يحيى اليحياوي
منذ اندلاع العدوان الأنجلوأمريكي على العراق في العشرين من مارس 2003، لم يكن لمشاهدي قنوات التلفزيون بمعظم بقاع الأرض أن يروا من أطواره إلا ما تسنى للآلة الإعلامية المصاحبة أو المواكبة أن تريه لهم أو سمح لها ببثه وترويجه "لفائدتهم".
والواقع أن العدوان على العراق لم ينحصر في مستوى الآلة الحربية التي تكاثفت عناصرها (برا وبحرا وجوا) لتدمير دولة وتكسير مقومات شعب (دونما موجب أدنى حق يذكر)، بل وتعدى ذلك في اعتماده لشتى ضروب التعتيم والتضليل والكذب والحرب النفسية التي مهدت للعدوان، بررت لقرارات متخذيه واعتمدته مصدرا للمعلومات والخبر طواعية من لدنها أو مجبرة على ذلك.
لم يعمد العدوان إذن إلى القنبلة أوالمدفع أوالرشاش في شن عدوانه، بل عمد أيضا (واعتمد بالأساس) على " نظريات في الإعلام" لم يكن قد تسنى لها التجريب بعد تماما كالعديد من أدوات القتل والتدمير وإفناء الجنس البشري المعتمدة في العدوان.
وبناء على ذلك، فالعبرة في "هزيمة" العراق (إثر السقوط المدوي لبغداد أساسا) والتسابق المخجل من لدن هذه الجهة أو تلك ( المشبوه منها قبل الصادق) لتبيان غيرتها على البلاد وأحقيتها في حكمه، لا يجب أن تستمد مما فعلته الآلة الحربية في أجساد البشر و تراث الحضارة، بل وأيضا (ولربما بالتحديد) على خلفية ما فعلته الآلة الإعلامية في نفسية الإنسان ومعنوياته وقدراته على المتابعة والفهم.
فعدوان الآلة العسكرية (حتى باستعمالها لأفتك الأسلحة وأعتى الترسانات) لم يكن الأكثر قوة ولا الأقدر على الفتك قياسا إلى السموم التي نفثتها الآلة الإعلامية الأنجلوأمريكية والتقطتها بالمحصلة باقي قنوات العالم (أولاها الفضائيات العربية) ..وروجت لها بالصوت والصورة والتعليق المستمر.
ولئن كنا نؤمن أشد ما يكن الإيمان بهذه الخلاصة (خلاصة تفوق الآلة الإعلامية سلبيا على الآلة الحربية في العدوان على العراق)، فإننا لا يمكن أن نغفل عن ظاهرة التفريخ (تفريخ "الخبراء") التي سادت بالفضائيات العربية أساسا طيلة مراحل العدوان كما حين وضعت "الحرب أوزارها".
وظاهرة التفريخ المراد الحديث فيها هنا لا تخص خروج هذا "الخبير" أو ذاك عن "صمته" وإفصاحه بالحجة والبرهان عن السياق العام الذي من المفروض وضع العدوان في إطاره ولا اتخاذ هذا المفكر أو ذاك مرجعية ما لتفسير ذات السياق أو تبرير منظومته بالوثيقة والدليل، بل ونعني به أصلا وقصدا وبالأساس استنبات القنوات الفضائية للعديد من "الوجوه والأقلام" التي اتخذت لها منهم "محللين سياسيين" و"خبراء استراتيجيين" و ما سوى ذلك.
لن يكون المرء حقا بإزاء مجازفة من نوع ما أو بإزاء زعم خالص من لدنه لو اعتبر أنه لم يكن يوما للقنوات الفضائية أن استنفرت هذا الكم الهائل من " المحللين والاستراتيجيين والخبراء" (لربما باستثناء ما جرى يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001) للتعليق على ما يجري من عدوان أو تبيان خلفياته أو إماطة اللثام عما يعتمل منه ومن خلاله.
والقصد هنا لا يطال بالقطع استعانة هذه القناة أو تلك بخبراء معتمدين لديها يستقرئون لها الوقائع، يعلقون على الجاري منها ويستشرفون ما قد يترتب عنها من نتائج وتداعيات، بل المقصود أساسا الوتيرة المتسارعة التي تم على أساسها لجوء العديد من القنوات الفضائية العربية لهذه الظاهرة:
+ فالعديد من الفضائيات العربية لم تكتف فقط بما تم لها بثه عن أطوار العدوان (عبر ما عممته القنوات الأنجلوأمريكية المنصاعة قلبا وقالبا للمؤسسة العسكرية/السياسية التي شنت العدوان)، ولم تكتف بما وافاها به مراسلوها بعين المكان (بصرف النظر عن مستوى "التغطية" التي تسنى لذات المراسلين)، بل ولم تتوانى في الاستعانة ب " محللين وخبراء" من أطياف مختلفة للتعليق على هذا الخبر أو ذاك، على هذه الصورة أو تلك، دونما سبيل (لدى المشاهد) في " تصديق" ما يروجه هذا "المحلل" أو يزعمه ذاك "الخبير".
ولئن كان من المسلم به، في تصورنا على الأقل، أن جزءا من هؤلاء إنما يشفع لصدقيته ومصداقية تعاليقه وتحليلاته، ماضيه العسكري المشرف ومواقفه الملتزمة (من قبيل الفريق سعد الدين الشاذلي وبعض آخر من مصر ولبنان وسوريا وغيرها)، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء هم عموما صحفيون وسياسيون ومهتمون وعسكريون متقاعدون...وهواة أيضا ادعوا لأنفسهم صفة "الخبير المحلل" بالتجاوز أو بإعمال مبدأ "الاقتراب" من هذا المسؤول أو ذاك (في زمن ما) أو تسنى لهم بالممارسة أن يواكبوا هذا الشخص "الفاعل" أو ذاك أو يعرفون بعضا من "الخبايا" من خلاله...وهكذا.
