بلاك
ووتر السوداء
حقا
لست
أدري حقيقة,
ما هي الدلالة
الكبرى من
تسمية شركة
بلاك ووتر الأمريكية
ب"الماء
الأسود". وليس
لدي كبير
معرفة بسر
النعوت
الرمزية, التي
يطلقها
الأمريكان
عموما على
حروبهم وحملاتهم
العسكرية من
تاريخ
إبادتهم
للهنود الحمر,
وإلى حين
الشروع في
إبادة
العراقيين
والأفغان,
بداية هذا
القرن.
قد تكون
المدعاة في
ذلك استلهام
ديني من نوع
ما لديهم,
متأت من نصوص
الإنجيل
والتوراة. وقد
يكون مرجعه
احتكام من
خاصية ما, إلى
ثقافة في البطش
واستخدام
للقوة, في
أخشن مظاهرها
وأعنف
تجلياتها,
لازمت نشوء
الدولة
الأمريكية,
وواكبت
تموجاتها عبر
القرون
القليلة من
تاريخها.
قد
يكون كل ذلك, أو
بعضا منه على
الأقل, لكن
المؤكد حقا أن
التاريخ
الأمريكي
إنما هو تاريخ
مفعم بثقافة
البطش, وإعمال
القوة
المباشرة
بغرض إدراك
مغنمة, أو
تحصيل فائدة,
أو ضمان مصلحة
هنا أو هناك,
لدرجة باتت الثقافة
إياها
إيديولوجيا
قائمة الذات,
تدرس
بالمعاهد
والجامعات, تلقن
بالكليات
العسكرية,
ويروج لها
بالكتب والصحافة,
وبالخطاب
الرسمي
المتداول
أيضا.
لم
يعد اليوم سرا
من أسرار
الدولة,
الاطلاع على
فظاعات ما
ارتكبه الجيش
الأمريكي,
غارفا من ذات
الثقافة
والمرجعية, في
إبادته لملايين
الهنود الحمر,
ولمئات
الآلاف من الفيتناميين,
ولعدد مواز له
من العراقيين,
ولربما أيضا
من الأفغان.
هو
كان ولا يزال
بكل الأحوال,
فعل جيش نظامي,
مسوغ له في
الأهداف
ومبرر له في
الغايات, ومحتكم
إلى تراتبية
محددة, وإلى أساليب
في الحرب
متعارف عليها
من بين
ظهرانيه, أو
سنتها
المواثيق
الدولية
المنظمة
لظروف
وتداعيات
الحروب, أو
هكذا يقول
القانون
الدولي في
منطوقه العام.
هو فعل متفهم
وإلى حد بعيد,
"مقبول" يقول
البعض.
لكن
الذي لا
يستطيع المرء
أن يجد له المسوغ
في الهدف, ولا التبرير
في الغاية,
ولا قبوله أو تقبله
فوق كل هذا
وذاك, إنما
الزج بأرض
المعركة
ب"جنود" من
نوع خاص, لا
عقيدة عسكرية
ضابطة
لسلوكهم, ولا
قانون نظامي
يحكم أفعالهم,
ولا مستوى قضائي
يسائلهم, أو
يتابعهم, أو
يقيد حلهم أو
ترحالهم, فما
بالك أن
يعاقبهم أو
يزجر أفعالهم.
ميدان
اشتغالهم
مباح, ومدى
نشاطهم متاح.
إن
مناسبة هذا
الكلام ليس
مرماها
فظاعات ما قام
ويقوم به
الجيش
الأمريكي بالعراق
منذ العشرين
من مارس من العام
2003, وهو المحكوم
بتراتبية
دقيقة
وبعقيدة
عسكرية ثابتة,
بل المقصود
ذاك الجيش
العرمرم "الخاص",
الموازي
لنشاط الجيش
الأمريكي
الرسمي ببلاد
الرافدين,
والذي تثوي
خلفه, تنظيما
وتأطيرا,
"شركات أمن
خاصة", لا جهة
للمحاسبة
قائمة من بين ظهرانيها
إلا جهة
المساهمين
فيها,
المتطلعين
دوما لزيادة
الربح وتوسيع
النشاط, كائنة
ما تكن
المؤاخذات
على سلوكها,
أو الاتهامات
الموجهة لها.
