لماذا رفضت إسرائيل تقرير بيكر/هاملتون؟

 

لم تنتظر إسرائيل طويلا، ولا أخذت من المدى الزمني ما يكفي لقراءة تقرير بيكر هاملتون أو التمعن فيه، أو استشارة جهابذة التخطيط الاستراتيجي لديها بشأنه. لم تنتظر كثيرا حتى تدفع برئيس وزرائها ليقطع الطريق من أمام كاتبيه، أو المراهنين على توصياته لتخفيف الضغط على الجيش الأمريكي بالعراق، أو الإتيان بمخرج لرئيس ضاقت به السبل (وطاولته اللعنة أيضا) حيثما حل وارتحل.

 

يقول رئيس وزراء إسرائيل: "إن التقرير لا يعبر عن موقف الولايات المتحدة . هو رأي...أما الربط بين الملف العراقي والملف الإسرائيلي/الفلسطيني فلنا رأي مختلف، والرئيس بوش له رأي مخالف" أيضا.   

 

وعلى الرغم من أن التقرير هو حقيقة تعبير عن "رأي" خاص، ثوت خلفه لجنة من العارفين والمتمرسين بخبايا العلاقات الدولية، وبتفاصيل أزمات الشرق الأوسط الثنائية منها كما المتعددة الأطراف، فإنه رأي رسمي وإلى حد بعيد، سيصبح حتما (بمجمله أو ببعض من عناصره) رافدا من روافد السلوك السياسي الرسمي بمجرد القبول به من لدن الرئيس، أو اعتماده من لدن الكونغرس.

 

لم يوص التقرير باعتماد منعرجات قوية أو بسلك منعطفات حرجة لإسرائيل، ولم يطالبها بتغيير سياساتها بالمنطقة بإزاء الفلسطينيين مثلا، بقدر ما أوصى الإدارة الأمريكية "ببذل جهود إضافية في الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني"، حتى وإن طالب في صلب ذلك، بأهمية إرجاع الجولان لسوريا مقابل اتفاق سلام معها، يكون من شأنه التخفيف من الاحتقان، ويضمن بعضا من الاستقرار لمنطقة أضحت على حافة الانفجار بدون منازع. 

 

ولما كان التقرير منصبا، في شكله كما في جوهره كما في التوصيات، على العراق حصرا حيث الأمريكان هناك قوة احتلال لم تهدأ الأرض من تحت أقدامها مذ وطأتها لأول مرة بالعشرين من مارس من العام 2003، فإن ربط ما يجري هناك مع ما يجري ب "الشرق الأوسط القديم" قد أثار حفيظة إسرائيل، وانزعاجها على خلفية من رفضها تحمل تداعيات وتبعات حرب كانت بالمفارقة إحدى الدافعين بها، المتحمسين لها، المؤججين لنيرانها وأيضا أكبر المستفيدين المباشرين منها، بالوقت الحاضر كما بالزمن المنظور.  

 

لإسرائيل، على توصيات لجنة بيكر/هاملتون، ثلاثة معاتبات كبرى تكاد تشارف على التنديد بالتقرير، وكيل الشتائم لواضعيه:  

 

+ فهي لا ترى من "المنطقي" جملة وبالتفصيل، ربط إنهاء حرب "بدأت من دون علاقة" بصراع (الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني) كان قائما من دونها، أدير ولا يزال يدار بمفصل عنها. ولا ترى رابطا وثيقا بين حالتين لكل منهما سياقاته وأهدافه، والمسوغات التي كونت لهما الخيط الناظم في الشكل كما على مستوى المضمون. بالتالي، فإسرائيل تعتبر أن "إشكالها" مع الفلسطينيين إنما هو "إشكال خاص"، لا مجال لإقحامه في إشكالات أخرى قربت منه بالمظهر أم بعدت. 

 

+ وهي (إسرائيل أعني) ترى في توصيات اللجنة انقلابا "حقيقيا" على ما وعدتها به الإدارات الأمريكية المتعاقبة (سيما إدارة المحافظين الجدد الحاكمة حاليا) من ضرورات الدفع بمبدأ "السلام مقابل السلام" مع سوريا، دونما الدفع بمبدأ المقايضة على أراض (الجولان أعني) أضحت في تصورها "جزءا من إسرائيل"، ولا مجال للتعامل مع ذلك إلا مجال الأمر الواقع دون سواه.

 

+ وهي تعتقد أن الولايات المتحدة تريد أن "تضحي بإسرائيل على مذبح الخروج من العراق"، ولا تبدي بناء على ذات الاعتقاد أدنى استعداد (بالارتكاز على ذات التوجه) للمساعدة في ذلك، على خلفية من طرح أن الوثيقة (التقرير أعني) "وثيقة أمريكية داخلية، وليست مخصصة لنا"، يقول الإسرائيليون.   

 

لا يبدو لنا إذن، على الأقل بناء على هذه المعاتبات، أن إسرائيل تخشى جديا تبعات الحرب. فهي تعلم علم اليقين أن بوش الإبن سيرفض التوصيات المتعلقة بها (وكذلك كان)، كما سيرفض التقرير بمجمل توصياته وأقواها (بدليل إيمائه لوزير دفاعه الجديد بزيادة التواجد العسكري بالعراق). لكنها تريد، من باب الاحتراس والاحتراز، درء ما قد يترتب عن حل "الإشكال العراقي" من ترتيبات جيوستراتيجية قد لا تخدمها، حتى وإن أوجعت حليفها الموثوق في حال اضطراره ميدانيا للانسحاب من العراق.    

