"المشهد الحزبي والملكية بالمغرب"

 

عبد الحميد البجوقي, دفاتر وجهة نظر, الرباط, 2002, 120 ص.

 

1- بتقديم الكتاب, يقول عبد اللطيف حسني, المشرف على دفاتر وجهة نظر: "يعيش المشهد الحزبي الوطني مخاضا عسيرا, تتناسل عبره ومن خلاله أحزاب عن طريق الانشقاق, وتتولد في خضمه أحزاب جديدة, وتتوارى فيه إلى الخلف أحزاب ورثة الحركة الوطنية".

 

ويتابع القول: إذا كان ذلك "يؤشر على تعددية سياسية, فإن هذه التعددية المفرطة تبدو غير متساوقة مع التعددية المجتمعية. فخلق وصناعة الأحزاب ظلت دوما عملية فوقية, مقصورة على النخب الحزبية, وفي الغالب ما يتم التأشير عليها من قبل العلبة السوداء المسماة مخزن".

 

إن الكيفيات التي بمقتضاها تمت صناعة المشهد الحزبي, يقول عبد اللطيف حسني, "قد أثرت بشكل قوي على مسارات وتطورات الأحزاب المغربية. فعلى مستوى القاعدة الاجتماعية, لا يبدو أن هناك قواعد مجتمعية تستند عليها هذه الأحزاب. كما أنها لا تملك مشروعات مجتمعية, مترجمة في شكل برامج يستند عليها عملها السياسي. وهذه التعددية المفرطة الفارغة من أي محتوى اجتماعي, القائمة على حياة سياسية لم تكن أبدا سليمة, لم تسهم إلا في إنماء ظاهرة نفور المواطنين من العمل السياسي, واتساع أجواء التشكك والريبة في العمل الحزبي".

 

2- بمقدمة الكتاب, يقول عبد الحميد البجوقي: إن "المغرب يؤسس لمرحلة جديدة من تاريخه السياسي...وكل المؤشرات تؤكد انطلاق مخاض سياسي جديد, مغاير للذي ميز مرحلة الملك الراحل التي لم تنته بعد. ولا شك أن ما يسمى بالتوافق السياسي بين الأحزاب سواء منها أحزاب الكتلة/الحكومة أو ما يسمى بأحزاب الإدارة, كلها مؤشرات لانتقال سياسي بالمغرب, ينذر بنهاية مرحلة وبداية أخرى, تتميز بالتأسيس للجديد", أي بالتأسيس "لشرعية جديدة لا تلغي شرعية الماضي, لكنها كذلك لا تحتمل استمرارها بأي شكل من أشكال الترميم".

 

ويؤكد الكاتب أن التطورات التي تلت وفاة الحسن الثاني, إنما تؤشر على أن "الصراع من أجل السلطة والديموقراطية في المغرب...أصبح عائقا وحاجزا للانتقال والتغيير, الذي أصبح المغرب في حاجة له بسرعة وإلحاح. فالحركة الوطنية بشرعيتها وتاريخها المشرق, أصبحت اليوم عائقا وحاجزا للإصلاحات الجذرية والعميقة, والانتقال إلى مفهوم جديد للسلطة, للملكية,  للديموقراطية وللعمل الحزبي".

 

ويشير المؤلف إلى أن الحركة الوطنية التي بلغت امتداداتها الحزبية للسلطة أواخر تسعينات القرن الماضي, لم تعمل على "الانتقال الكلي من مرحلة إلى مرحلة", ولم تعمد إلى تصفية مرحلة وترتيب أخرى, ولم تعد النظر في ذاتها ومهامها. وهي بذلك "تكون قد دخلت حلبة الصراع, والمساهمة بحظوظ متساوية مع من يريد المساهمة في تأسيس أدوات جديدة, والتي بدونها سيكون ميلاد المشهد الجديد مستحيلا".

 

3- ينقسم كتاب "المشهد الحزبي والملكية بالمغرب", إلى ستة نصوص حاول خلالها الكاتب ضبط الإشكالية موضوع الكتاب:

 

+ بالنص الأول ("المشهد الحزبي المغربي وأزمة الاختيارات السياسية") يلاحظ الكاتب أن المشهد السياسي الحالي بالمغرب, يتميز "بنوع من الاضطراب والتفكك, ازدادت حدته بانطلاق سياسة الانفتاح وهامش الحريات, رغم محدوديته إلى يومنا هذا".

