"عندما
يتجاوز
الرئيس
الأمريكي على
القوانين"
من
غير المبالغ
فيه حقا القول
بأن فترتي
رئاسة جورج
بوش الإبن
للولايات
المتحدة
الأمريكية، إنما كانت
إحدى ميزاتها
الأساس
التجاوز والإمعان
في التجاوز مع
الإصرار
المباشر على
عدم
الاستدراك، والتعفف من
الاعتراف
بالخطأ،
والمكابرة في
التبرم عن
مسببات
الخطيئة بإزاء
العالم كما
بإزاء
مواطنيه سواء
بسواء:
+
فالرئيس
الأمريكي
أوهم العالم
برمته، عندما
دفع بوزير
خارجيته إلى
مجلس الأمن
ليعرض على
أعضائه
معطياته المتأتية
من "معلومات
استخباراتية"، عن عمليات
تحريك العراق
لأسلحة دمار
شامل حامت
حولها الشكوك
في حينه (أو تم
تعمد الشكوك
بإزائها) ليتأكد
بطلانها
باليقين
الميداني
القاطع فيما
بعد.
+
والرئيس
الأمريكي
أوهم العالم
بأكمله، بأن
ثمة بين
الرئيس
العراقي صدام
حسين وتنظيم
القاعدة
علاقات ثابتة
رجحت
استخباراته
قناعة قيامها، بفعل "تقاطع
المصالح
والأهداف"
وبحكم
الطبيعة
الكليانية
التي ينهل
منها حزب
البعث
بالعراق
وتنظيم
القاعدة بكل
فروعه
ومشاربه
بالعالم.
+
وأوهم
بالمعطيين
معا العالم، كل العالم، بأن إحدى
المداخل
للتخلص من
نظام الرئيس
العراقي
واستدراج
عناصر
القاعدة
ب"أرض خلاء"، حيث تسهل عملية
اقتناصهم
فرادى
وجماعات،
إنما غزو
العراق واحتلاله
وتخليص
العالم من
"شرين" لن
تنفع معهما
إلا قوة النار
والحديد... فأثبتت
الأيام فيما
بعد، بهتان هذا
الطرح
ومجانبته
الصارخة
للقائم من
الحقائق
والوقائع.
+
وأوهم
مواطنيه، لدرجة
التخويف
والترهيب، بأنها "الحرب
على الإرهاب"
وعلى كل
الجبهات،
وأوهمهم بأن
قطع دابره لا
يستوجب إعمال
أدوات العرف
والقانون
(أضحت في
مخياله
"متجاوزة"، بحكم طبيعة
الحرب
القائمة
والجارية)، بل تفترض
اللجوء للقوة
الخشنة
وللقوة الخشنة
وحدها،
لكسبها وضمان
إمكانات عدم
ارتدادها
بالزمن الحاضر
أو المنظور.
وإذا
أضحى من
الثابت اليوم، ان غزو
أفغانستان
والعراق
واحتلالهما
إنما كان
تجاوزا صارخا
على مقررات
الأمم
المتحدة (وعلى
مجلس الأمن من
بين ظهرانيها)
التي لم تجزه
و"استنكرته"
فيما بعد وإن
بالضمني
المضمر، فإنه
من الثابت
أيضا (ومنذ
مدة طويلة) أن
معتقل غوانتانامو
كما معتقلات
أفغانستان
والعراق (وهما
بحماية قانون
الاحتلال
فرضا)، إنما باتت
الأنموذج
الصارخ
لتجاوز
الرئيس
الأمريكي، الذي استباح
حرية مئات
الأشخاص
ورماهم بأوحش
سجون القرن
دونما ضمانة
أو حماية أو
لوائح اتهام
أو ما سوى
ذلك...لا لسبب
إلا سبب الاشتباه، أو طبيعة
الانتماء أو
الجهر به،
أو بسبب الشكل
الخارجي الذي
يوحي به
اللباس أو
يثيره طول
اللحية، أو
توحي به
تضاريس الوجه
والجسد.
