القنوات الفضائية الآثمة

 يحيى اليحياوي

 

1

 

ليس حكم قيمة من لدننا إطلاقا (ولا نخاله موقفا أخلاقيا حتى) لو اعتبرنا أن ما قامت به بعض من القنوات الفضائية العربية (منذ الاستعدادات الأولى للعدوان على العراق كما طيلة أطواره كما يوم دخلت القوات الأمريكية ساحة الفردوس كما بعد ذلك) إنما هوإثم أيما إثم في تغطية العدوان، في التعليق على تطوراته، كما في الترويج الذي تسنى لها مواكبته بالكلمة والصوت والصورة.

 

والواقع أن سلوك بعض من وسائل الإعلام العربية المكتوب منها  كما المسموع (كما ذي البث الفضائي) لم يكن مدعاة استفهام كبير فحسب (في ظل ظروف سوداء دكت العراق جراءها دكا بالقنابل والمدفعية وغيرها)، بل وأيضا مصدر تذمر وحسرة عميقين من لدن ملايين العرب الذين رأوا ذات المنابر منتابة بمشاعر من السعادة والفرحة لعدوان تزلزلت " بمروره" المدن والقرى، الجبال والمداشر...البنايات الجديدة كما الموغلة في القدم.

 

لم يكن لذات الشعورمن قيمة عملية أو رمزية تذكر لو صدر عن  القنوات الغربية الأمريكية والإنجليزية (سيما المرخص لها من لدن التحالف الأنجلوأمريكي بتغطية العدوان)، ولن يكون مصدر مفارقة لو كان نابعا من وسائل إعلامية أقامتها مجموعات معارضة للنظام القائم بالعراق وما سوى ذلك، لكن الأمر بدا لنا شاذا (وإلى حد بعيد فيما نتصور) كونه نبع من قنوات فضائية لم يعتمل من بين ظهرانيها مبدأ "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، بل تجاوزته لدرجة نصرة الظالم المعتدي، على أساس خلفيات لا يستطيع المرء الدفع بها من جديد  في هذه الحالة، حالة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب العراقي في بشره وشجره وحجره وعمرانه.

 

والمقصود بمعنى الإثم هنا لا يطال "ظلم" هذا الصحفي أو تجاوز ذاك الإعلامي، ولا نعني به تهجم هذا المنبر أو "عدوانية" ذلك، إنما المقصود هنا "ظلم ذوي القربى" (المؤسس له عن قصد ودراية) الذين يستوظفون بأقلامهم كما بالتعاليق كما بالصوت كما بالصورة، النيل من أبناء طينتهم (على أساس هذه الخلفية أو تلك) في ظروف حالكة (كالتي يعيشها العراق منذ العشرين من مارس) قد يصل معها التشفي الصادر عن كل الجهات الإعلامية ، لا عملا شؤما فحسب، بل إجراما دونه أي إجرام.

  

2

 

وعلى هذا الأساس، فالذي مررته القناة الفضائية الكويتية (قبل العدوان كما طيلة مجرياته كما خلال مرحلة استيلاء قوات التحالف الأنجلوأمريكي على العراق) لا يعتبر عملا إعلاميا تفرضه أدوات ذات العمل أو تستوجبه، بل هو في شكله كما في الجوهر، عملا إذا لم يساهم في الجريمة، فقد كان حتما أداة من أدواتها القاطعة:

 

+ فالقناة الفضائية الكويتية لم تكن آثمة فقط كونها نادت بالعدوان وطالبت به واستعجلت قدوم "الفاتحين"، بل تبنت فضلا عن ذلك طروحاتهم ومبرراتهم ومسوغاتهم في الغزو والعدوان.

لم ينحصر أداؤها، بالتالي، على ترويج مقولات من قبيل "امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل" أو "استخفاف ذات النظام بقرارات الشرعية الدولية" أو "استهتار النظام العراقي بتوصيات المجتمع الدولي" وما سوى ذلك، بل تعدى الأمر لديها ذلك ليبلغ درجة مطالبتها بإزالته أثبتت في حقه تلك الاتهامات أم لم تثبت.

 

لم تكن ذات القناة ناطقا رسميا باسم حكومتها (وهي التي تكن من العداء للنظام العراقي ما لا تطيق النفس على تصوره) بل أضحت أداة بيده قاطعة تجيز ما لم تتسن له إجازته وتبيح ما لم تجرأ حتى قوى التحالف في إبانه على استباحته.

أي حقد هذا الذي بإمكان المرء التسليم به وقد أباح العدوان على دولة جارة بل برره ودافع عن الذين أقروه وقرروه وشنوه؟ أي معايير أخلاقية حكمت ذات الموقف وكيف تسنى لها اعتماد ذلك؟

 

+ والقناة الفضائية الكويتية لم تصطبغ فقط بلون العدوان الأنجلوأمريكي على العراق، بل ذهبت لحد تبني منظومته السيميائية في الخطاب كما في الممارسة.

فهي لم تقيم فقط ما يصدر عن المؤسسة السياسية/العسكرية (بالخليج كما بأمريكا) وتقطع برامجها بغرض نقل ما يستجد لدى ذات المؤسسة، بل وذهبت لحد تجاهل ما يصدر عن الجانب العراقي من تصريحات وبلاغات لم تفتأ معظم شبكات التلفزيون العالمية في نقلها بالمباشر الحي ودونما تمويه أو تعتيم.