 

ويزعم أن هذه الميزة تأتت أساسا من الترسبات التاريخية التي لا تزال تحكم طبيعة تنظيم وبرامج الأحزاب السياسية, كما تحكم هيكلتها الداخلية, وأدوات تسييرها, ودور القيادة السياسية فيها, ليجعل منها تنظيمات أقرب إلى الزوايا, منها إلى المنظمات الحزبية المعروفة.

 

ويؤكد المؤلف أن الصراع على السلطة الذي أعقب الاستقلال, انتهى "بانتصار المخزن, واستقرار السلطة في شخص الملك الراحل", وهو ما حضي "بدعم وتأييد الدول الغربية, وبالخصوص فرنسا والولايات المتحدة, لأسباب استراتيجية تتعلق باستقرار المنطقة والصراع مع الاتحاد السوفياتي".

 

وقد أسهمت "عقود القمع والقهر الممارس على بعض القوى السياسية والاشتراكية منها بالخصوص, على ترسيخ النموذج الحزبي القائم على المركزية والانضباط, وحال دون أي نمو ديموقراطي داخل هذا النموذج, بل كان مبررا كافيا للاستمرار في العمل بأشكال تقترب من السرية أحيانا. كما كان القمع يبرر لتأجيل أي شكل من أشكال الديموقراطية الداخلية, باعتبار أن المهمة الأساسية والمقدسة هي مواجهة العدو الذي يتربص بهذه الأحزاب وبقياداتها".

 

بالمقابل, يلاحظ الكاتب, ظهرت "وبإيعاز من النظام, أحزاب مصطنعة تستهدف, ترسيخ مفهوم الحزب البراغماتي كصيغة مبتدعة, لتكسير شوكة سواء النموذج المركزي التحكمي أو امتداداته, من أحزاب اليسار بهدف تعميم نمط من الوجود السياسي المتقاطب المعروف في التجارب الديموقراطية, لكن بشكل مصطنع وعلى قياس النظام".

 

بالتالي, حملت الأحزاب المغربية منذ نشأتها, تشوهات كان أهمها "استمرار المركزية والتحكمية, وانعدام الديموقراطية الداخلية, مبررة بالقمع والعدو الخارجي, بالضبط كما كان الحال أثناء صراع هذه الأحزاب ضد الاستعمار, حيث لم تكن المرحلة تسمح بالاهتمام بقضايا الشأن الداخلي للأحزاب, في وقت يتطلب تجميع القوى ومركزة القرار لمواجهة المستعمر".

 

معنى ذلك, يلاحظ الكاتب, "أن العمل الحزبي في المغرب تبلور في بيئة وشروط لاديموقراطية, وفي غيبة فكر وثقافة ديموقراطية". وكان ذلك أهم المعيقات لأي "انتقال ديموقراطي حقيقي".

 

كما أن "التجربة التقنوديموقراطية" التي اعتمدت مرحليا, إنما كانت "محاولة جديدة لإجهاض الانتقال الديموقراطي", باعتبارها تجربة ملغومة, لا تحمل مدلولات أو مضامين سياسية يعتد بها.

 

+ بالنص الثاني ("الأحزاب المغربية بين الشرعية التاريخية وأزمة الديموقراطية الداخلية"), يعتقد المؤلف أن ميلاد الأحزاب المغربية تحكمت فيها منذ ما قبل الاستقلال "تفاعلات اجتماعية وسياسية, كانت تعكس طبيعة المجتمع المغربي آنذاك, في علاقاته مع العائلة والعشيرة, والمرتبط بالزاوية الدينية, كأداة للتعبئة وتنظيم المواجهات السياسية في علاقتها بمقاليد الحكم والسلطة".

 

ويؤكد أن الأحزاب السياسية بالمغرب, لم تظهر بشكلها الغربي إلا بعد فرض الحماية "ودخول النخبة المغربية المتعلمة في صراعات ومواجهات مع سلطات الحماية, من أجل المطالبة بالإصلاحات السياسية أولا, وبالاستقلال فيما بعد".

 

قبل ذلك, كانت الأحزاب عبارة عن امتداد للزوايا الدينية على مستوى الفضاء والتنظيم الهرمي, "كما كان زعماء الأحزاب يحضون بمكانة ونفوذ شبيهين بوضعية شيوخ الزوايا". معنى ذلك, أن أحزاب ما بعد الحماية كانت عبارة عن "إعادة تأسيس لزاوية كأداة للتأطير والتنظيم الاجتماعي والسياسي". هي إذن زوايا بأدوات فعلها وشروط عملها, حتى وإن كان تنظيمها الشكلي يوحي بأنها أحزاب. من هنا, يقول الكاتب, تأتت شخصنة الأحزاب السياسية بالمغرب, وارتباطها العاطفي بالزعماء.

