واقع وآفاق السمعي-البصري بالمغرب: نموذج التلفزة
يحيى اليحياوي
هذه الورقة ليست مداخلة
بالمعنى الأكاديمي للكلمة، هي محاولة لوضع أرضية للنقاش حول واقع وآفاق القطاع
السمعي-البصري بالمغرب.
لهذا الاعتبار، أعتقد
جازما أن ما أسميته بمحنة التلفزة بالمغرب هو حقيقة محنه مركبة.
فهي تطالنا على المستوى السياسي ما دامت أربعين
سنة من "الفعل السياسي" لم تفرز فضاء ديموقراطيا تتناوب في إطاره
المشاريع والاختيارات بصرف النظر عن جدية هذا المشروع أو ذاك.
وهي تطالنا على المستوى
الاقتصادي كون ما يقدم على أساس كونه "اختيارات رشيدة" لم يفرز إلا
التخلف والفقر والتوزيع الغير عادل للثروات والقهر الاقتصادي وغير ذلك.
وهي تطالنا على المستوى
الثقافي واللغوي كوننا لم نستطع إفراز ثقافة خاصة بنا ولا نجحنا في تكريس مبدأ
الاختلاف اللغوي من بين ظهرانينا.
وهي محنة على المستوى
الاجتماعي كوننا لم نستطع إقامة مشروع مجتمعاتي ينير الطريق ويفتح السبل أمام بناء
المستقبل.
هذه نقطة أولى أطرحها
للنقاش: محنة التلفزة والسمعي-البصري بوجه عام هي من محن المستويات التي ذكرت بها
أعلاه.
ثم هذه المحنة هي كذلك
محنة هوية، فالتلفزة لم تكن يوما فاعلا ذا هوية يتحدث باسمها وينطلق من مقوماتها
للدفاع على تصوره.
كانت التلفزة ولا تزال
جزءا من هوية، هوية السلطة باختلاف مستوياتها وباختلاف مكمن تراتبيتها. معنى هذا
أنه ليس من الممكن لمؤسسة ما أن تتموقع وتدافع على موقعها إن هي كانت مسلوبة
الهوية، منزوعة القوة، غير قادرة على استشراف آفاق مستقبلها. وحال التلفزة بالمغرب
(والسمعي-البصري بوجه عام) أنه مستلب الهوية، مسلوب قدرة القرار.
النقطة الثالثة هو أن
التلفزة أصبحت مع الزمن مكمن للوبي لا مصلحة له في إصلاح ذات البين بداخلها أو من
بين ظهرانيها. لهذا السبب ، فهي محكومة بقوى ظاهرة وأخرى خفية لكنها أبعد ما تكون
عن لوبي من صلاحياته الدفاع عن طرحه وتبني التوجهات التي تفرضها عليه تصوراته
للعمل الإعلامي وتتطلبها منه الشرائح المتلقية.
الواقع إذن غير مشجع
بدليل أن حتى حكومة التناوب لم تستطع تحريك الملف ليصبح بالتالي وبامتياز "
ملف سيادة".
ما هي الآفاق؟
التفكير في الآفاق
يتطلب أولا الاعتراف بفشل الأداء التلفزي الذي انبثق عن أربعين سنة من الممارسة:
أي الاعتراف بأن التلفزة كانت مصادرة لاعتبارات مادية ورمزية محددة.
ثم الاعتراف بأن الجهة
التي وظفت هذه "الأداة" هي التي من المفروض أن تضع حدا لهذه الوضعية
وأعني بذلك الجهة التي لا مصلحة لها في التغيير داخل التلفزة ومن بين جدرانيها.
ثالثا، يجب الاعتراف
بأن سيناريو الاستمرارية لم يعد ممكنا وسيناريو الإصلاح غير صالح على أن الحل
الأنجع هو تكريس التلفزة (وباقي وسائل الإعلام الأخرى) كسلطة رابعة مستقلة عن
الأجهزة الأخرى...بما فيها القضائي.
مداخلة بندوة " واقع وآفاق السمعي-البصري بالمغرب"، الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، الرباط، 13 نونبر 1999