"في عمى
البصر والبصيرة"
ليس ثمة من شعوب, بمشرق الوطن العربي كما بمغربه, لم تتعاطف مع انتفاضة
المصريين, أو لم تتبن مطالبهم, أو لم تتفهم احتجاجاتهم, أو لم تخرج للشوارع للتضامن
مع من طاولتهم نيران البنادق أو هراوات البلطجية, أو واجهوا بصدورهم العارية رصاص أمن
خشن تبجح الإعلام الرسمي, ولأكثر من ثلاثين سنة مضت, بأنه في خدمة المواطن والشعب .
والواقع أن الذي جرى ويجري بمصر, منذ 25 يناير من العام 2011, لا يمكن إلا
أن يثير التعاطف والتبني, ثم التفهم والتضامن, ليس فقط من باب موقع ومكانة مصر في
القلوب والضمائر, ولكن أيضا وبالأساس قياسا إلى ما عاناه هذا الشعب الموغل في
الحضارة والتاريخ, منذ رحل عبد الناصر وإلى حين انطلاق أولى شرارات الانتفاضة, ورفعها
لشعار رحيل الرئيس مبارك دون خوف أو تحسب.
لسنا مؤهلين, نحن الذين لم نتابع ما جرى ويجري بمصر, إلا عبر الجرائد
والفضائيات, لسنا مؤهلين لتشخيص حدة ما كابده شعب مصر من فقر فظيع وظلم شامل
وطغيان قل نظيره. ولسنا مؤهلين للحكم على ما يرفعه ذات الشعب من شعارات, وما
يشترطه من قرارات قبل ترك ساحة التحرير وباقي ساحات الاحتجاج بكل ربوع مصر.
إن الذي يبدو لنا, من منطلق العبرة والدروس الأولية المؤقتة, من تجربة مصر
كما من تجربة تونس السابقة عليها, كما من تجارب قادمة لا محالة, إنما التساؤل
المباشر التالي: لماذا يترك الحاكم العربي الأمور تتدهور ويركبها التعفن وتعتريها
العفن, حتى تنقلب عليه بالجملة والتفصيل, فتستوجب حما وقطعا بتر الأطراف والأعضاء,
ليسلم ما بقيت به حياة أو بعضا من حياة؟ لماذا لا يتدارك الحاكم العربي الأمور,
ويعمد إلى مداواة ما يعتريها من مرض, حتى لا يتحول العابر المقدور عليه, إلى علة
تستعصي على المعالجة؟
إن الحاكم العربي يدرك أشد ما يكون الإدراك أن نظامه السياسي فاسد, وقواعد
اشتغال اقتصاده مغشوشة وقضاءه مرتهن, مسلوب الإرادة, والأحزاب والنقابات المشتغلة
في طيفه منافقة وكاذبة, وإعلامه تضليلي, تزييفي وتزييني, لا يدفع بالحقيقة أبدا,
بقدر ما يشيع التضليل ومحاباة الحاكم في خطابه وسلوكه وسياساته.
إنه يعلم كل ذلك بالقطع, لكنه لا يوليه كبير اهتمام, إما لغشاوة على عينه أو
من بين ظهرانيه, أو لاتكائه على جهاز في الأمن يطمس الحقائق بقوة النار والحديد,
أو لاستقصاده ذلك عنوة على خلفية الاعتقاد بمبدأ الرعية, الذي مفاده أن لا واجب
بعنق الحاكم إلا واجب الأمن والاستقرار لا غيرهما, وما سواهما هو من باب كد الشعب
وجده, أعني من باب ما لا يستحق العناية
والاهتمام.
كل هذا وارد ومؤكد في جزء كبير منه, لكن الذي يبدو بسلوك الحاكم العربي
إنما اتخاذه للفساد والإفساد كسياسة, كأداة حكم, كنمط حكامة, كسلوك قار, كوسيلة
تندغم فيها الغاية, حتى بات الفساد خيطا ناظما لكل البنيان, تتهاوى أركانه إن
انتفت من بين أضلع عناصر الفساد إياه "قيم" التناسق والتكامل والتواطؤ
المضمر .
وعليه, فإن نظام حسني مبارك الذي انتهل من الفساد مرجعيته ونمط حكامته, لا
يمكن إلا أن يتهاوى عندما يفرز ذات الفساد نقيضه وأداة مقتله:
°- فهذا النظام فرض على الشعب قسرا منذ اغتيال أنور السادات, وأطر بنيانه
بحالة في الطوارئ أزلية ومزمنة, أعطت الحاكم سلطات مدنية وعسكرية, بإمكانه إعمالها
لاضطهاد حزب أو لاستئصال معارض, أو لنفي مناهض, أو لصد الخصوم بقوة "القانون"
وسلطان القوة.
°- وهذا النظام خلق لنفسه حزبا واحدا موحدا, يزور الانتخابات لفائدته دون
خجل أو حياء, يعين أعضاء الحكومة بمقتضى صناديق في الاقتراع شكلية, يحدد السياسات
ويوجه الاقتصاد بما يرضاه ويرتضيه أهل مال ورجال أعمال فاسدون, مرتشون, لا قيمة من
بين ظهرانيهم للوطن أو لما هي مصلحة المواطن.
°- وهذا النظام استأثر بالسلطة وتفنن في استبدال بنود الدستور, حتى يضمن
لنجل رأس الدولة من تبوأ منصب الرئاسة بيسر ولين, ما دامت خلفه "شرعية
الوالد", وتزكية الحزب الحاكم و"رضى الجماهير" التي ليس من العسير
استقطابها, أو اصطناع هتافاتها بالإعلام الرسمي وباللافتات.
إن الحاكم العربي, وبمقدمته رئيس مصر ومن قبله رئيس تونس, الذي يدرك ذلك
ويتغاضى عنه, إنما هو رئيس أعمى البصر, وحينما يتخذ من ذلك نمطا في الحكامة
والحكم, فهو أعمى البصرية. وعندما يجتمع الأمران, لا يمكن لرمزية المنظومة
وماديتها إلا أن تتقوض وتتهاوى.
من هنا نتفهم مضمون شعار أبطال انتفاضة 25 يناير 2011 بمصر: إسقاط النظام
بالكامل, لا رأس النظام فحسب...أي إسقاط المنظومة برمتها, لا مكونا واحدا من
مكوناتها.
يحيى اليحياوي
الرباط, 31
يناير 2011