 

وقد لعبت المناورات في مغرب ما بعد الحماية, دورا كبيرا في خلق تعددية حزبية, لكن دونما أن يحيل ذلك على حركية سياسية من نوع ما, إذ تم التجاوز على أحزاب الحركة الوطنية, وأنشئت أحزاب إدارية منحت السلطة, وضبطت الأحزاب من خلالها. بالتالي ترسخت التعددية الحزبية بالمغرب "على قياس وحسب احتياجات النظام والمؤسسة الملكية".

 

بجانب الصراعات داخل الأحزاب, يلاحظ الكاتب أن هذه الأخيرة لم تكن يوما ذات طبيعة إيديولوجية أو سياسية (ويلاحظ أيضا أن العديد من هذه الأحزاب لم تحدد مرجعيتها الإيديولوجية), بقدر ما أذكتها المنافسة على الزعامة, ومواقع السلطة داخل الحزب...وهذا ما أدى إلى الحركات الانشقاقية التي عرفتها العديد من الأحزاب المغربية, يمينية ويسارية على حد سواء.

 

إن الفراغ الإيديولوجي, يقول الكاتب, "يجعل الصراعات داخل الأحزاب شخصية, ويفتح المجال لحرب المواقع, والصراع من أجل السلطة, ومن أجل حماية هذه المواقع, وضمان أمن واستقرار كرسي الزعيم. وفي غياب إيديولوجية وتوجهات واضحة, يعمل هذا الأخير على تسخير كل أجهزة الحزب لضمان استمراريته, قبل ضمان استمرارية الحزب".

بالتالي, "لا يمكن أن ننتظر تحولا هيكليا عميقا في أجهزة الدولة ومؤسساتها, دون القطع مع هذا النموذج المريض, وإنجاز هيكلة جديدة عصرية وحديثة للنموذج الحزبي المغربي", يقر المؤلف.

 

+ بالنص الثالث ("الملكية, الشرعية واختيار التأسيس") يؤكد الكاتب أن الحديث عن الانتقال الديموقراطي بالمغرب إنما يتعلق "بالانتقالات داخل الإطارات السياسية التقليدية...وبقسط أكبر من الأهمية بإشكالية انتقال الملك في المغرب".

 

وهذه العملية من الناحية القانونية, "هي ترسيخ للنظام القائم, واستمرار للمؤسسة الرئيسية التي تقوم عليها دعائمه, وامتداد وراثي للسلطة التي يمثلها ويرمز لها شخص الملك, الذي تمت تربيته وتكوينه للاضطلاع بهذه المهمة, ولضمان استمرار النظام". نحن إذن بإزاء "مرحلة جديدة, يتم فيها التأسيس للجديد من داخل الاستمرارية...مع استمرار نفس الشرعية التي أوجدته, وهي الملكية وإمارة المؤمنين".

 

بمعنى أن هناك استمرارية في الشرعية التاريخية للملك, مع تجديد في الحضور. "أما التجدد في أدوات الفعل السياسي التي هي الأحزاب, فيجب أن يبدأ بالقطع مع الشرعية القديمة, ليؤسس لشرعية جديدة, وإطارات وأشكال جديدة". الأحزاب هاته مطالبة بالقطع مع الشرعية القديمة, وباستنبات شرعية جديدة, ل"ضمان انتقال جيلي داخل صفوفها, قصد ممارسة التأسيس والولادة في ظل المشهد الجديد".

 

إن الملكية, يقول المؤلف, "كمؤسسة, لا زالت تحتفظ بشرعيتها وفاعليتها في مغرب 2000, باعتبارها عنصرا يضمن التوازن بين أطراف الصراع السياسي والديني, لكنها ستكون عاجزة عن القيام بهذا الدور إن لم تغير من شكلها, ودورها الجديد في هذه التوازنات الجديدة", سيما وقد تبدلت الأحوال, وأضحينا بإزاء واقع مغاير للذي كان سائدا من عقود مضت.

 

ليس ثمة من مزايدة إذن, يؤكد الكاتب, على شرعية الملكية, ودورها التحكيمي, ولضمان التوازن بين الأطراف المتصارعة. "لكن تجديد الدور التوازني للملك, وارتباطه بالتحولات التي عرفها المغرب في ظل النظام العالمي الجديد, يفرض إعادة النظر في بقية المهام التي يمكن أن تقوم به هذه المؤسسة".

