاء على
حالة
الاضطراب
التي تطبع
محافظة
الأنبار",
واللتان
نغصتا على
الأمريكان
نشوة "النصر الكامل",
وأفسدت على
الحكومة
الموالية لهم
مشاريعها
الطائفية
والمذهبية, بل
أوشكت على
الزج "بكل ما
تحقق" في أتون
المجهول... وبمقدمة
ذلك الحكومة
ذاتها,
والفريق
الداعم لها
سرا وبالعلانية.
وعلى
هذا الأساس,
فإن المراهنة
على استرداد بغداد
من يد
"المتمردين",
و"تنظيفها من
العناصر
الإرهابية
ومن الميليشيات
غير الشرعية",
إنما باتت
الفرصة الأخيرة
لرئيس طاوله
الوحل من كل
صوب وحدب,
فطلب بخطابه
عن "حال
الأمة", أن
يمنح ذات
الفرصة علها
تنقذ بعضا مما
تبقى من ماء وجه,
لم يستطع أكثر
من 150 ألف جندي
إنقاذه طيلة
الأربع سنوات
الماضية.
ولما
كانت الفرصة
إياها قد
منحته, وإن
بقوة الأمر
الواقع, فقد
ارتأى أن يذهب
بمقولته
القارة (
مقولة "ما لم
يحل بالقوة,
يحل بمزيد
منها") إلى
أقصى مدى
ممكن...حتى وإن استدعى
الأمر في ذلك
إفناء الحجر
والبشر
"بمناطق
التمرد"...فأفتى
لقادته العسكريين
أن يطلقوا
عليها شعارا يعبر
عن طبيعتها و
عن مضمونها,
فأسموها (وهم
المتمرسون في
التسميات
الصادمة):
"ضربة فأس
الهنود
الحمر".
لا
يبدو لنا, على
الإطلاق, أن
الشعار إياه
بريء أو تم
اختياره
جزافا أو
بالاحتكام
إلى المزاج
العابر, بل هو
استرجاع رمزي
لفترة من
التاريخ
استولى البيض
طيلتها على
أراض الهنود
الحمر,
وحولوها
بالقسر
التدريجي, إلى
ما أصبح يسمى
من حينه
بالولايات
المتحدة الأمريكية,
أسسوها على
أنقاض سكان
وصفوا
"بالوحوش
التي لا تعقل ولا
تفكر وتأكل
بعضها, بل
إنهم كانوا
يأكلون
أبناءهم
وزيجاتهم",
تقول بعض كتب
التاريخ.
بالتالي,
فقد كانت
إبادتهم
"الحل
الضروري للحيلولة
دون تلوث
العرق الأبيض,
وأن اصطيادهم,
واصطياد
الوحوش في
الغابات, مهمة
أخلاقية لازمة,
لكي يبقى
الإنسان فعلا
على صورة
الله".
لم
يكن البيض
الأوروبيون
(الأمريكان
فيما بعد)
يقتصرون في
فعلهم على قتل
الهنود الحمر والاستيلاء
على أراضيهم
ومواشيهم, بل
كانوا ينكلون
بجثثهم,
ويقطعون
رؤوسهم
بالفؤوس,
ويسلخون
فروتها,
ويصنعون منها
الملابس
والأحذية, بل
كان قادتهم
ينصبون
الرؤوس على
عصي
ويزرعونها
على جنبات
الطرق
المؤدية
لمقارهم
الرسمية,
"للاستئناس
وفرض الهيبة"...هيبة
الرجل الأبيض.
وقد
سار الحال على
ذلك (منذ
البدء, وطيلة
"حرب
الاستقلال"
أيضا) حتى تحولت
فروات رؤوس
الهنود الحمر
إلى تجارة
غاية في
الربح, لدرجة
أوشك البيض
حينها إلى ترك
البحث عن الذهب
بغرض اصطياد
فروات رؤوس
الهنود...التي
كان
"مصطادوها"
يتحصلون من
خلالها, على
ثروات عالية
ب"السوق
المباشر", أو
عن طريق ما
تقدمه
الحكومة من
مكافآت.
ولما
كانت فروات
الرؤوس قد
أضحت تجارة
مربحة, فإنه
غالبا ما كانت
تنظم الهجمات
على الهنود
بأكواخهم,
فيبيدوا عن
آخرهم (بمن فيهم
الأطفال
والشيوخ
والنساء), وتقطع
رؤوسهم, وتسلخ
فرواتهم سلخا
سلخا لدرجة
أضحى الأمر,
حينما تأسس
الجيش
الأمريكي,
"تقليدا
مؤسسيا رسميا",
وممارسة
عادية تدافع
عنها صحافة
ذاك الزمن دونما
عقدة أو رادع
أخلاقي...لا بل
إن الكولونيل
جورج روجرز
كلارك أقام
حفلا رسميا
أمام حاشيته
وحاميته,
ليسلخ ستة عشر
نفرا من
الأسرى
الهنود, أوعز
لجزاريهم أن
"يتمهلوا في
الأداء, وأن
يعطوا كل
تفصيل حقه,
لتستمتع
الحامية كلها
بالمشاهد".
والكولونيل
كلارك يحتفل
اليوم بذكراه
"كرمز وطني
أمريكي, وكبطل
تاريخي...وبات
من ملهمي
القوات
الخاصة في
الجيش
الأمريكي".
ويحكى
أيضا أن
الرئيس
الأمريكي
جونسون ذاته,
احتفل في 17
مارس من العام
1814 بانتصاره
على هنود الكريك,
فأمر بقطع
رؤوسهم وجدع
أنوفهم
وآذانهم,
واقتلاع
أدمغتهم
وأعضائهم
التناسلية
(بما فيها
فروج النساء)
لتعلق على عصي,
بغرض العرض, وبجهة
التباهي وتبيان
القوة.