 

لا يتأتى الحقد من لدن " تلفزيون دولة الكويت" فيما نتصور، من حقد حكام ذات الدولة ولا من حقد إعلامييها على دولة وشعب كانا إلى حين عهد قريب بنية جغرافية ومؤسساتية واحدة، بل يتأتى أساسا وبالتحديد من توفر الوسيلة لمظهرة ذات الحقد (الأداة الحربية الأمريكية أعني) لم يكن له حتما أن يأخذ هذا الشكل أو هذا المظهر في غياب هذه الأداة أو حيادها.

بالتالي، فإثم ذات التلفزيون إنما تأتى من إثم القائمين عليه ومن إثم الذين ضمنوا له التكرس والتمظهر.

 

+ ثم أن القناة الفضائية الكويتية (أو تلفزيون دولة الكويت) لم تكتف فقط بعرض صور العدوان وتعليق القائمين عليه (بمؤسساتهم الصحفية كما بالمقابلات بواشنطن كما بأرض "المعركة")، بل ذهبت لحد الابتهاج والفرح والتشفي عندما دخلت الدبابات ساحة الفردوس وأسقطت تمثال الرئيس العراقي.

 

يبدو للمرء يومه (يوم إسقاط ذات التمثال على شاشة القناة الفضائية الكويتية) أنه لم يكن يرى إحباط الملايين من العرب الذين أذهلهم سقوط بغداد دونما مقاومة تذكر، بل أناسا بالكويت كما بدول التحالف الأنجلوأمريكي وقد بلغت بهم نشوة الانتصار أقصى مداها... وتم اختزال العدوان بموجبه في إسقاط هيكل من البرونز دونما الاكتراث بعشرات الآلاف الذين قضوا قبل هذه اللقطة كما حينها كما فيما جرى بعد ذلك من عدوان.

 

وعلى هذا الأساس، فلم يبد الإعلام الكويتي، طيلة هذه المأساة، مصادرا لحقيقة ما جرى ويجري، بل غدا صوتا شاذا يغرد خارج صربه العربي كما يقال.

 

3

 

 

لم تستنكف القناة الفضائية الكويتية عن آثامها بعدما تسنى للتحالف الأنجلوأمريكي استباحة الأرض وارتهان الشعب، بل سايرته وروجت لمقولاته دونما حرج يذكر أو احتساب:

 

+ فهي لم تقف عند حد الاصطفاف وراء التحالف في تبريره لعمليات النهب والسلب التي تعرض لها العراق بعد انفراط النظام (والتي اعتبرتها كما التحالف " طبيعية" في حالات سقوط أنظمة شمولية كما وقع بالعراق)، بل ذهبت لحد تبرير حالة الفوضى القائمة والتي لم يكن لها أن تكون لولا تحفيز من لدن التحالف وضمانا من لدنهم للذين يقومون عليها.

 

+ وهي لم تتبن فقط طروحات التحالف في إقامة نظام عسكري أمريكي انتقالي (ومن بعده نظاما "عراقيا" مدنيا) وما سوى ذلك، بل ولم تخجل من التلميح إلى أن "المرغوب فيه" من لدنها إنما استبقاء الأمريكان والإنجليز لحين التأكد من " خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل"...وبقائهم لأقصى أمد ممكن حتى في عدم التأكد من ذلك.

 

هي (أعني الفضائية الكويتية) كما الدولة القائمة عليها لا تتحفظ على بقاء قوات ذات التحالف بالمنطقة بقدر ما تتخوف من قيام نظام حكم آخر بالعراق قد تتوفر لديه الدلائل التاريخية (باعتبار الكويت جزءا منه) والمبررات (مبررات التواطؤ الكبير الذي تم بين التحالف والكويت على ضرب العراق)، كي " يهددها" أو "يغزوها" أو " ينال من استقلاليتها".

 

+ وهي لم ترحب بالعدوان على العراق (فتحا لمجال بلادها بغرض ذلك واستضافة من لدنها لقواته وقواعده وما سوى ذلك)، بل ذهبت (الفضائية الكويتية أعني) لدرجة مجارات خطاباته عندما "وضعت الحرب أوزارها" يوم التاسع من أبريل.

 

لا يروم التلميح هنا إلى التغطية (على طريقة س.ن.ن) التي ضمنتها ذات الفضائية وزايدت على الذين أدلوا بملاحظاتهم لها على ذلك، بل ويروم التساؤل في أهدافها (وأهداف الدولة القائمة عليها)...سيما عندما تتبنى، كما يدفع بذلك التحالف الأنجلوأمريكي، بأن أركان النظام العراقي كما أسلحة الدمار الشامل المتوفرة لديه قد انتقلا إلى سوريا في عملية مماهاة مع القنوات الأمريكية المندغمة في منطق التحالف.

 

وبصرف النظر، في المحصلة، عن الغاية من ارتهان هذه القناة لقوى التحالف، فإن الملفت للنظر حقا أنه لم يتسن لها لحد الآن الاعتبار بأن الذي تقوم به إنما هو إثم في حق العراق، في حق العرب وفي حق نفسها في المقدمة.

 

الرباط، 13 أبريل 2003