بوش الراحل
والغصة في
حلقه
لست,
ولن أكون
بالقطع,
الوحيد الذي
انتشى وأحس
بالفرج, كل
الفرج, أو
ببعض منه على
الأقل, بأعقاب
اقتراب رحيل الرئيس
بوش عن سدة
الحكم
بالولايات
المتحدة الأمريكية,
بعدما أذاقت
هذه الأخيرة,
بظل حكمه,
أذاقت العالم,
أفرادا ودولا
وجماعات,
الأمرين,
وخلقت من بين
ظهرانيه,
كوابيسا وأحلاما
سوداء, خيل
للمرء أنها لن
تنجلي أبدا,
في القادم من
أيام.
لم
تكن عهدتي
بوش, والثماني
سنوات التي
قضاها بالبيت
الأبيض, لم
تكن حبلى
بأحداث
حقيقية, وأخرى
تم اختلاقها
اختلاقا
لمبتغيات
وغايات شتى,
بل كانت حمالة
لنمط في الحكم,
خاصيته
الأساس
الغطرسة
والاستعلاء,
وقصر النظر,
والإيغال في
اللجوء للقوة
الخشنة, كمحدد
جوهري في
العلاقات
الدولية, لم
تتوافق الدول
والشعوب على
اعتمادها, مذ
عمدت إلى
إنشاء منظمة
الأمم
المتحدة أواسط
القرن الماضي,
وارتضت
لنفسها مسلك
فض النزاعات
بالأدوات
السلمية, وعن
طريق الوساطات.
وبقدر
ما كان الرجل
جاهلا, ومنتشيا
ب"الوضع
الأمبراطوري"
الذي منحه
إياه الدستور
الأمريكي (على
الرغم من أنه لم
يصل للسلطة
بالمرة
الأولى, إلا
بحكم قضائي),
بقدر قوة
محيطه ودهاء
المقربين منه,
في توجيه
قراراته ذات
اليسار وذات
اليمين, دونما
تقدير كبير
لما قد يترتب
عن ذلك من تداعيات
على أمن
العالم, وعلى
صورة
الولايات
المتحدة, لدى
حلفائها كما
لدى الغرماء.
إن
قرار الرئيس
الأمريكي غزو
أفغانستان,
بأعقاب ضربتي
واشنطن
ونيويورك,
أملا في تقويض
تنظيم
القاعدة
واعتقال
زعيمها, ثم في
تثبيت نظام في
الحكم موال له
هناك, لم
يترتب عنه فقط
تدمير بلد
وتشريد شعب,
بل وأيضا تحويل
البلد برمته
إلى مجال لحرب
العصابات, لا
يمر يوم إلا
ويسقط بجريرتها
جنود أمريكان
وأفغان ومن
حلف شمال
الأطلسي أيضا,
بمجال جغرافي
بات لحركة
طالبان
القول/الفصل
فيه, فيما لا
يزال زعيم
تنظيم
القاعدة والموالين
له, يضبطون
بمهارة
تواقيت
الحركة كما
تواقيت السكون,
ناهيك عما
يقدمون عليه
بانتظام, من
"استفزازات"
إعلامية
متكررة,
بتسجيلات
مرئية
ومسموعة,
تتحدى
المخابرات
الأمريكية,
وتتجاوز على
المخبرين
المحليين,
أجهزة ونظم
تجسس.
وعلى
هذا الأساس, فإن
رحيل جورج بوش
عن رئاسة
الولايات
المتحدة, لن
يدفع
المقاومة
الأفغانية
للتشفي فيه
(هو الذي
لطالما وعد
بالانتصار
عليها
وسحقها), بل
سيترك جرحا
غائرا بحلقه,
لن يندمل
بالمرة فيما
تبقى له من
العمر.
لن
يكون تشفي
المقاومة
العراقية أقل
عمقا ولا أخف
وطأة, هي التي رفعت
السلاح منذ
الأسبوع
الأول بوجه الاحتلال,
فأفسدت عليه
نشوة "النصر",
وأبطلت من بين
يديه ما كان
يرتب من
مشاريع للمنطقة,
لا بل ونغصت
أيما يكن
التنغيص, على
لفيف العملاء
الذين
استجلبهم معه
لحكم العراق,
فباتوا تماما
كما الاحتلال,
رهينة
للمقاومة, لا
يستطيعوا مغادرة
المنطقة
الخضراء, وإن
غادروها, فتحت
رحمة هذه
الناسفة, أو
ذاك القصف.
صحيح
أن بوش دمر
البلد وقوض
بناه وعاث
فسادا بحضارته,
ناهيك عما
فعله بالبشر,
تقتيلا
وتهجيرا,
وزرعا
للكراهية
والحقد, على
أساس من
المذهب أو
الطائفة أو
العرق أو الدين.
كل هذا صحيح
ومثبت, لكن
بوش على الرغم
من ذلك, سيرحل
والغصة في حلقه
من مستنقع لم
تنفع للخروج
منه, لا سياسات
ضخ المزيد من
الجنود, ولا
تكتيكات
استصدار
التمويلات
الإضافية
لمجابهة
التكاليف. سيرحل
بوش عن البيت
الأبيض, ولعنة
العراق
تطارده في حله
كما في
ترحاله, في
ليله كما في
نهاره.
