"نحن والقرآن"

 

مصطفى بوهندي, النجاح الجديدة, الدار البيضاء, 2002, 167 ص.

 

 

1- الدكتور مصطفى بوهندي أستاذ لمادة الأديان المقارنة بكلية الآداب بنمسيك, بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

له العديد من الكتب والمقالات, وشارك بالعديد من الندوات الوطنية والدولية. واشتهر بكتاب له بعنوان "أكثر أبو هريرة", انطلق فيه من مسلمة الحق في الاختلاف والاجتهاد, فشكك في إرث الرجل, مما أثار عليه العديد من كتابات التجريح, المتأتية من بعض الذي اعتبروا كتابه, تطاولا على أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, وأكثرهم رواية عنه.

 

2- بمقدمة هذا الكتاب يتساءل المؤلف: "إلى أي حد استطاع علم التفسير أن يعين القارئ على التعامل الجيد مع النص القرآني؟ فبالرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها العلماء المسلمون على مر العصور, والتي أسست للصرح الشامخ لهذا العلم, لا زال السؤال مثارا عن دوره في مساعدة الناس على تبين المعاني القرآنية, بل وفي تمرير معاني أخرى غير قرآنية, مأخوذة عن اليهود والنصارى وغيرهم, إلى التراث العربي الإسلامي".

 

ويعتقد "أن ما يوجد في كتب التفسير والتراث من عقائد ومفاهيم وأفكار منحرفة مأخوذة عن الإسرائيليات, لم يكن سببه هو ما راج في المجتمع الإسلامي من هذه العقائد والأفكار والمفاهيم فقط, وإنما وبشكل أساسي, إلى العلوم الإسلامية نفسها, وعلى رأسها علم التفسير, حيث ساهمت ببعض قواعدها, وأصولها, ومناهجها, ومصادرها, ورجالاتها في رواية هذه الأخبار, والترويج لها, وتزكيتها, وتقديسها, ورفعها إلى درجة النص النازل من السماء, بل إلى درجة تأطير النص القرآني نفسه, فلا يفهم إلا في ضوئها".

 

هذا الأمر دفع الكاتب لأن يعالج الأمر ليس من زاوية كتب التفسير, بل على مستوى علم التفسير نفسه, أي على مستوى مفاهيمه وآلياته ومناهجه وأصوله.

 

3- ينقسم كتاب "نحن والقرآن" إلى أربعة أبواب أساسية, حاول الكاتب من خلالها أن يقارب القراءات المتعددة, التي حولت آيات القرآن من أدلة وبراهين تخاطب العقل والقلب والجوارح, إلى "مقاطع مقدسة يحرم التفكير فيها ومدارستها, وينوب عنه في تفسيرها رجال شهدت لهم مؤسسة الجماعة بالإمامة والمشيخة, وسلمت لهم دون غيرهم حق الاجتهاد والتفكير":

 

+ بالباب الأول ("التفسير والتأويل"), يلاحظ الكاتب أن كلمة "التفسير" لم ترد إلا مرة واحدة بالقرآن الكريم, في سورة الفرقان. والمقصود بها في نظره, ليس ما اصطلح عليه العلماء والمفسرون من العلم الذي "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم, ومدلولاتها, وأحكامها الانفرادية والتركيبية", أو "توضيح معنى الآية وشأنها وقصتها, والسبب الذي نزلت فيه, بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة", أو غيرها من التعريفات. فالقائم بالتفسير في الآية, "هو الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد وآياته المبينة", في حين يقوم بالتفسير الناس من "علماء ودارسين وغيرهم". الأول كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, في حين أن الثاني هو الاغتراف من هذا البحر, المرتبط بحدود الإنسان في الزمن والمكان, القابل للصواب والخطأ, والذي يتداخل فيه الاجتهاد والرأي بالنص والأثر.

 

إلا أن التفسير, باعتباره بيان الشيء أو كشف المراد من اللفظ أو كشف المغطى, يثير بذهن المؤلف, مشاكل معرفية ومنهجية كثيرة, تعطي الانطباع كما لو أن القرآن ليس مبينا وآياته مبينات, أو أنه يخاطب الناس بالمغطى عنهم, والمشكل عليهم (حتى يأتي المفسرون لتبيان الغامض ورفع اللبس عن المغطى), أو أنه لم ينزل "لعموم الناس, يتدبرون معانيه كل حسب طاقته, وحدوده المعرفية", بقدر ما تنزل على خصوص من الناس تتوفر فيهم شروط محددة, ليكونوا وسطاء بين الناس والقرآن, يفسرون لهم ما ليس بمستطاعهم إدراكه أو فهمه, أو يضيفون للقرآن شيئا أو أنهم محتكرون لفهم كلام الله...وهكذا.

