كيف تتحول العولمة إلى شوملة

 

يحيى اليحياوي

"العولمة الموعودة"

منشورات عكاظ، الرباط 1999

248 صفحة

 

 

على عكس ما هو معهود فإن الدراسات والمقالات التي يضمها كتاب "العولمة الموعودة" لم تنجز في مناسبات مختلفة ولا في فترات متباعدة لتجمع فيما بعد بين دفتي كتاب.

فهذا الكتاب هو في شكل بنائه تعددي. ولا يعني ذلك أنه لم يستطع أن يقترب من موضوعه في كله. إن صاحبه قد اختار هذا النهج كي يلامس ظاهرة في مثل تعقد ظاهرة العولمة من جوانب متباينة ومتنوعة.

 

يريد اليحياوي، بالشكل الذي قدم به كتابه، أن يشعرنا أن إشكالية العولمة لا يمكن أن تطرق إلا في مختلف أبعادها وجوانبها: جانبها الإعلامي والتكنولوجي والثقافي والاقتصادي والسياسي والفلسفي...الخ.

 

فالعولمة هي "اتساع التداولات إلى كل الكوكب والتي تبرزها وتقويها ظواهر انفتاح الأسواق وتكوين الفضاءات الجهوية وتطور النقل وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال. وهي أيضا ترجمة للتدويل الشامل لأسواق السلع والخدمات ووسائل الإنتاج وتكثيف المبادلات التي تطال هذه الأسواق. وهي إلى جانب كل هذا تعبير عن ممارسات شركات صناعية ومالية قادرة على ترتيب استثمارها وبحثها وإبداعها وإنتاجها وتوزيعها على المستوى الكوني".

 

إن العولمة وليدة تطور الشبكات الكبرى للاتصالات والمعلوماتية والسمعي-البصري والنقل، لكنها أيضا نتيجة سياسات التحرير واللاتقنين والخوصصة المطالب بها باستمرار منذ بداية الثمانينات والتي اتخذت طابعا مؤسساتيا في الأعوام الماضية بفضل ظهور نخب ارتبطت عضويا بفلسفة التبادل المطلق واقتصاد السوق الشمولي.

 

يميز الكاتب مفهوم العولمة عن مفهوم الشوملة. ولا تقف المسألة عنده عند قضية ترجمة أو قضية أصول فرنسية أو أنجلوسكسونية للكلمة، وإنما تتعداها إلى المعنى الذي يعطيه لكل منهما: " فالعولمة والشوملة أمران مختلفان اختلاف السائد والمراد سيادته واختلاف الظاهرة بين كينونتها البارزة وضبطها البراديغماتي. فلو سلمنا جدلا بأن ظاهرة العولمة هي ترجمة واقع الحال السائد على المستوى الاقتصادي والسياسي، المالي والتكنولوجي والمؤسساتي، فإن الشوملة هي مآل الظاهرة القادم وتطلعها المستقبلي".

 

ذلك أن ما يروج له اليوم تحت اسم العولمة (بالمعنى الشمولي) للاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة ليس، في نظر المؤلف، عولمة شاملة أو عولمة جهوية كاملة حتى، بقدر ما هو عولمة بين الأقطاب الصناعية الكبرى التي تقتسم فيما بينها أهم أنشطة الكون و" تمنح" لشركاتها السلطة المطلقة في توظيف وتوزيع الموارد المادية واللامادية للكون بأكمله.

وبناء على ذلك،  فلن يكون للعولمة أن تغدو شوملة إلا إذا أصبح السوق المعولم فضاء كونيا واحدا يعتمل بداخله ما يعتمل عادة داخل اقتصاديات السوق المعروفة من طقوس العرض والطلب والمنافسة وغيرها.

 

الشرط الثاني لكي تعم العولمة الكون بأكمله هو أن تعتمد الليبرالية الاقتصادية كونيا، أي أن تشيع بكل بلدان الأرض أسس الديموقراطية السياسية المعتمدة في اقتصاديات السوق السائدة حاليا.

 

أما الشرط الثالث الذي لا يمكن للعولمة أن تكون بدونه شوملة فيتمثل في تعميم أسس " المجتمع الاستهلاكي الكوكبي" أي بنقل الأفراد والجماعات من " فضاء المواطنة" إلى " فضاء الاستهلاك" لدرجة ربما ستحدد فيها معايير الاستهلاك " درجات" المواطنة.

 

أما الشرط الرابع والأخير فيرتبط بمدى انتشار "الثقافة العالمية" المتشكلة حاليا وقوة إدماج هذه الثقافة للثقافات والخصوصيات الأخرى القريبة منها أو البعيدة.

 

والثقافة العالمية المقصودة هنا إنما هي الثقافة التي يعمل الفكر اللليبيرالي الجديد على نشرها وتجتهد النخب على توطينها: إنها ثقافة "اقتصاد السوق" وثقافة " ديموقراطية السوق" و" ثقافة " المجتمع الاستهلاكي.

 

عبد السلام بنعبد العالي

جريدة الحياة اللندنية، 20 يونيو 1999