هومعتقل
لم تنفع في
إغلاقه
وإنصاف المتواجدين
به، لا منظمات
حقوق الإنسان
ولا أحكام
القانون الأمريكي
ولا
المناشدات
والاستعطافات...هو
أنموذج جلي لرئيس
تجاوز على
القانون
الدولي
السامي بكل فروعه، واستهان
بقانون بلاده
"الأسمى"،
وأمعن في
السلوك
ممارسة وبالتبرير
الخطابي أيضا.
ما
من شك أن غزو
العراق لقي
معارضة
حقيقية من لدن
بعض من
الأمريكيين، كانوا
يعلمون علم
اليقين أن ما
تم سرده من
"براهين
ودلائل" هو من
قبيل الأوهام
ليس إلا، وأن
الغزو تم،
بالبداية
وبمحصلة
المطاف،
بإيعاز من
إسرائيل ومن شركات
النفط
والسلاح.
وما
من شك أن
الحرب، التي
استتبعت
أحداث الحادي
عشر من شتنبر، لقيت تعاطفا
واسعا على الرغم
من تحفظ بعض
من
الأمريكيين
على خلفياتها
ودواعيها وما
قد يترتب عنها
من تداعيات
قصيرة وعلى
المدى الطويل.
وما
من شك أيضا أن
العديد
من الأمريكيين
تعاطفوا مع
"سلوك عزل
الإرهابيين"
و"وضعهم في
منأى عن
العالم" سواء
بغوانتانامو
أو بغيره... بتوافق
مع القانون أو
"بقرار رئاسي
" أو من لدن
وزير الدفاع، مادامت
الظروف ظروف
استثناء،
وما دام
الأمر من صلب
الأمن القومي
الذي يعلو على
أي أمن سواه.
لكن
الذي لم يقبل
به
الأمريكيون
وعجزت "إيديولوجيا
الإيهام" عن إقناعهم
به، إنما سلوك
التجسس الذي
عمد إليه
الرئيس، وأمر
باعتماده
بإزاء كل
مواطن يكون
مثار شك أو مكمن
شبهة أو لمجرد
الإشارة إليه
بهذه الصورة
أو تلك...على
خلفية من الإسم
أو الدين أو
اللون أو ما
سواها.
لم
يكن الإشكال
بالأصل كائنا
في المبدأ
فحسب، مبدأ
عدم التجسس
على
المواطنين
أعني، بل
وبالأساس في
اعتماده من
لدن الرئيس
دونما إذن
قضائي صريح بذلك، ودونما إشعار
للجهات المختصة
بالغرض من
العملية،
ودونما تحديد
للفئة
المستهدفة
بالداخل كما بالخارج.
ليس
ذلك فحسب. لقد تعدى
الأمر ليبلغ
حد نكران
الرئيس لذلك، حتى إذا
تسنى للإعلام
فضحه اعترف
بالحقيقة، وأعلن أن
"الحرب على
الإرهاب"
تستوجب ذلك، وأنه ليس من المفروض
"إعلام الإرهابيين"
بأنهم تحت
المراقبة
المستمرة...
وهكذا.
قد
يسلم المرء
أنه ليس ثمة
غضاضة كبرى
لدى الأمريكي
المتوسط،
في أن يتم نقل
العرب
والمسلمين
"المتهمين"
إلى سجون
نائية (بسرية
تامة وبتواطؤ
مع دول غربية
وعربية حليفة)
لتنتزع منهم
الاعترافات
أو " للحد من
شرورهم" كما
يقال.
وقد
يسلم بأن
للرئيس الحق
والصلاحية في
ملاحقة "جيوب
الإرهاب"
بهذه الجهة من
العالم أو تلك، لمحاصرتها
والتضييق على
حلها
وترحالها حالا
وبالمستقبل.