 

عكس ذلك تماما هو القائم بنظر المؤلف, إذ "القرآن مبين في قمة البيان, غير محتاج إلى بيان خارجي من الناس, وهو مفهوم وغير مغطى, وغير مشكل, وميسر للذكر لمن أراد أن يذكر. وقد نزل لعموم الناس وخصوصهم, كل يفهم منه حسب اجتهاده وسقفه المعرفي, ولا يضيف أحد إلى بيانه شيئا, ولا ينقص منه شيئا, ولم يتخذ الله بين الناس وبين كتابه وسيطا دونه, لا يفهمون ولا يعلمون مراد ربهم".

 

بالتالي, يعتقد المؤلف, فإن "القرآن الكريم أكبر من أن يفسره بشر. وكل ما جاء في كتب التفسير من تفسيرات, إنما هي اجتهادات وآراء وأفكار وأخبار وروايات وآثار...وهي تقترب حينا, وتبتعد أحيانا, عن البيان القرآني نفسه, متأثرة بعوامل الثقافة والزمن والمكان والإنسان".

 

إن النص القرآني, يقول بوهندي, إنما "يدعو الناس للتدبر في آيات الله المتلوة في الكتاب, والتفكر فيها, سواء آيات الأنفس, أو الآفاق, أو المجتمع, أو التاريخ, أو التشريع, أو الغيب". هذا التفكر والتدبر هو الذي يدفع الناس لاكتشاف آيات الله, وفق السقف المعرفي الذي يتمتعون به. وكلما ازداد هذا السقف, ازداد الاكتشاف, دونما أن يعني ذلك أن الأمر مقتصر على فئة "الباحثين والعلماء", الذين قد يحجزوا أو يحجروا على إطلاقية القرآن, أو يعتبرون نصوصهم نصا مبينا.

 

صحيح أن ثمة درجات في العلم متفاوتة, يقول الكاتب, لكن ذلك لا يعطي هذا أو ذاك, الحق في احتكار التفسير, أو التدبر, أو الاجتهاد, أو ادعاء الوساطة في فهم القرآن بين الله وبين الناس, إلا فيما اختص الله بعلمه, فوجب على الناس أن يلجموا عن القول فيه.

 

معنى هذا, بنظر المؤلف, أننا بحاجة إلى التدرب على "العملية التفسيرية", والدفع بالاجتهاد وبالحرية الفكرية, التي "تسمح لكل شخص أن يقول ما يراه صوابا, دون خوف من أي سلطة, إلا سلطان الدليل والبرهان".

 

عند تعرضه لتفسير القرآن بالقرآن, يلاحظ الكاتب أن هذه العملية اجتهادية أيضا, قابلة للصواب والخطأ. لكن ميزتها أن مادتها ثابتة, لا تحتاج إلى بحث في الصحة أو الضعف, على اعتبار المصدر الرباني للقرآن الكريم, بخلاف المرويات "التي يتداخل فيها ما هو بشري, وما هو رباني". بل إن الكاتب يعتبر أن أحسن الطرق هي "أن يفسر القرآن بالقرآن", عوض التفسير بالسنة أو بكلام الصحابة, فما بالك بكلام الناس.

 

أما عن التأويل, فيلاحظ الكاتب أن المصطلح قد لقي اهتماما كبيرا من لدن العلوم الإسلامية (وعلوم التفسير أيضا), نظرا لما يترتب عن ذلك من أحكام ومواقف, وتصورات مختلفة. لكن المصطلح كان مصدر اختلاف في التأصيل, بالقياس إلى مصطلحين آخرين ملازمين لعلم التفسير: مصطلحي المحكم والمتشابه.

 

أما المقصود بالمحكم فليس الدلالة اللغوية, يقول بوهندي, و"إنما البرهنة, التي لا تترك مجالا للشك, أو الريبة, أو الوساوس الشيطانية, أو غير ذلك. والإحكام ليس إحكاما لغويا لفظيا أو دلاليا, وإنما إحكام آيات وبراهين, تثبت الذين آمنوا لما عرفوا من الحق, وتقيم الحجة على الذين كفروا, فتبهتهم مهما اتبعوا من شبهات وابتغوا من فتن".