 

+ بالنص الرابع ("الحركة الديموقراطية الحالية في ظل المشهد السياسي الحالي ومهمة إنجاز الديموقراطية") يتساءل المؤلف عن وحول قدرة المشهد السياسي الحالي على "إفراز شروط للتحول والانتقال الديموقراطي المنشود كحل لا رجعة فيه".

 

ويعترف بأن الادعاء بخصوصية ما للديموقراطية المغربية, يحولها إلى "وعاء يحاول كل طرف ملأه بما يوافقه من حمولات إيديولوجية متناقضة".

 

من هنا, يؤكد الكاتب على مجموعة حقائق لعل أهمها أنه لا وجود لديموقراطية دون وجود مؤسس على المواطنة الكاملة. وهو ما يستوجب تساوي الكل في إطار سياسي واجتماعي واحد. وأن الديموقراطية لا تقبل التجزيء, إذ هي "تصور شمولي, وهذه الشمولية تطال الممارسة" أيضا.

 

ثم إن "بناء الديموقراطية يقتضي حتما تحديد أصل السلطة وجذورها, وصولا إلى ممارسة السلطة وآليات توازنها". وهو ما يستوجب توفير "تطابق بين التعددية السياسية مع التعددية الحزبية", وهذا ينبني على ثقافة الاختلاف, وتجاوز الخلل بين التعدديتين.

 

بهذه النقطة, يلاحظ المؤلف, أن المشهد السياسي الحالي غير قادر على ضمان انتقال ديموقراطي, مادام لم ينجح في إفراز هذا التطابق, وفي إفراز آليات وأدوات جديدة, لتصريف الاختلاف.

 

+ بالنص الخامس ("من الطبيعة العاطفية الاندفاعية للفكر اليساري الوطني, إلى الصمت والمقاطعة كترجمة للمعارضة والمواجهة"), يزعم الكاتب أن الذين ارتكنوا للصمت كانوا قد اختلفوا مع اليسار المغربي التقليدي, واستاءوا من اليسار الجديد.

 

بالحالتين معا, يلاحظ الكاتب أن الموقفين معا يغلب عليهما "الطابع العاطفي الاندفاعي" و"التمركز الحاد حول الذات". لكنهما موقفان مزعجان للمشهد السياسي سيما بمرحلة الانتخابات, التي بنى عليها النظام آليات اشتغاله الأساس.

 

ويتصور المؤلف أن "المهمة تبقى الآن أن يتكلم الصمت, أن يعلن الصمت عن بداية صراخ نسترد من خلاله الأمل والحماس. وذلك يبقى رهينا بميلاد مشروع سياسي, يجيب حقيقة عن هذه الرغبة المكبوتة في الصراخ, وهي رغبة يحملها كل صامت/رافض مهما تعددت أسباب صمته".

 

+ بالنص السادس ("علاقة الانتقال الديموقراطي بالانتقال الجيلي بالمغرب"), يحدد المؤلف الانتقال الجيلي في كونه الانتقال الطبيعي الذي لا يتحمل انتظار النهاية البيولوجية لمن تحملوا مهام الأمس, بغض النظر عن فشلهم أو نجاحهم في تأديتها.

 

ويربط الكاتب هذا المفهوم بمصطلح الانتقال الديموقراطي باعتباره انتقالا إلى "ثقافة وممارسة سياسية جديدة, متميزة وضامنة لحرية التفكير والإبداع والمشاركة".

 

ويطالب الكاتب بهذه النقطة, بضرورة بناء إطارات جديدة تقوم "على أساس تشبيب قياداتها ومسؤوليتها, وفتح المجال لمخاض جيلي/سياسي أكثر منه إيديولوجي, لحسم برامج وأهداف هذه الإطارات".

 

إن مهمة إنجاز الانتقال, يقول الكاتب, "يفرض مهمة ملحة وحاسمة يتحمل فيها اليسار المغربي الديموقراطي بمفهومه الواسع, مسؤولية ضخمة, تبدأ بتهييء قناعته للقبول بالآخر, مهما كان هذا الطرف الآخر, من مائدة الحوار, كما يفرض علينا بالذات تهييء الشروط لقفزة تنظيمية نوعية, وببرنامج مرحلي, يسمح بالتهييء لصياغة وثيقة مشتركة"...تكون الغاية منها التوافق على بناء الديموقراطية, وأدوات ممارستها, من إطارات وأحزاب, وأشخاص, لضمان ما يسميه المؤلف ب"الانتقال الجيلي" المواكب للانتقال الديموقراطي.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 30 غشت 2007