وقد
عبر الرئيس
تيودور
روزفلت عن ذلك
بالقول (تعليقا
على مذبحة
ساند كريك):
"إن مذبحة
ساند كريك
كانت عملا
أخلاقيا
مفيدا, ذلك
لأن إبادة الأعراق
المنحطة
حتمية ضرورية
لا مفر منها".
كان
الهنود الحمر
يحترمون طقوس
الحرب,
ويخبرون
عدوهم عن سبب
لجوئهم إليها,
والغاية منها,
ويعلمون غرماءهم
بتاريخ بدئها.
وكانوا
يتعففون من
قتل الجرحى والنساء
والشيوخ
والأطفال.
كانوا يرقصون
حول جثث
قتلاهم, لكنهم
لم يذهبوا لحد
التنكيل بها,
بل كانوا
يتركونها
تتحلل
بالطبيعة
لتقتات منها
الطيور
والحيوانات
البرية وما
سواها.
كانوا
رواد الحرب
الأخلاقية
بامتياز, ولم
يستسيغوا
استهداف
المدنيين ولا
النساء
والأطفال والعجزة.
وكانوا
يجنحون إلى
السلم
تلقائيا, ولا يعمدوا
للغدر, في حال
التزام
كبارهم
بالسلم.
قد
يكون فيما سبق
من قول, جزء من
تاريخ سبق
وولى. وقد
يبني المرء
عليه "لتفهم" مدعاة
سلوك
البيض/الأمريكان
في حينه, سيما
وقد كانوا
بإزاء "حرب
وجود" (مقابل
حرب بقاء لدى
الطرف الآخر),
لكن ارتداد
ذات السلوك
اليوم
بالعراق (وقد
ارتد من ذي
قبل بحرب
الفيتنام, كما
بالحروب على
دول أمريكا
اللاتينية
كما بما
سواها), يشي
حتما بأن
السلوك إياه
أضحى "قيمة
رمزية" يعتد
بها, وتصنف
بطولات يؤرخ
لها ويكتب
عنها.
إن
عملية "ضربة
فأس الهنود
الحمر"
المزمع
تنفيذها
بالعراق
(ببغداد
وبالأنبار على
وجه التحديد),
لا تخرج في
تصورنا, عن
ذات السياق,
سياق الإبادة
المغلفة ب
"الضرورة
الأخلاقية
الحتمية"
التي تشبع بها
الجنود
الأمريكان,
فأفرزت ما وقع
بأبي غريب
وبحديثة
وبتلعفر
وبالفلوجة
وبالموصل وبغيرها.
لن
يخرج الأمر
تأكيدا عن ذلك
ب"خطة بغداد"
(أسمتها حكومة
الاحتلال, في
مماهاة
سيميائية غريبة,
"عملية
الذئب"), ولن
يجد الجندي
الأمريكي
مانعا
أخلاقيا
لاستعادة
ذكرى زملائه
من عشرات العقود
قبل "حرب
الاستقلال",
وأثناءها
وفيما بعدها
أيضا:
+
فشارع حيفا
ومحيطه
المباشر بات
ساحة حرب بامتياز,
أبانت بعض صور
الفضائيات
كيف يزهو الجنود
القناصة
باستهداف
عناصر
المقاومة, ولا
يميزوا في ذلك
(ناهيك عن
طائراتهم
المروحية) بين
شيخ أوطفل أوامرأة.
إن ما وقع
بشارع حيفا هو
عملية إبادة
حقيقية, تقول
هيئة علماء
المسلمين.
+
والعملية
استهدفت
السكان السنة
من الحي,
بدليل
تمركزها بغرب
دجلة حيث
للسنة
الغالبية, في
حين أن للشيعة
الجانب
الشرقي من
النهر. والسر
في ذلك لا
يكمن فقط في
كونهم "عناصر
التمرد
الرئيسيين"
بالعراق, ولكن
أيضا لأنهم
يرفضون تواجد
الاحتلال
(وحكومة الاحتلال
من خلفه) من
بين ظهراني
أزقتهم, وبمداخل
وممرات
شوارعهم.
لم
تقتل
المقاومة
العراقية
يوما أهلها,
ولا عمدت إلى
اتخاذهم
دروعا بشرية.
لكن أهل بغداد
(والعراق
عموما) إنما
يؤخذوا
بجريرة
مقاومتهم
(وثمة "خطؤهم"),
فيتم تقتيلهم
وإبادتهم
وتهجير ما
عجزت عنه آلة
الأمريكان
والحكومة
والميليشيات
الدائرة في فلكهم.
وإذا
كان من الصعب
حقا, استساغة
أن يحارب أكبر
جيش بالعالم
مجموعات
مقاومة بشارع
من شوارع
بغداد, فإنه
من الصعب أيضا
معرفة مآل جثث
المقاومين
هناك,
والعملية لم
تبدأ رسميا بعد.
كما أنه من
المتعذر
معرفة مآل
رؤوسهم
وأنوفهم
وآذانهم, وكيف
أنه من الوارد
أن تكون الجثث
إياها قد سلمت
لأولئك
"العراقيين"
الذين برروا
للرقص حول جثث
قتلاهم...
ألم
يقل موفق
الربيعي في
أعقاب اغتيال
الرئيس/الشهيد,
إن الرقص حول
جثثه "ممارسة
عراقية قديمة
لا شذوذ فيها".
ما الذي يبقى
بعد الشذوذ
عندما يعمد
"العراقيون"
والأمريكان
من حولهم, إلى
الرقص حول جثث
صعدت روحها
عند باريها؟
يحيى
اليحياوي
الرباط,
28 يناير 2007