هم في الغالب الأعم (أو هكذا يبدو لنا الأمر على الأقل) "خبراء" بالفطرة أو دخلاء على "المهنة" من مهن أخرى بارت وتراجع صداها بالسياسة كما بالصحافة كما بالجامعة كما بالمؤسسة الإدارية كما بالمؤسسة العسكرية كما بسواها.
وعلى خلفية من تباين صفاتهم بين قناة وأخرى، فإنهم لم يكونوا مدعاة تشكيك فحسب (بحكم مواقفهم من النظام بالعراق أو من العدوان القائم)، بل كانوا أيضا وبالأساس مصدر تشويش على المواطن (المتتبع لهذه القناة أو تلك) والباحث عن منبع للمعلومة والخبر ينوره ويستجلي الغموض والتشويش من بين ظهرانيه.
+ لم يكن "خبراء" القنوات الفضائية العربية (المستنبتين ولكأنهم بالاستنساخ احتكاما إلى عددهم وتعدد "اختصاصاتهم") ولا "محللوها" مقتصرين على قراءة واقع الحال (في خضم مجريات العدوان أعني) ولا متبجحين على وضعه في سياقه العام (منذ الحرب مع إيران أو دخول العراق للكويت أو غيرها)، بل وذهبوا لحد استشراف حال ومآل "المعركة" مسلمين بحتمية انتصار العدوان على العراق، لكن متأكدين (في أغلب ما وضعوه من سيناريوهات) في "التناحر الشديد" الذي سينتج لا محالة بشوارع المدن الكبرى بضواحي بغداد كما بأزقتها وأحيائها.
وهو سيناريو لم تسقط على محرابه تباعا استشرافات الخبير العارف بالحروب، الداري بالمفاجآت التي غالبا ما تأتي بها، ولكن أيضا "خبراء القنوات الفضائية" الذين تبنوا بدورهم ذات السيناريو لكنهم (كما غيرهم) احتاروا في تفسير " لغز" بغداد واستسلام المدينة دونما مقاومة تذكر في "موكب رهيب" من الدبابات نقلته تلفزيونات العالم بالمباشر الحي ولكأن لا قاطن يذكر بعاصمة الأمبراطورية العباسية.
+ لم يبق من سبيل لهؤلاء "المحللين" و "الخبراء"، بعد سقوط بغداد، إلا تلويك ما يروج بوسائل الإعلام أو ما يتوفر لهذا "المحلل" أو ذاك من مصادر معلومات له بأرض المكان.
فسقوط بغداد لم يزح فقط عن هؤلاء هالة "الامتياز في التعليق" والتفنن في انتقاء المصطلحات وإشهار مبدأ الاستشراف، بل وأزاح عنهم أيضا "المقدرة" المدعاة من لدنهم في تحديد " مدة المعركة" وآفاقها وتداعياتها الكبرى. وهو أمر بقدر ما ينفي عنهم الصفة المدعاة من لدنهم، بقدر ما يطعن في ادعائهم المعرفة والخبرة.
لم يكن لدينا أدنى شك، منذ انطلاق العدوان على العراق، بأن ذات العدوان لن يتطلب (في مجريات أطواره ومراحل تنفيذه) لن يتطلب كبير اجتهاد لفهم دواعيه ولا كثير تحليل لاستيعاب دلائله وأبعاده:
+ فهو عدوان على دولة ضعيفة جندت لها القوة الاعظم في العالم (بتعاضد وحليف لها طفيلي) كل ما استجد لديها من عتاد وسلاح وإعلام وحرب نفسية... ومن كل حدود "الدولة المستهدفة" الأربع...بالتالي، فكائن ما يكن مستوى مقاومتها وصمودها، فهي حتما " ساقطة" إذا لم يكن اليوم أوغدا فبعدهما بالتأكيد...أي "خبير استراتيجي" هذا الذي يقول بعكس ذلك لو كان له أن يطلع على موازين القوى ويستشرف الآية الكبرى من العدوان؟
+ وهو عدوان لم يكن العراقيون يزعمون القدرة على دحره عسكريا أو تدمير ترسانته أو تقويض عتاده، بقدر ما كانوا يراهنون على استنزافه واستنزاف مستوى الصبر المتدني لديه أصلا...بجهة توظيف ذلك سياسيا أو فضح القائمين عليه بالإعلام كما بالمنتديات العالمية القائمة كما بجهة رأيه العام الذي له ب"أرض المعركة" أبناء وأقارب...مستهدفون.
ولئن كنا، فيما يخصنا على الأقل، لا نستطيع المزايدة على احتمالية الخيانة بجانب بعض من المحيطين بالرئيس العراقي، فإننا لم نكن (كما غيرنا دون شك) نرى في اعتماد ذات السيناريو (من لدن ذات "الخبراء والمحللين") كبير اجتهاد ولا "اكتشافا" في الاستشراف يستحق الاعتبار والتقدير.
وبالقياس على ذلك ، فلم يكن "الخبراء والمحللون" (في قراءاتهم للأحداث وتعليقاتهم عليها واستشرافهم لتداعياتها)، لم يكونوا فقط حالة نادرة في "إعلام" القنوات الفضائية العربية...بل كانوا حالة " شاذة" بالأساس احتكاما إلى ضعف أدائهم وتدني مستواهم وغياب "الرؤية الاستشرافية" الحقيقية من بين ظهرانيهم.
جريدة القدس العربي، 6 يونيو 2003