وإذا
بات من المؤكد
اليوم أن ما
حصده بوش من حربه
على
أفغانستان
والعراق, إنما
الفشل والإحباط
وانتفاضة
الشعب الأمريكي
عليه جراء
توريط أبنائه
في حربين
خاسرتين, فإنه
من المؤكد
أيضا أنه
سيرحل عن
البيت الأبيض,
وبحلقه غصة من
عدم قدرته على
التصدي للمشروع
النووي الإيراني.
إن
إيران, طيلة
مرحلتي حكم
جورج بوش, لم
تعمد فقط إلى
تسريع بناء
مشروعها
النووي
والدفع بحقها
في ذلك جهارة,
بل وذهبت لحد
تحدي الإدارة
الأمريكية,
واستنفار كل
قواتها,
العسكرية
والسياسية,
لمواجهة أي ضربات
محتملة
لمفاعلاتها
النووية, من
لدن ذات
الإدارة أو عن
طريق إسرائيل,
وكيل
الولايات
المتحدة في
المنطقة بامتياز.
لم
يكن عدم اتخاذ
قرار ضرب إيران,
تأنيا أو حكمة
من لدن بوش
ومحيطه الخشن,
ولا كان من
باب إعمال
الدهاء
السياسي, ثم
الابتزاز, ثم
الإغراء كما
بحال كوريا
الشمالية, بل
تخوفا من فتح
جبهة إضافية
يدرك ناصحوه,
أنها سترفع إن
أقدم عليها,
من منسوب
التهديد الذي
قد يطاول
المصالح
الأمريكية
بالمنطقة
برمتها, إذا
لم يكن
بالداخل
الأمريكي
المباشر.
وبناء
عليه, فإن
الذي اعتمده
بوش وإدارته,
طيلة الثماني
سنوات التي
قضاها
بالسلطة, من
حرب عالمية
على الإرهاب,
وحروب استباقية
ووقائية,
و"مبارزة
الأعداء حيث
هم" وما سوى ذلك,
هذا الذي
اعتمده
بالمكر
والمخادعة,
وتلفيق
الوقائع
والتهم,
وتوزيعها هنا
وهناك, لم
يفرز فقط
تعميما للخوف
وإشاعة للرعب
والعنف على
نطاق واسع, بل
وأفرز أيضا
تذمرا عالميا
من رئيس تجاوز
على القانون
والأخلاق,
وبات في حل
مما تعارفت
عليه
الحكومات
والشعوب,
لعقود عديدة
مضت:
+
فهو لم يكتف
بتدمير
مقومات
دولتين ذوات
سيادة,
والعودة بهما
(سيما
بالعراق) إلى
عصور ما قبل
التاريخ, بل
سن له بهما
قواعد عسكرية
طويلة المدى,
على شاكلة
الدولة داخل
الدولة,
بتواطؤ مع
عملاء له ضمن
لهم "السلطة"
والحماية,
والحصانة ضد
المساءلة
والمتابعة,
والقصاص. كنا
نتصور, من
الزاوية
الأخلاقية
الصرفة على الأقل,
أن زمن
الاستعمار,
على خلفية من
استصدار
ثروات الشعوب
وقدراتها قد
ولى دون رجعة,
إلا أن ذات
التصور قد
تكسر على
محراب رجل,
ادعى منذ
اليوم الأول أنه
مكفل برسالة
إلهية "مطالب
بتنفيذها",
كما تكفل بذلك
الرسل
والأنبياء في
غابر الأزمان.
+
وهو لم يكتف
بالزج
بالآلاف,
بمعتقلات
باتت بزمنه شهيرة,
بباغرام
وغوانتنامو
وأبو غريب وما
سواها, دونما
محاكمة على
ذنب بين أو
حجج ثابتة, بل
تطاول على
حريات
مواطنيه
أنفسهم,
بالرقابة الألكترونية,
والتجسس على الحسابات
المالية, والترصد
عبر البصمات
وما سوى ذلك,
حتى باتت الحرية
بأمريكا (وبكل
دول الغرب,
ناهيك عن دول
العالم
الثالث
التابعة)
مقدسا مدنسا,
لا يخجل
الرئيس من
دوسه
بالأقدام, سرا
وعلانية.
+
وهو الذي,
باختتام
دورته
الرئاسية
الثانية, أغرق
البلاد
والعالم في
أزمة مالية
خانقة, تداعت
لها مفاصل
المال
والاقتصاد
والأعمال بالداخل
الأمريكي, كما
بباقي دول
العالم, فباتت
الاقتصادات
وأسواق المال
خاضعة لمنطق
في الفوضى
سرطاني
الطبيعة, ينهك
الضرع والزرع,
ويأتي دون
هوادة على
الأخضر
واليابس.
إن
ما قدمناه هنا
إنما هو غيض
من فيض, ومع
ذلك, فقد
"انزاح" جزء
من الغمة, خيل
إلينا أنه لن
ينزاح أبدا.
هل بمقدور
أوباما أن
يصلح ما أفسده
بوش, بجهل منه
وبجهالة من
مؤيديه؟
يجيب
روبرت فيسك:
"كيف يمكن أن
يصلح أوباما,
الدمار
الهائل الذي
ألحقه هذا
الكذاب الشرير
بالعالم وبأمريكا
نفسها؟".
يحيى
اليحياوي
الرباط,
10 نونبر 2008