علاقة الكاتب والناشر بالقارئ في المغرب
يحيى اليحياوي
علاقة الكاتب بالناشر
وبالقارئ بالمغرب علاقة معقدة والحديث فيها أعقد.
وعلى هذا الأساس سأقدم هنا بعض
الملاحظات التي أراها، من وجهة نظري، ضرورية ومحددة للإطار الذي يجب أن تطرح فيه
هذه العلاقة:
+ الملاحظة الأولى
(شكلية لكنها معبرة): لا توجد ببلادنا دراسات وبيانات مدققة عن واقع الكتاب والنشر
والقراءة كل على حدة، بقدر ما لا توجد أيضا أبحاث معمقة حول العلاقة (علاقة الكاتب
بالناشر بالموزع وبالقارئ) تمكننا من الوقوف عند الأبعاد المادية والإنسانية
والثقافية والنفسية لواقع المشهد أو الفضاء الثقافي بالمغرب.
وإن توفرت تحت الطلب
فغالبا ما توظف لأغراض إدارية ولاعتبارات لا أظنها تعمل لصالح العلاقة.
قد نقول إن هذه
الدراسات هي من صلاحيات وزارة الثقافة كمؤسسة، وهذا صحيح، إلا أن الأصح منه أن
الذي يحاول مقاربة هذه العلاقة يقاربها بذاتية شديدة وخالية من الضبط العلمي
فتتحول بالتالي إلى بكائيات حول الوضع المتردي
للكتاب، حول صعوبات النشر أو تدمر سوق القراءة وهكذا.
المطلوب: وضع دراسات
دقيقة ومرقمة حول العلاقة إياها قبل التعاطي معها.
+ الملاحظة الثانية:
هذه العلاقة معقدة أيضا للتحدث فيها كونها تختزل مجموعة أبعاد متشابكة تشابك
العلاقة نفسها. فهناك البعد القانوني (حقوق المؤلف، حقوق النشر وغيرها) وهناك
البعد الاقتصادي (ضيق السوق وهزالة قوته الاستيعابية وما إلى ذلك) وهناك البعد
السوسيولوجي (طغيان الأمية وهامشية القراءة كممارسة مجتمعية) وهناك أيضا البعد
السياسي (تخوف المخزن من كل ما هو ثقافي وتكريسه ل" قيم" الميوعة
والرداءة...الخ). وهناك أخيرا وليس آخرا سقوط الشأن الثقافي في المجال التجاري
(طغيان اعتبارات المرد ودية والربحية لدى الناشر والموزع وتطلع الكاتب للاغتناء
وما إلى ذلك).
هذه الأبعاد لم تصغ بعد
وتنصهر لتجعل من علاقة الكتابة بالنشر وبالقراءة علاقة إيجابية تسهم في تطوير
المشهد الثقافي بالمغرب: إذ ما يزال الكل يجر باتجاهه.
+ الملاحظة الثالثة:
أعتقد أيضا أن ما يزيد هذه العلاقة تيها وضياعا غياب مركز ما أسميه ب
"الحاكمية المؤسساتية": من المسؤول عن تطوير العلاقة؟ وزارة الثقافة؟
الكتاب؟ الناشرون؟ الموزعون؟ القارئ؟
الكل مسؤول وإن اختلفت
في اعتقادي الدرجات. هناك ما يشبه دائرة لا يسهل الإمساك بأطرافها. فوزارة الثقافة
غائبة اللهم إلا مصلحة الإيداع القانوني و الكتاب متذمرون من ظروف النشر والتوزيع
وهزالة حقوق المؤلف والموزعون يشتكون من
ضيق السوق وازدياد تكاليف التوزيع والقارئ يعاتب على غلاء أثمان الأغلفة
وتواضع إمكانياته...الخ.
يجب إذن تحديد الأدوار
وتفعيل كل منها:
+ الوزارة يجب أن تكون
حاضرة ماديا ومعنويا،
+ الكاتب مطالب بتوظيف
سلطته وتحويلها إلى قوة ضغط،
+ الناشر والموزع
مطالبان بأن يكونا رجال ثقافة وفكر لا سماسرة وتجار،
+ والقارئ مطالب
بالتمسك بحقه في القراءة والمعرفة والدفاع عنهما ولو في غياب الإمكانات.
والمعنى أنه يجب صهر كل
هذا في إطار علاقة مؤسساتية جديدة تكون مؤسسة الثقافة محورها وقلبها النابض.
+ الملاحظة الرابعة: لا
يمكن في اعتقادي تصور هذه العلاقة الجديدة بين الكاتب والناشر والقارئ في غياب
مشروع ثقافي متكامل.
وهذا المشروع الثقافي
لا يمكن أن يوجد في غياب تصور محدد لما يجب أن يكون عليه المجتمع (أي المشروع
المجتمعي).
أعتقد أن هناك مشروعا
مضادا لما يجب أن تكون عليه الثقافة وما يجب أن يكون عليه المجتمع: هناك إفساد
للثقافة وترسيخ لثقافة الإفساد بالمغرب. وقد تتبعنا جميعا الظروف التي تمت في
إطارها الانتخابات الأخيرة ونرى كيف تقصى الكفاءات وتهمش ...الخ.
المطلوب تحديد أطراف
المعادلة وفق تصور لما يجب أن يكون عليه المشروع الثقافي بالمغرب ووفق ما يجب أن
يكون المشروع المجتمعي.
+ الملاحظة الخامسة
وفحواها أن العلاقة بين الكتاب والنشر والقراءة يجب أن تتخلص مما يمكن تسميته
بنخبوية الثقافة.
بمعنى أن سوق الكتابة
والنشر قد توزع وفق شرائح اجتماعية محددة: الشاعر لا يخاطب إلا الشعراء والفنان
التشكيلي لا يخاطب إلا أبناء طينته، والراوي لا يخاطب إلا الروائيين. أنا مثلا لا
أفهم ما يكتبه هؤلاء ويعتبره بعض النقاد إبداعا في حين عندما أقرأ نزار قباني أو السياب أفهمهما.
المطلوب: تخليص الثقافة
من نخبويتها وتخليص النخبة من الثقافة.
+ الملاحظة السادسة
والأخيرة ومغزاها أن ما يروج له حاليا باسم تحرير الثقافة وإزاحة التقنين عنها
ولبرلتها لا يعدو، في اعتباري، غير كونه ضربا من ضروب إيديولوجية السوق وخطابا من
خطابات العولمة الرائجة.
والمعنى أنه لا يجوز أن
نتحدث عما يسمى بسوق الكتاب والنشر والقراءة في غياب الإطار وتغييبه: لا وجود لسوق
ثقافي لدينا و لا لممارسة ثقافية بوجود 60 بالمائة إلى 65 بالمائة من
الأميين...هؤلاء لوحدهم سوقا كامنة للكاتب والناشر في آن معا.
المعنى: بداية حسم
العلاقة بين الكتاب والنشر والقراءة تبدأ في نظري بوضع مشروع ثقافي ومجتمعي واضح
المعالم وفق خطة مقننة ومحددة في الزمن أولى تدابيرها القضاء على الأمية والجهل
...حينذاك أعتقد أن هذه العلاقة المبتورة حاليا والغامضة والحذرة ستتطور من نفسها.
محاضرة، جمعية التواصل الثقافي، حد كورت، 24 يناير 1998