 

أما المتشابه, فيذهب المفسرون إلى اعتبار أن من الآيات في القرآن, ما هي منسوخات لا يعمل بها, أو غيبيات يؤمن بها ولا يعمل بها, ما دامت كلها علم يختص به الله تعالى. والذين يعلمونها هم الراسخون في العلم, الذين لا تزيغ قلوبهم. ويفسر الكاتب ذلك, بالارتكاز على العديد من الآيات, التي تبين أنه حتى الراسخين في العلم, قد تأثروا بمشكلة اللفظ والمعنى والتفسير, في تناولهم للنص, أو لبعض الآيات. ويؤكد أنه ليس ثمة آيات متشابهات, بل هي آيات محكمة من حيث اللفظ والدلالة.

 

+ بالباب الثاني يتحدث المؤلف عن "النسخ", ويتصور أن المحققين لم يحققوا بما فيه الكفاية في مسألته, بل ولم يتقيدوا بشروطه الأساس, سيما شرط التعارض الحقيقي بين النصوص, لا بل إنهم "لو تحققوا من الأمر, لوجدوا أنهم يدعون دعوى عظيمة على القرآن الكريم. إذ يفترضون في آياته, تعارضا حقيقيا يمكنهم أن يزيلوه بدعوى النسخ, وهو منتهى الانحراف والخلط".

 

ويلاحظ الكاتب أن المشكلة التي عالجها القائلون بالنسخ, من مسلمين وغيرهم, هي مشكلة الأحكام, داخل الشريعة الواحدة كما بين الشرائع المختلفة. بالحالة الأولى, يعتبر الحكم اللاحق ناسخا للحكم السابق, ويسمى هذا الأخير منسوخا. بالحالة الثانية, تعتبر الشريعة اللاحقة ناسخة للشريعة السابقة.

 

من هنا انقسم العلماء المسلمون إلى مذهبين, في تفسير النصوص القرآنية: الأول يذهب إلى أن الأحكام المنسوخة هي شرائع الأمم السابقة, ويذهب الثاني إلى أن "المراد هو الأحكام داخل الشريعة الواحدة".

 

ويزعم المؤلف (ويقدم في ذلك الحجج) أن "النصوص التي بين أيدينا, لا تتحدث عن نسخ الأحكام, وإنما عن نسخ الآيات". بالتالي, فالقائلين بالنسخ إنما يدفعون إلى "تحميل النصوص القرآنية معنى نسخ الأحكام, وليس نسخ الآيات, وهم الرواة الذين يعتبرون أن نصوصا من القرآن قد نزلت ورفعت من صحف الناس, ونسيت من ذاكرتهم".

 

ويخلص الكاتب إلى القول, بأن "الأحكام في المقاطع القرآنية غير مقصودة بالنسخ, وإنما المقصود هو آيات المرسلين, الذي جاؤوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم, ينسخ بعضها بعضا, إلى أن جاء القرآن الكريم, وهو الآية العظمى المهيمنة لجميع الآيات السابقة".

 

ثم إن القول بأن الشريعة اللاحقة تنسخ الشريعة السابقة لا يؤخذ على إطلاقه, بنظر الكاتب. "فالأديان كل منها يضع لبنة في جدار الدين, يبني أساسا في صرحه, فإذا جاء الرسول الثاني, يكمل ما بدأه الأول وهكذا دواليك".

 

ويخلص الكاتب أيضا إلى استنتاج مفاده, أن "الأدلة السمعية التي أوردها القائلون بالنسخ أدلة متهافتة, متأثرة بخلافات اليهود والنصارى, ويقودها الهاجس الفقهي...أما الأدلة العقلية...فلا يبقى لها أي معنى إذا سقطت هذه الأدلة النقلية, لأن إثبات الأحكام ونفيها لا يكون إلا عن طريق الوحي. بل إن العقل لا يقبل أن يكون في كتاب الله, الذي تكفل بحفظه, ما يدعى من هذه الأضرب من النسخ".

 

+ بالباب الثالث ("التفسير النبوي") يعتبر المؤلف أن التفسير النبوي هو "أحد الفصول الأساسية لتفسير القرآن الكريم, بعد تفسير القرآن بالقرآن". ويميز الكاتب هنا بين التفسير النبوي والتفسير بالحديث النبوي. أما الأول فهو, بنظر المؤلف, الاستشهاد بالأحاديث النبوية لتفسير القرآن, في حين أن الثاني هو ربط بين نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

 

ويستدل الكاتب بالعديد من الآيات (آل عمران تحديدا) ليبين مخاطر تفسير الآيات القرآنية بالحديث النبوي, لدرجة جعلته يجزم بأن الخطأ قد يصل "درجة تمرير عقيدة, أو شريعة, أو مفهوم, أو فكرة خاطئة عن آية ما".