 

الإسرائيليون لا يتحرزون من ذلك فحسب، بل يتهيبون أيضا من إمكانية انصراف ذات الحليف عنهم مؤقتا، وهم الذين لم يثبتوا جدارتهم، ولا عبروا عن مستوى ثقة الأمريكان بهم، عندما تكسرت أسطورتهم العسكرية أمام المقاومة اللبنانية في مواجهة صيف العام الحالي.   

 

وإذا كان التقرير يعتمد مقاربة "شمولية" بجهة محاولة تخليص أمريكا من أوحال المستنقع العراقي (بدليل تشديده على أن الولايات المتحدة "لا تستطيع أن تحقق أهدافها في العراق من دون معالجة مباشرة للصراع الإسرائيلي/الفلسطيني")، فلأن المشرفين عليه مدركين أن ذات الخروج سيكون كارثيا، إن هو لم يدمج في إطار منظومة إقليمية تخفف من وطأة المستنقع إياه، أو تسهم في التخفيف من ذات الوطأة بما يضمن ماء الوجه "الأمبراطوري".

 

وبصرف النظر عن توصيات التقرير (العامة كما الموجهة لإسرائيل مباشرة)، فإن رفض إسرائيل لها إنما متأت، فيما نتصور، من اعتبارات جيوسياسة ذاتية لا يتم توظيف الدور الأمريكي فيها إلا للتغطية المحيلة على الشرعنة، شرعنة سلوكها بإزاء الفلسطينيين كما بإزاء سوريا كما بإزاء باقي "دول الجوار":

 

+ فإسرائيل ترتكز في سياساتها، القريبة منها كما الطويلة المدى، على الاستفراد ب"غرمائها" مباشرة، بغاية ترهيبهم وابتزازهم وجرهم للتنازل طواعية دونما مقابل من لدنها كبير.

 

هي سياسة قارة، تعتمدها إسرائيل مع الفلسطينيين منذ أوسلو وإلى اليوم، وتسلكها مع العرب جميعا عندما يقترحون من ذوات أنفسهم مبادرات تقر إسرائيل ذاتها ب"إيجابية بعض عناصرها"، ثم سرعان ما تتفنن وبالتدريج في رفضها وإهانة مروجيها، حتى وإن كان لها بها فوائد قصيرة المدى مضمونة.  

 

+ وإسرائيل تدرك جيدا أن بيكر لن يخدعها (وهو الذي خدمها بمؤتمر مدريد من 15 سنة مضت)، ولن يفرط في أمنها، ولن يجالس من يزايد على وجودها، لكنها على رغم ذلك لا تجاريه في طروحاته "الجديدة"، سيما إذا كانت تدفع بجهة "اقتطاع" جزء من أراض ضمتها فعليا وبالأمر الواقع.

 

+ وإسرائيل تريد، فوق كل هذا وذاك، حليفا يسوغ لها السلوك، يعاضدها بمجلس الأمن، يتستر على ممارساتها، يقدم لها الدعم والمشورة، لا حليفا يضفي عليها الخاصية الوظيفية الصرفة، أو يبتزها، أو ينقل عدوى "وجع رأس العراق" إليها أو على حسابها...أو "يزعم" بأن عدوى الفوضى بالعراق ستطاولها وستطاول بالمحصلة، المنطقة برمتها. 

 

وإذا تسنى للمرء أن يستفهم حقا حول ردة فعل الإسرائيليين بإزاء تقرير صاغه أحد المدافعين عنها قلبا وقالبا، فإنه لا يستطيع إلا أن يستفهم أيضا وبالقدر ذاته، عن الانتهازية الصارخة التي تنتهجها إسرائيل بإزاء حلفائها كما بإزاء أعدائها سواء بسواء:

 

+ فغزو العراق واحتلاله تم بمباركة إسرائيلية مباشرة (وبتصميم من مقربي الرئيس الأمريكي الموالين لإسرائيل)، وكانت المستفيد الأكبر من تدمير العراق دولة ومؤسسات لدرجة اعتراف برايمير بأن قرار حل الجيش العراقي جاء إرضاء لإسرائيل...كيف لها إذن أن تتبرأ من حليف لها بورطة، يتشبت بالقشة الأضعف إن توفرت، للخروج من المستنقع؟ كيف تستسيغ أن تستمر في جني ثمار، على حساب حليف أعيته المكابرة فأضحى جريحا بالميدان يبحث عن منقذ؟ 

 

+ وغزو العراق، كما احتلاله، غطى على إسرائيل سلوكها مع الفلسطينيين، فنكلت بهم أيما يكن التنكيل وسجنت وزراءهم ونوابهم، وحاصرت ديموقراطيتهم، ومنعت عنهم المؤونة والدواء، في انشغال العالم برمته بما يجري بالعراق أو من حوله...كيف يهون عليها والحال هاته، أن تترك حليفا لها موغلا في الوحل، ولا يطلب منها فوق ذلك إلا "كلمة طيبة" تخفف عنه بالمنطقة الأوجاع والمغص؟ 

 

+ وغزو العراق واحتلاله، فتح لإسرائيل أبواب التموقع في منطقة جيوستراتيجية سيتسنى لها من خلالها ضمان مصادرها من الطاقة ومحاصرة مناهضيها بالمنطقة، بل وتطويق بلدانهم بالتواجد المباشر من على أبوابهم...كيف لا تعمد إلى التخفيف من مغص حليف لها استراتيجي، يراهن مستقبلا على دك إيران إكراما لها؟

 

يحار المرء حقا في فك طلاسم علاقة الأمريكان بإسرائيل، أو علاقة هذه الأخيرة بهم؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 25 دجنبر 2006