هي
شركات متعددة
الجنسيات دون
جدال,
بالمنضوين
تحت لوائها,
كما بسعة
نشاطها
بإفريقيا كما
بآسيا كما
بأمريكا
اللاتينية,
كما بغيرها,
لكنه لم يكن من
تواجد لها
يذكر بالعراق
(حتى وإن كانت
متواجدة
بكردستان) إلا
حينما تم
احتلال البلد,
ودخل برايمر"
فاتحا",
منتشيا, محميا
بمقر إقامته
بالمنطقة
الخضراء كما
في حله
وترحاله, من
لدن فرقة من
أقوى الشركات
إياها, شركة
بلاك ووتر,
التي تم
تأسيسها في العام
1997 من قبل أحد
العناصر
السابقين في
القوات
البحرية الخاصة،
الذي جعل
منها "أفضل
شركة عسكرية
متخصصة في العالم".
وهي
من كبريات
شركات متعددة
وعديدة (تقدر
بأكثر من مائتين
بالعراق),
يبلغ تعداد
العاملين بها
أكثر من 100 ألف
"من الرجال
المدربين
جيدا على
وظيفة القتل
مقابل المال",
تحت غطاء
"توفير الأمن
الشخصي
لسياسيين عراقيين,
وأمريكيين,
ورجال
الأعمال وأصحاب
الشركات, فضلا
عن حماية
المنشآت
النفطية
والعسكرية,
إلى جانب
خدمات أخرى"...ناهيك
عن تكفلها
بالعديد من
الأنشطة التي
كانت منوطة
بالجيش الأمريكي
النظامي
المتواجد
هناك, من قبيل
إنشاء
القواعد
العسكرية,
وتقديم
الخدمات اللوجيستية
و"الاشتراك
في المعارك
وعمليات
الاستجواب",
كما حدث بسجن
أبو غريب
السيئ السمعة
والصيت مثلا.
هم
"رجال متخصصون في
الفنون المظلمة
للتخريب
وإثارة
الفوضى، قدموا من
بيرو وتشيلي
وكولومبيا
وهوندوراس
والإكوادور
وجنوب
أفريقيا
وأيرلندا
والولايات المتحدة
والعراق
وروسيا
والفلبين
وتركيا
ونيبال
والهند
وأوكرانيا،
فضلا عن دول
أخرى", أتوا
مباشرة بعد
دخول الجيش
الأمريكي لبلاد
الرافدين,
وأضحوا مع
مرور الزمن
إحدى روافده
الأساس في
الحرب
المباشرة, كما
في العمليات
الباطنة
الوسخة.
لم
يكن المواطن
العراقي
مطلعا على
حقيقة
تواجدهم, ولا
بالتالي على
طبيعة دورهم,
فهم يرتدون
ملابس شبيهة
بملابس العسكريين
الأمريكان,
ويتحكمون في أسطول
ضخم من
الطائرات العسكرية,
بما فيها
طائرات
الهيلكوبتر
المقاتلة
التي تحلق
يوميا فوق
سماء بغداد,
والمروحيات
والمدرعات
والستر
الواقية
تماما
كالجيوش
النظامية
المعتادة.
ولم
يكن له ليعرف
وظيفتهم
بالمعركة الجارية
من بين
ظهرانيه, إلا
حينما روج
الإعلام
(الأمريكي
تحديدا) لحجم
تواجدهم على
هامش حادثتين,
هزت الأولى الرأي
العام
الداخلي
بأمريكا,
وتعومل مع
الثانية بعدم
اكتراث كبير:
+
الأولى
وتتعلق
بحادثة معركة
الفلوجة,
عندما اصطادت
المقاومة
العراقية ب 31
مارس 2004, "أربعة
مرتزقة
أمريكيين
يعملون لدى
شركة بلاك
ووتر, وقام
السكان
الغاضبون
بحرق جثثهم
وتعليقها على
أحد الجسور,
كرد فعل على
الجرائم
الوحشية التي
ارتكبتها قوات
الاحتلال في
المدينة
الصامدة".
لم
ينحصر الأمر
عند هذا الحد,
بل تأكد
للعراقيين
عمليا
وبالميدان,
تواجد هذه
الشركة ضمن الشركات
المرتزقة
التي تحارب
إلى جانب
الجيش الأمريكي,
عندما تسنى
للمقاومة
العراقية إسقاط
العديد من
طائراتها, تثبتوا
من أن قتلاها
يحملون
جنسيات غير
أمريكية, ولا
علاقة لهم
بالجيش
الأمريكي,
اللهم إلا
ربما التنسيق
في بعض العمليات
المحددة.
+ أما
الحادثة
الثانية,
فترتبط
بالمذبحة
التي نفذها
مرتزقة بلاك
ووتر بتاريخ 16
شتنبر 2007, بحق
عشرة مدنيين
عراقيين, تم
الإجهاز
عليهم بدم
بارد, بالشارع
العام, دونما
أن يصدر عنهم
فعل ذو طبيعة
"عدوانية", أو
يتم التأكد من
أن لديهم أسلحة
قد توجه
نيرانها ضدهم,
وهم بنطاق
عملهم
المعتاد.