لكن
الذي لم
يستسغه
الأمريكي إياه، إنما إخضاعه
(في جريرة كل
ذلك) لرقابة
مستمرة دونما
علم من لدنه أو
إخبار،
ودونما تفويض
قضائي يجيز
للرئيس ذلك، ويضمن
للمواطن حقه في
الحرية وسرية
معلوماته
وخصوصيته:
+ فهو
لم يستسغ أن
تسلم شركات
اتصالاته
الكبرى (من
قبيل أ.ت.ت،
وبيل سوث، وفيرجين)
جرد مكالماته
الهاتفية
ومراسلاته
بالبريد الألكتروني
للمخابرات
(ناهيك عن التنصت
المباشر عليه)، دونما علم مسبق
من لدنه،
ودونما أن
يسوغ القضاء
لذلك أو يبيحه، أو يحدد
الغاية
الحقيقية منه، والتي قد
تخضع للتوظيف
الأمني
الخالص كما قد
تكون مادة
للتجسس
الاقتصادي أو
للابتزاز
السياسي أولما
سواهما.
+
وهو لم يستسغ
أن تخضع
معاملاته
المالية وتحويلاته
البنكية
الداخلية كما
مع العالم الخارجي، لعمليات
تتبع مدققة قد
ينتج عنها
تجميد هذا الحساب
أو منع هذه
العملية،
دونما إذن
قضائي صريح، اللهم إلا
ما يربط
البنوك
ومؤسسة
الاتصالات
المالية
العالمية (السويفت)
من لوائح
وإجراءات
واتفاقات.
+
وهو، وإن استساغ
إجراءات
حمايته من
"إرهاب محتمل
قادم"، فإنه
لم يستسغ أن
تذهب
الإجراءات
إياها لحد تحديد
وتهديد حريته
الدستورية
ومبدأ سرية
المعلومات
الشخصية التي
ضمنها له
القانون
بقترات السلم
كما بزمن
الحروب.
وإذا
كان للإعلام
الأمريكي
الفضل الأكبر
في الكشف عن
برامج بوش التجسسية
على مواطنيه
كما على
مواطني
العالم، فإنه
(الإعلام
أعني) لم يتلق
من الرئيس إلا
الإدانة
و"التشكيك في
المسؤولية"، ومن وزيره
في العدل
التهديد
بالمتابعة
والمقاضات، ولكأن لسان
حاله (ولسان
حال وزيره)
يقول: لا حدود
لصلاحيات
الرئاسة إلا
حدود ما
تستوجبه "الحرب
الشاملة على
الإرهاب"
أينما أمكن
وبكل السبل.
لم
ينحصر الأمر
عند هذا الحد، بل تعداه
لدرجة رفض
الرئيس
الأمريكي
الانصياع
لقرارات المحكمة
العليا عندما
أشرت بعدم
شرعية
الإجراءات، وأفتت
بتجاوز
الرئيس
لصلاحياته... تماما
كما فعلت في
قرارها بإزاء
لاقانونية معتقل
غوانتانامو
ولم يلق
قرارها سبيلا
للتصريف.
صحيح
أن ثمة خيطا
رفيعا بين
طبيعة "حرب
بوش على
الإرهاب"
ومبدأ احترام
الحريات
الفردية
والجماعية التي
كفلها
الدستور.
وصحيح أن
الرئيس صرح
بأنها
إجراءات
مؤقتة سرعان
ما ستزاح
بإزاحة الإرهابيين..."
كل
الإرهابيين".
لكن
المؤكد أن
هلامية الحرب
إياها،
واتساع
أفقها
وامتدادها
إلى شتى الميادين
والأنشطة
وتحولها
تدريجيا إلى
إيديولوجيا
تستهدف
الأخضر
واليابس... كل
ذلك يوحي بأن
الإجراءات
الرئاسية في عهد
بوش الإبن
أضحت قوانينا
قارة تقدم
الحريات،
كل الحريات، قربانا لها
سواء رضي بذلك
القضاء أم لم
يرتضيه...
إنه
فائض القوة
الذي اضحى
الرئيس
الأمريكي بموجبه
فوق القانون، بل مصدرا من
مصادره. هل
بات ثمة، بعد
كل هذا، ما
يميزه حقا عما
سواه من رؤساء
العالم الثالث؟
يحيى
اليحياوي
الرباط، 4 شتنبر 2006