 

إن التعامل مع الأحاديث النبوية لتفسير النص القرآني "عملية اجتهادية معقدة, معرضة للخطأ والصواب, تحتاج إلى تحكيم السياق القرآني من جهة, وإدراك المرمى الحديثي من جهة ثانية, وتناسب النصين معا من جهة ثالثة", يقول بوهندي.

 

معنى هذا, في نظره, أنه لا بد من التمييز بين معاني القرآن الكريم, ومعاني الحديث النبوي "بحيث يكون الحديث في أحسن أحواله, إحدى تجليات النص القرآني وليس العكس".

 

ومعنى ذلك, يقول الكاتب, إن الباحث مهما اجتهد في دراسة القرآن, فإن بحثه لن ينقضي, بل "سيزداد نهما إلى اكتشاف أسرار الكتاب الذي لا تنفذ كلماته, ولا حدود لأعماقه". وهو ما أثبته الذين عمدوا إلى تفسير القرآن بالقرآن.

 

أما القول بأن السنة هي شارحة للقرآن, موضحة له, فيعتبر بوهندي هذا الكلام غير دقيق "لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين, وهو بيان للناس وتبيان لكل شيء".

 

صحيح أن الرسول قد وضع الحديث, لكنه "لم يوجبه على الناس. فمن فعله كان له أجر السنة, ومن لم يفعله لم يكن عليه وزر تركه".

 

ويضيف بوهندي, أن ثمة أسباب أخرى تجعله يعترض على تفسير القرآن بالسنة, منها تفاوت أخبار السنن بين ما هو صحيح وما هو ضعيف, ومنها الخرافات والإسرائيليات وما سواها. ومنها أيضا أن الروايات غير ثابتة بالجملة, إذ منها المرفوع ومنها الموقوف ومنها المرسل ومنها المقطوع وغير المسند, وهكذا.

 

والكاتب لا يعترض على ما سبق فحسب, بل يعترض على القائلين بأن السنة إنما هي وحي ثان مواز للقرآن, لكنها لا تتلى كما يتلى, وإنما تروى في أخبار وسنن. هذا الرأي إنما يرفضه الكاتب, بقدر رفضه للفهم "الذي يسلب الرسول صلى الله عليه وسلم أبسط الحقوق الإنسانية", ليجعله إلها, في حين أنه بشر مثلنا أوحي إليه, وبلغه للناس أولا بأول.

 

+ بالباب الرابع, يتحدث الكاتب عن "تفسير الصحابة", ويزعم أن القول بأن الصحابة أدرى من غيرهم بمعاني القرآن, قول مغال إلى أبعد الحدود, إذ "لا أحد من الصحابة أو غيرهم يدعي هذا, وهم يتفاوتون فيما بينهم في الفهم والعلم, وسقف معرفتهم لن يتجاوز حدود معرفة أهل زمانهم, هذا إذا افترضنا أن معرفتهم قد وصلت إلينا كاملة. والحقيقة أن أكثر معارف الصحابة قد بقيت ملكا شخصيا لهم, ولم يكونوا محتاجين لإخبار أهل عصرهم".

 

صحيح, يقول الكاتب, أن الصحابة كانوا سباقين للإسلام, ومرافقين للرسول صلى الله عليه وسلم, فلا يستوون بالتالي مع غيرهم بحكم درجتهم العظمى عند الله, لكن ذلك لا يزيل عنهم صفة البشر, ولا تباين المعرفة والعلم فيما بين بعضهم البعض.

 

والأخطر من ذلك, يقول بوهندي, إن الرواة عن الصحابة غالبا ما كانوا يغالون في ذلك, ويحشونه بمرويات وإسرائيليات وما سواها, تكون دوافع أصحابها محكومة باعتبارات المكان والزمن والثقافة أيضا.

 

ودليل الكاتب على ذلك أن العديد من الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, تختلف "اختلافا جوهريا عن القرآن والإسلام, وتتفق صميميا مع العقائد المنحرفة عند أهل الكتاب من يهود ونصارى". وهو ما عمد المؤلف إلى تعضيده بدراسة تطبيقية على العقائد النصرانية, في الكتب الثلاثة الأخرى التي كان كتاب "نحن والقرآن" جزءها الأول.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 أبريل 2007