لم
يترتب عن هذه الحادثة
تقزز ما من
لدن الرأي
العام
الأمريكي, ولا
كان الأمر
مثار مشاعر
نخبه, بقدر ما
شككوا جميعا
في رواية
الناجين من
المجزرة, وارتكنوا
إلى قرار
تشكيل "لجنة
تحقيق" في
الحادثة
بتعاون مع
"الحكومة
العراقية"
القائمة
بالمنطقة
الخضراء هي
الأخرى.
وإذا
كان أهالي
الفلوجة قد
أدوا ثمن "فعلتهم",
بدك المدينة
دكا فوق
رؤوسهم,
ومساواة
مبانيها
بالأرض تماما
( بتواطؤ جلي
ومعلن من لدن
حكومة علاوي), فإن
الحكومة
الحالية ادعت
سحبها الترخيص
الممنوح
لبلاك ووتر,
و"منعها" من
الممارسة,
لتتدراك, ثلاثة
أيام بعد ذلك,
على لسان
الناطق
باسمها فتقول:
"إن القرار يقضي
فقط بمنع بلاك
ووتر من
النشاط إلى
حين انتهاء
التحقيق...نحن
لا ننوي وقفهم
أو سحب
ترخيصهم
نهائيا, ولكننا
نريد منهم أن
يحترموا
اللوائح في
العراق"...ليخلص
للقول: إننا
"نتفهم ونحيي
الشركات الأمنية
على تقديمها
مستوى من
الحماية ليس
متوفرا".
إن
المضحك
المحيل على البكاء
حقا هنا, إنما
ادعاء حكومة
الاحتلال امتلاك
السلطة لسحب
ترخيص, هي
بالأصل ليست
جهة منحه, بل
هو متأت من
قرار لبول
برايمر,
القرار رقم 17,
الذي أصدره
الحاكم
المدني
للعراق في
حينه, أياما
قلائل فقط على
مغادرته
العراق, ولا
يزال ساري
المفعول.
والمضحك
المبكي أيضا,
أن تواجد بلاك
ووتر وغيرها
بالعراق هو
بالأصل من
تواجد
الاحتلال الأمريكي,
ليس فقط لأن
من بين أعضاء
مجلس إدارتها مسئولون
من الخارجية
والدفاع
الأمريكيين,
بل وأيضا لأن
الرئيس
الأمريكي
ذاته راهن
جهارة على
فعالية إسهام
"الشركات
المرتزقة",
عندما أعلن
خطته "لأمن
بغداد", ثم
عندما صرح
باستراتيجيته
الجديدة هناك.
من
جانب آخر,
فحتى بحال
إثبات
الجريمة بحق
جنود بلاك
ووتر, بالشهود
أو بالوثائق,
أو باعتراف
أحد منهم
انتابته صحوة
ضمير, فما
الجهة
الكفيلة
بمتابعتهم, وأي
قانون سيسري
عليهم, وبأي
بلد سيسجنون,
وما مستوى جرم
المشغل؟
وهل
يعاقب الجنود
النظاميون أصلا
على ما
يفعلون, حتى
يكون
بالإمكان
محاسبة من لا
قانون لهم
يحاسبهم, أو
يزجر فعلاتهم؟
إن
ما قامت وتقوم
به بلاك ووتر
والعشرات من "الشركات
الأمنية"
الأخرى
بالعراق, لا
يتنافى
بالقطع مع ما
قام ويقوم به
الجيش
النظامي الأمريكي
هناك, بل هو
عمل مكمل له
في الشكل كما
في الجوهر,
سيما وقد
اشتدت عليهما معا
ضربات
المقاومة,
وانسدت
الآفاق من
أمام قادتهم,
السياسيين
منهم كما
العسكريين
سواء بسواء.
لو
سلمنا بهذه
البديهية
الأولية,
فسنسلم حتما
بأن قرار "إشراف
الجيش
الأمريكي على
نشاط هذه
الشركات"
(المترتب على
حادثة قتل
العراقيين
العشرة) إنما
هو كلام
مزايدة فجة,
أعني كلام
مطلق على
عواهنه, لا بل أنا
مستعد للقول
بأنه كلام
للخداع
والمناورة,
على شاكلة الحكم
بسجن عناصر
بالجيش
الأمريكي في
أحداث سابقة...
أدينوا و لم يحكموا
إلا ببضعة
أشهر عجاف.
يحيى اليحياوي
الرباط, 1
أكتوبر 2007